قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

مدّ الديمقراطية وجزرها قصة قديمة متجددة في القارة العجوز، خصوصًا مع انتعاش اليمين الشعبوي وتقهقر الليبراليين الأوروبيين.

إيلاف من بيروت: وصل القوميون المتطرفون إلى السلطة في بولندا والمجر، وفي الحكومات الائتلافية في إيطاليا والنمسا، وفي برلمانات ألمانيا وهولندا وفرنسا. وتحسبًا لانتخابات الاتحاد الأوروبي في الشهر المقبل، شكلت مجموعة من الأحزاب الشعبية اليمينية المتطرفة تحالفًا جديدًا، بقيادة وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، المحب لتطبيق إنستاغرام. 

مسألة معقدة
هل هذا يعني أن أنصار الديمقراطية الليبرالية في أوروبا أصيبوا بالصدمة؟. كلا، إطلاقًا، وذلك وفقًا لشيري بيرمان في كتابها الجديد "الديمقراطية والدكتاتورية في أوروبا: من نظام الحكم القديم إلى يومنا هذا" DEMOCRACY AND DICTATORSHIP IN EUROPE: From the Ancien Régime to the Present Day (المؤلف من 545 صفحة، منشورات جامعة أوكسفورد، 35 دولارًا).

في دراستها التطور السياسي الأوروبي على مدى أكثر من 200 عام، تُظهر بيرمان، أستاذة العلوم السياسية، أن مسألة الديمقراطية في أوروبا معقدة. والهدف النهائي، كما تعتقد، هو الديمقراطية الليبرالية، مع الانتخابات واحترام حكم القانون، والحريات الفردية وحقوق الأقليات. لكن هذا إنجاز نادر صعب المنال. وغالبًا ما تتبع خطوة إلى الأمام خطوة أخرى إلى الوراء.

ربما يبدو هذا واضحًا إلى حد ما لأي شخص مطلع على الخطوط العريضة للتاريخ الأوروبي، لكن بيرمان تجعل القضية واضحة ومقنِعة. ففي الوقت الذي يتخوف فيه كثيرون من تراجع الديمقراطية، تبدو مقاربتها طويلة المدى جذابة.

تركة ثقيلة
من الواضح أن الإجابات عن الأسئلة المعاصرة ليست بعيدة عن عقل بيرمان، لكنها تكرّس بضع صفحات للسياسة الأوروبية الراهنة. معظم فصول الكتاب عبارة عن دراسات حالة، تدرس متى ولماذا تزدهر الديمقراطية أو الدكتاتورية، مع أمثلة تراوح بين ثورة عام 1688 المجيدة في بريطانيا، وحتى سقوط الشيوعية على الطراز السوفياتي في أوروبا الشرقية في عام 1989.

تعتقد الكاتبة أن "ترِكة الأنظمة السياسية السابقة - الإيجابية والسلبية على حد سواء - تثقل بحملها على تطوير أنظمة جديدة". بناء ديمقراطية ليبرالية يتطلب دولًا قوية، وهويات وطنية متماسكة وثقافات سياسية تعطي المواطن والسياسي ما تسميها "قواعد اللعبة". لكن العوائق أمامهم يمكن أن تستمر أجيالًا.

المثال هو إيطاليا. ففي أوائل القرن التاسع عشر، كانت شبه الجزيرة الإيطالية التي تهيمن عليها الممالك المتنافسة والدول المدن، مهزومة باعتبارها "تعبيرًا جغرافيًا"، وليست دولة. 

القوى تتغير
لإقامة دولة، مرت إيطاليا بتوحيد من أعلى إلى أسفل، بقيادة الشمال الأكثر ازدهارًا، وتتطلب الإكراه لإدماج باقي البلاد. كانت النتيجة: الضعف والوهن.

لم تصل الديمقراطية الليبرالية إلى إيطاليا بشكل كامل إلا بعد الحرب العالمية الثانية، بفضل جزئي لمركزية موسوليني. ولا يزال تراث تلك السنوات الأولى قائمًا حتى اليوم. تتمثل النقطة المفيدة في كتاب بيرمان في أن القوى المعادية للديمقراطية تتغير كثيرًا مثل أي شيء آخر في السياسة.

في الشد والجذب بين الديمقراطية والدكتاتورية في فرنسا، على سبيل المثال، تم استبدال أنصار القرن الثامن عشر بأنواع جديدة من القوميين المناهضين لليبرالية. ويبدو أن كل حقبة تحصل على جناح تستحقه.

هذا تذكير قيِّم لأولئك الذين يطلقون اليوم سمات معينة، مثل "الفاشية"، على السياسيين اليمينيين المتطرفين: من الأفضل أن نفكر فيها من وجهة النظر الحديثة.

أقل ديمقراطية
إذا كان هناك خطأ في كتاب بيرمان، فهو افتقاره إلى الخيال بشأن شكل ديمقراطية أفضل. على الرغم من حرصها الشديد على الكيفية التي تتغير بها السياسة باستمرار، يبدو أنها تعتقد أن السياسة في أوروبا الغربية وصلت إلى أعلى مستوياتها بعد الحرب العالمية الثانية، عندما تم ترويض الرأسمالية بالديمقراطية الاجتماعية والقيم الليبرالية تم تبنيها على نطاق واسع (أو فرضها)، وذلك كله تحت حكم أميركي بصفتها مظلة أمنية وبتمويل من خطة "مارشال" النقدية.

تدين بيرمان بحق التغيّرات التي حدثت في العقود الأخيرة، لأن دولة الرفاه الاجتماعي تراجعت، وأصبح الاتحاد الأوروبي أقل "ديمقراطية" وأكثر "تكنوقراطية"، وترى أن ظهور أقصى اليمين اليوم كرد فعل. لكنها تأمل، على ما يبدو، في العودة إلى ذلك العصر الذهبي.


أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "نيويورك تايمز". الأصل منشور على الرابط: 
https://www.nytimes.com/2019/04/18/books/review/sheri-berman-democracy-and-dictatorship-in-europe.html?login=email&auth=login-email