قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

ترجمة أنس مصطفى

مارك ستراند شاعر، مترجم، كاتب مقالات وفنان تشكيلي أميركي. ولد في سمرسايد في كندا في العام 1934. تخرج من كلية أنتيوش، ثم درس التلوين بجامعة يال. درس الشعر الإيطالي في القرن التاسع عشر في الفترة بين 1960 إلى 1961. ثم نال ماجستير الفنون الجميلة من جامعة أيوا عام 1962.

لمارك ستراند العديد من المجموعاتِ الشعرية منها: المجموعة الشعريَّة 2014، تقريباً غيرُ مرئي 2012، قصائدُ مُنتقاة جديدة 2007، رجلٌ وجمل 2006، دجاجةٌ، ظلٌ، قمرٌ وأكثر 1999، المرفأُ المظلم 1993، حياةٌ مُستمرَّة 1990، قصائِدُ جديدة 1990، قصائِدُ مُنتقاة 1980، الساعةُ المتأخِّرة 1976، قصَّةُ حَيَوَاتِنا 1973، أشدُّ عتمةً 1970، أسبابٌ للمُغَادَرَة 1968، والنَّومُ بعينٍ واحدةٍ مفتوحة 1964. له كتبٌ نثريةٌ أيضاً منها النَّصبُ التذكاريّ 1978، وكوكبُ الأشياءِ المفقودة 1982. كما أنَّ له كتبٌ للأطفالِ تشملُ كتابَ الَّليل 1985، رمبراندنت يتمشَّى 1986، والسَّيدَ والسَّيدة بيبي 1985. أصدرَ ستراند قِصَصَاً قصيرة، كتبَ نقداً حولَ الفنِّ التشكيلي، كما شاركَ في العديدِ من الدوريَّات وعمل محرراً للعديد من كتبِ الأنثولوجي له كتب نثر، وكتب للأطفال أيضاً. ترجم مجموعات شعرية لرفائيل ألبرتي، ولكارلوس دروموند دي أندرادى.
حاز العديدِ من الجوائزِ الشِّعريَّةِ والمنحِ الهامَّةْ، فهوُ الحائزُ على الميداليةِ الذهبيةِ للشِّعرِ من الأكاديميةِ الأميريكيَّةِ للفنونِ والكتابة 2009، كما حازَ على جائزةِ ستييفنس والاس 2004. تمَّ تسميةُ ستراند شاعرَ الولايات المتحدة (المستشارُ الشِّعري لمكتبةِ الكونغرس) في العام 1990، وحازَ أيضاً على جائزةِ بوليتزر في العام 1999 عن كتابهِ "عاصفةٌ ثلجيةٌ فريدة"، جائزة بولينجن 1993، جائزة بوبيت الشعرية 1992، زمالة ماك آرثر 1987، زمالة الأكاديمية الأميريكية للشعراء 1979، جائزة إدغار الآن بو عن الأكاديميةِ الأميريكيةِ للشعراء عن كتابهِ "قِصَّةُ حَيَوَاتنا" 1974، زمالة غيغينهيم 1974، جائزة مؤسسة روكيفيلر 1968، جائزة مؤسسة إنغرام ميريل 1966، وزمالة فلبرايت 1960-1961.


عمل ستراند أستاذاً في العديدِ من الجامعاتِ مثلَ جامعةِ البرازيل بريو دي جانيرو، جامعةِ شيكاغو، جامعةِ ييل، جامعةِ جون هوبكنز، جامعةِ برينيستون وأخيراً كأستاذٍ للغةِ الإنجليزيةِ والأدبِ المقارن بجامعةِ كولومبيا.

توقَّفَ ستراند عن الكتابة لعقدٍ كاملٍ في الفترةِ ما بين 1980 وإلى 1990 معللاً ذلكَ بأنه لم يعد يحبُّ ما كان يكتبهُ من قصائدِ سيرةٍ ذاتيةْ، مُستعيضاً عنه بكتابةِ قصصٍ للأطفال، ثم عادَ إلى كتابةِ الشعر مُصدراً كتابه "حياةٌ مستمرة". هذا الكتابُ كانَ بدايةً لتغييرٍ في النَّمطِ
الشعري لسترند، بحيثُ أصبحت النصوصُ متميزةً بإسلوبٍ حواري، وبانفتاحٍ على الخارجِ أكثرْ. في السنواتِ الأخيرةِ من حياتهِ التي وصلت الثمانين توقَّفَ عن الكتابةِ عائداً من جديدٍ إلى التشكيلِ حتى وفاتهِ بالسرطان في منزل ابنتهِ في بروكلين بنيويورك.


(1)
نحنُ نقرأُ قصَّةَ حَيَواتِنا
أحداثُها في حُجرَةْ.
الحُجْرةُ تطلُّ على شارِعْ.
ليسَ من أحدٍ هُناكْ،
لا صوتَ لأيِّ شيءْ.
الأشجارُ مثقلةٌ بأوراقِهَا،
العرباتُ المصفوفةُ لا تتحرَّكُ أبداً.
نتابِعُ تقليبَ الصَّفَحَاتِ آملينَ بشيءْ،
شيءٍ مثلَ رحمةٍ أو تغييِرْ،
مثلَ خيطٍ أَسودَ قد يربطُ بيننا،
أو يبقِينَا مُفتَرِقِينْ.
على هذا النَّحوِ، يبدو وكأنَّ كتابَ حَيَواتِنا خاوٍ.
الأثاثُ في الغرفةِ لم يُنقَلْ أبداً،


الأبسِطةُ تُصبِحُ قاتمةً أكثرَ كلَّما عَبَرَتْ عليها
ظلالُنا.
تقريباً وكأنَّ الحجرةَ كانتْ العالَمْ.
نجلسُ بجوارِ بعضِنا على الأريكةْ،
قارئينَ عن الأريكةْ.
نقولُ إنَّهُ مِثَاليّ.
إنَّهُ مِثَاليّ.

(2)
نحنُ نقرأُ قصةَ حَيَواتِنا،
كما لو أنَّنا كُنَّا فيها،
كما لو أنَّنا قد كتبنَاها.
هذا يحدثُ مرةً تلوَ أُخرىْ.
في أحدِ الفصولْ
أتَّكِئُ دافِعاً الكتابَ جانِبَاً
لأنَّ الكتابَ يقولُ أنَّ
هذا ما أفعلهْ.

أتَّكئُ وأبدأُ بالكتابةِ عن الكتَابْ.
أكتبُ عن رغبتي في التَّحركِ إلى ما وراءِ الكتابْ.
إلى ما وراءِ حياتِي صوبَ حياةٍ أُخرىْ.
أضعُ القلمْ.
الكِتَابُ يُقُولْ: "قدْ وضعَ القلمَ، ثمَّ استدارْ، ثم شاهدها تقرأُ الجُزءَ الذي يخصُّ وقوعها في الحُبْ"
الكتابُ أكثرُ دقةٍ مما بوسعِنا تخيُّلهْ.
أتكئُ وأشاهدُكِ تقرئينَ
عن الرَّجلِ عبرَ الشَّارعْ.
لقد شيَّدوا منزلاً هُنَاكْ،
ذاتَ يومٍ، رجلٌ ما خرجَ منهْ.
أنتِ أحببتِ ذلكَ الرَّجلْ،
لأنَّكِ عَلِمْتِ أنَّهُ قدْ لا يزوركِ أبداً،
قدْ لا يعرفُ أبداً كَمْ كُنتِ مُنتَظِرةْ.
ليلةً إثرَ أُخرَى قَدْ تقولينَ
أنَّهُ كانَ مِثلِي.
أتَّكِئُ وأراقبكِ تهرُمينَ بدونيْ،
ضوءُ شمسٍ يسقطُ على شعركِ الفضِّي.

الأبسِطةُ، والأثاثُ،
يبدو وكأنَّها متخيلةٌ الآنْ.

"تَابَعَتْ القِراءَةْ.
بدَتْ وكأنَّها تعتبرُ غيابهُ غيرُ مُهمْ،
كأيِّ واحدٍ في يومٍ مِثَاليٍّ سيعتبرُ الطَّقسَ خيبةً
لأنَّهُ لمْ يغيِّر مزاجه".

تزمِّينَ عينيكِ.
لديكِ دافعٌ لإغلاقِ الكتابِ الذي يصفُ مقاومتي:
كيفَ حينما أتكئُّ سأتخيَّلُ حياتي دونكْ، أتخيَّلُ
انتقالي لحياةٍ أُخرى، لكتابٍ آخرْ.
إنَّهُ يصفُ اعتمادكِ على التَّوقْ،
كيف الانكشافُ الخاطفُ للنيَّةِ يجعلكِ خائفةْ.
الكتابُ يصفُ أكثرَ مما يجدرُ به.
يريدُ تفريقنا.


(3)
هذا الصَّباحُ صحوتُ وآمَنتُ
أنَّهُ ما كانَ لحَيَوَاتنا أكثرَ مِمَّا في قصَّتِها.
عندما اعترضتِ، أشرتُ في الكتابِ
على المكانِ الذي تعترضينَ فيهْ.
خلدتِ أنتِ للنومْ، وبدأتُ أنا بقراءةِ
تلك الأجزاءِ الغامضةِ التي اعتدتِ تخمينها
عندما كانت تُكتَبْ،
ثمَّ فقدتِ اهتمامكِ بها عندما أصبَحَتْ جُزءَاً من القصَّةْ.
في أحدها أثوابٌ باردةٌ من نُورِ القمرِ
تكسو المقاعدَ في حجرةِ رَجُلٍ ما.
هُوَ يَحلُمُ بأُنثَى أثوَابِها ضَائِعةْ،
تجلسُ في حديقةٍ وتنتظرْ.
هِيَ تؤمنُ بأنَّ الحبَّ تضحيةْ.
هذا الجزءُ مِنْ الكتابِ يصفُ موتها،
وأبداً لا يُسمَّيها،


وهوَ أحدُ الأشياءِ التي لا تتحمَّلهَا بخصوصها.
بعدها بقليلٍ سنعرفُ
أنَّ رجلَ الحُلمِ يَقطنُ المنزلَ الجديدَ عَبْرَ الشَّارعْ.
هذا الصَّباحُ بعدَ خُلُودكِ للنومِ
بدأتُ بتقليبِ الصَّفحاتِ الأولى من الكتابْ:
كانتْ مثلَ حُلمٍ بطفولةْ،
الكثيرُ بدا وكأنَّهُ يتلاشى،
الكثيرُ بدا وكأنَّهُ يعاوِدُ الحياةَ مجدَّدَاً.
لمْ أعرفْ ما عليَّ فعلهْ.

قال الكتابُ: “في هذهِ الَّلحظاتِ كانَ كتابهْ.
تاجٌ كئيبٌ ارتاحَ على رأسِهِ بصعوبةْ.
كانَ الحاكمُ الوَجيزُ لِنِزَاعِ الباطنِ والظاهرْ،
قَلِقٌ في مملكتهِ الخاصَّة".


(4)
قبل أن تستيقِظِي
قرأتُ فصلاً آخرَ وصفَ غيابكْ
أخبرَ كيفَ تنامينَ لتعكسي تقدُّمَ حياتِكْ.
تأثَّرتُ بوحدتي بينما كنتُ أقرأ،
عارفاً أنَّ ما أحسُّ به هو غالباً الشَّكلُ الخامُ
واللامُجدَي مِنْ حكايةٍ قد لا تُروَى أبداً.

"هو أرادَ رُؤيَتَها عاريةً، وواهنةْ،
أرادَ رُؤْيَتَها في النُّفَايةْ، في الحَبكاتِ المهمَلةِ
لأحلامٍ قديمةْ، في الأزياءِ والأقنعةِ
لأحوالٍ لا تُطالْ.
بدا وكأنهُ مُسَاقٌ بلا مقاومةٍ نحوَ الفشلْ"

كانَ صعباً متابعةُ القراءةْ.
كنتُ مُتعَباً وراغِبَاً في الاستسلامْ.
بدا وكأنَّ الكتابَ مُدْرِكٌ لهذا.

ألمحَ إلى تغييرِ الموضوعْ.
انتظرتُكِ لتستيقظي غيرَ عَارِفةٍ كمْ انتظرتْ،
بدا وكأنِّي لم أعدْ أقرأ.
سَمِعتُ الرِّيحَ تعبرُ مثلَ تيَّارٍ مِنْ التنهُّداتْ،
وسمعتُ رجفةَ الأوراقِ
على الأشجارِ خارجِ النافذةْ.
قَدْ يكونُ ذلكَ في الكتابْ.
كلُّ شيءٍ قَدْ يكونُ هناكْ.
نظرتُ إلى وجهِك،
وقرأتُ العينينَ، الأنفَ، والفمْ..

(5)
لو فَقَطْ مِنْ لحظةٍ كاملةٍ في الكتابْ،
لو فَقَطْ استطعنا الحياةَ في تلكَ اللحظةْ،
لكانَ بوسعنا أنْ نكونَ الكتابَ مجدَّداً
كما لو أنَّنا لم نَخُطَّهْ،
كما لو أنَّنا لم نَكُنْ فيهْ.

لكنَّ الإقتراباتِ المعتمةِ
مِنْ أيِّ صفحةٍ وافرةٌ جدَّاً
والمَهَارِبَ شديدةُ الضِّيقْ.
قرأنا طوال اليومْ.
كلُّ انقلابُ صفحةٍ مثلَ شمعةٍ
تتحرَّكُ عبرَ الذِّهنْ.
كلُّ لحظةٍ كقضيةٍ ميؤوسٍ مِنهَا.
لو فَقَطْ استطعنا أنْ نُوقفَ القراءةْ.

"هو أبداً لم يُرِدْ قراءةَ كتابٍ آخرْ
بينما واصلتْ هِيَ التَّحديقَ في الشَّارعْ.
العَرَبَاتُ سَاكِنًةٌ هُنَاكْ
تغطِّيها الظِّلالُ الغَامِقَةُ للشَّجرْ.
الظِّلالُ مَرسُومةٌ على المنزلِ الجديدْ.
ربَّما الرَّجلُ الذي سكنَ هناكْ،
الرَّجلُ الذي أحبتهُ، كانَ يقرأُ
قصةَ حياةٍ أُخرَىْ.

هِيَ تتخيلُ رَدْهَةً خَاوِيةْ،
مِدْفَأةً باردةْ، رجلاً جالساً
يكتبُ رسالةً لامرأَةٍ
ضحَّت بحياتِها من أجلِ حُبْ".

لو كانتْ هناكَ مَنْ لحظةٍ كاملةٍ في الكتابْ،
كانتْ ستكونُ الأخيرةْ.
الكتابُ لا يناقشُ أبداً دوافعَ الحُبْ.
يدَّعِي أنَّ الالتباسَ خيرٌ ضَرُورِيّ.
هو أبداً لا يشرحُ، يكشِفُ فَقَطْ.

(6)
اليومُ يمضي.
ندرسُ ما نتذكَّرهْ.
ننظرُ في المرآةِ عبرَ الحُجْرَةْ.

لا نُطيقُ أنْ نكونَ وَحِيدِينْ.
الكتابُ يمضيْ.

"أصبحوا صامتينَ ولمْ يعرفوا كيفَ يبدؤونَ الحِوَارَ الذي
كانَ ضرورياَّ.
هَيَ كلماتٌ مَنْ خلقتْ حواجِزَ في المقامِ الأوَّلْ،
من خلقتْ عُزلةْ.
لقد انتَظَروا،
يرغبونَ بتقليبِ الصَّفحاتِ آملينَ
بشيءٍ قدْ يحدثْ.
يرغبونَ بترقيعِ حيَوَاتَهم في السِّرْ:
كلُّ هزيمةٍ منسيَّةٍ لأنَّها ما كانتْ لتُختَبَرْ،
كلُّ ألمٍ مُجزَىً لأنَّه ما كانَ حقيقيَّاً.
لم يفعلوا أيَّ شيءْ."


(7)
الكتابُ لنْ يواصلَ الحياةْ.
نحنُ البرهانُ الحيُّ على ذلكْ.
إنَّها معتمةٌ في الخارجْ، في الحُجرَةِ أكثرُ عتمةْ.
أسمعكِ تتنفسينْ.
تسألينني إذا ما كُنتُ مُتعَبَاً،
إذا ما كنتُ راغباً بمتابعةِ القراءةْ.
نَعَمْ، أنا مُتعَبْ.
نَعَمْ، أريدُ متابعةَ القراءةْ.
أقولُ نَعَمْ لكلِّ شيءْ.
ولنْ تستطيعي سَمَاعِيْ.

"جلسوا بجوارِ بعضهم على الأريكةْ.
كانوا النُّسَخَ، الأطيافَ المُجهَدَةَ لشيءٍ كانوهُ من قبلْ.
ما اتخذوهُ مِنْ هيئاتٍ كانَ مُنهَكَاً.

حدَّقوا داخلَ الكتابْ
رُوِّعُوا مَنْ براءتِهِمْ،
مَنْ مقاومتهِم الاستسلامْ.
جلسوا بجوارِ بعضهمْ على الأريكةْ.
قرروا تقبُّل الحَقِيقَةْ.
مهما كانتْ سيقبلونَ بها.
على الكِتابِ أنْ يُكتَبْ
وعليهِ أنْ يُقرَأ.
إنَّهُم الكِتَابْ،
إنَّهُم لا شيءَ سواهْ".
..
..

أنس مصطفى شَاعرٌ سوداني، أصدرَ أربعة كتبٍ شعرية؛ نِثَارٌ حولَ أبيضْ (2006)، سُهدُ الرُّعاة (2011)، صباحاتٌ قرويَّة (2015) وتقريباً غير مرئي (2018)، والأخير ترجمة لكتاب مارك ستراند. نُشِرت نُصوصه في الإصدارات الثقافية السودانية والعربية، كما في العديد من الأنطولوجيات الشعريَّة وترجم بعضها إلى الإنجليزية. ترجمَ لمارك ستراند، إدموند جابيس، تشارلس سيميك، فيسوافا شيمبوريسكا، جوي هارجو وإيريكا ميتنر.