قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في الرابع من يونيو-حزيران 2017 ، توفي في بيت متواضع بحي فقير من أحياء مدينة مراكش العتيقة، الكاتب الاسباني خوان غيوتيسولو الذي عاش الشطر الأكبر من حياته متنقلا بين العديد من البلدان، خصوصا بين فرنسا، والمغرب. ومثل صديقه الفرنسي جان جينيه،  لم يكن خوان غيوتيسولو يخفي اعجابه بالثقافة العربية-الإسلامية، وبرموزها الكبيرة في الأدب والفلسفة وغير ذلك. ويبرز ذلك جليا في جل أعماله الروائية، وأيضا في التحقيقات البديعة التي كتبها عن مراكش، وعن اسطمبول، وعن "مقبرة الأموات" في القاهرة. وفي العديد من المرات، لم يتردد خوان غيوتيسولو في التعبير عن تعاطفه مع العمال المهاجرين العرب سواء في فرنسا، أو في بقية البلدان الأوروبية الأخرى. لذلك كانت زوجته مونيك لانغ،  محقة عندما كتبت عنه تقول :" هو الصامت  الذي ينسى أن يتكلم عندما يكون في الغرب، يتحول في بلاد الشرق إلى ثرثار تقريبا. الكلمات العربية تخرج من حنجرته فرحة مثل لآل تخرج من أفواه الأميرات في خرافات الطفولة. وهو لم يعد يحب سوى هذه الكلمات راغبا في أن يقود اللغة الاسبانية إلى الصحراء العربية. وهو الذي يكاد ذكاؤه يلامس العبقرية، يذوب مثل راحة الحلقوم على أرض مصر". أما المؤرخ التونسي هشام جعيط فقد كتب عنه يقول :"لنقل أن خاون غيوتيسولو ينتمي إلى فئة الكتّاب المثقفين مثل بورخيس الذي كان له وله ولع كبير  هو أيضا بالكونية، وله اهتمام بالثقافة العربية، لكنه جد مرتبط بالناحية الاستيهامية الأوروبية. أما غيوتيسولو فقد غاص عميقا في عالم الثقافة العربية-الإسلامية التي تتدفق في عروقه. وفي الوقت ذاته، ظل ممثلا كبيرا للأدب الاسباني الحديث. والحقيقة أن أهمية غيوتيسولو تكمن في أنه يولج الكائن العربي –الإسلامي في طيّات بناء روائي حديث ومتميز وقلق في الآن نفسه. لكن هذا البناء الروائي يظل بعيدا عن أيّ لون  من ألوان الأدب الاستشراقي"...
وكان مولد خوان غيوتيسولو في مدينة برشلونة في الخامس من شهر يناير –جانفي 1931 . وهو الابن الثالث لخويه ماريا غيوتيسولو الذي  كان حائزا على أجازة في العلوم الكيمياوية، وكان يدير معملا صغيرا. أما الأم فقد كانت بلا عمل.  وقد أمضى خوان طفولة سعيدة في  البيت العائلي، مترددا على جدته من والداته.  وعند اندلاع الحرب الأهلية الاسبانية في عام 1936،  انتقلت عائلته لتعيش في قرية خارج المدينة. وعند عودتها إلى برشلونه عام 1937، وجدت أن الطابق الأعلى من البيت الكبير قد تحول إلى مقر للقوات الجمهورية. وبعد ذلك بقليل، أوقف الأنارخيون الأب، وسجنوه لأسابيع عديدة. ولما عادت العائلة إلى برشلونة مرة أخرى، دخل الطفل خوان إلى المدرسة، وأصبح يردد مع الأطفال كل صباح النشيد الذي ينتهي ب:" عاش فرانكو...عاشت اسبانيا الإمبراطورية"...
ومن دون أن يعلم لماذا كان يكره الألمان، أحسّ الطفل خوان بحزن شديد عند احتلال باريس من قبل الجيش النازي في بداية الحرب الكونية الثانية. وبين الحين والحين، كان يسرق قطعا نقدية من حقيبة  جدته، ويشتري  حلوى يوزعها على أصدقائه. وعند الظهيرة، يشاهد أفلام مغامرات، أو هو ينزوي بعيدا لكي يتصفح كتاب الجغرافيا المصور.
عند عتبات المراهقة، أصيبت جدته بالعته، فأخذ ينبش خفية في صناديق الزبالة، ويلتقط العظام، ونواتات الفواكه ليخبئها في كيس نقودها. ويوما ما، ضلت طريقها فلم تتمكن من العودة إلى البيت. وفي تلك الفترة، أصيب خوان بأزمات عصبية حادة. وكلما اشتد عليه الحال، هرع إلى الكنيسة ليبوح إلى القس بذنوبه. لكنه في اليوم التالي، يعاود الكرة، ويسقط في شباك الاغواء من جديد.
بين عامي1945، و1946، خلال عطلة الصيف، كتب خوان غيوتيسولو اثنتي عشر قصة، وأرغم بنات عمه على قراءتها. أما مواضع تلك القصص فقد كانت مختلفة ومتنوعة. وفي عام1952، عقب الانتهاء من تأليف رواية سوف يحكم عليها فيما بعد بأنها "رديئة وغير ناضجة"، سافر خوان غيوتيسولو إلى مدريد، وفيها أقام في فنادق شعبية، مرتبطا بعلاقات حميمة مع الطلبة القادمين من بلدان أمريكا الجنوبية. ومعهم عاش ليال حمراء مستعينا بحبات الأسبيرين لمقاومة الصداع اليومي، ومواجهة اليوم الجديد. وعند عودته إلى برشلونة عام 1953، ترك كلية الحقوق نهائيا، لينهمك في كتابة رواية حملت عنوان :"لعب الأيدي". وفي عام1955، خلال زيارة إلى باريس، التقى خوان غيوتيسولو موريس ادغار كواندرو الذي كان قد نقل إلى الفرنسية  أعمال كتاب كبار أمثال همنغواي، وجون دوس باسوس، وترومان كابوتي. وقد عبر له كواندرو عن رغبته في ترجمة روايتيه اللتين كانتا قد صدرتا في برشلونة قبل فترة قصيرة. وهذا ما حدث بالفعل.  وفي زيارته الثانية إلى باريس لإمضاء العقد مع دار "غاليمار" التي وافقت على اصدار الروايتين، التقى خوان غيوتيسولو بشخصيتين سوف يكون لهما تأثير حاسم على مسيرته الأدبية والفكرية. الشخصية الأولى هي مونيك لانغ التي ستكون زوجته الوفية حتى وفاتها عام 1993. أما الشخصية الثانية فهي جان جينيه الذي كان آنذاك يشغل الوسط الثقافي الفرنسي بعد أن أصدرت دار "غاليمار" جل الأعمال التي كان قد كتبها في السجن. وسرعان ما أصبح صاحب "مذكرات لص" صديقه الحميم، لاعبا دورا كبيرا في تعميق نضجه الأدبي وافكري والسياسي.
في عام 1976، بعد غياب اجباري استمر ثلاثة عشر عاما، عاد خوان غيوتيسولو إلى اسبانيا ليجدها وهي  تستفيق ببطء شديد من الكوابيس التي كانت قد عاشتها خلال فترة فرانكو المديدة.  كما لاحظ أن الجراح التي فتحتها الحرب الأهلية، والتشوهات التي أحدثتها الديكتاتورية في كيان المجتمع، لا تزال واضحة، وليس من السهل محوها. وقد قادته تلك الاستنتاجات إلى نشر العديد من المقالات ومن التحقيقات، وفيها هاجم وسائل الاعلام وقوى البسار، مدافعا بشدة عن الهامشيين، والمقصيين، داقّا ناقوس الخطر الذي يهدد الأقليات العرقية، ليس في بلاده فحسب، بل في جميع  أنحاء العالم. 
وفي ربيع عام 1986، عُثر على جان جبينيه ميتا في فندق متواضع في الدائرة الثالثة عشر بباريس.  وفي رثائه، كتب خوان غيوتيسولو يقول :" لقد فاجأته النهاية في إحدى رحلاته إلى فرنسا التي كان يمقتها،  وفي وقت كان فيه  منغمسا في اصلاح روايته الأخيرة المستوحاة من حياته بين الفلسطينيين "أسير عاشق"،  عقد العزم على أن يدفن في المغرب، وفي أن لا يتبقى أي أثر منه في بلاده سوى نثره المتوتر البديع". 
وفي عام 1996، قام خوان غيوتيسولو باتصالات مكثفة مع منظمة اليونسكو بهدف وضع ساحة "جامع الفنا" بمراكش ضمن "التراث الشفوي للإنسانية". وفي العام ذاته، انطلق إلى القوقاز لينجز تحقيقا عن الحرب الدائرة هناك بين الروس والشيشان. وفي نص له حمل عنوان "لماذا اخترت المغرب للإقامة"،  كتب خوان غيوتيسولو يقول :" إن استيعابي للفكر الأوروبي المتفتح جعل مني تدريجيا "اسبانيا جديدا"، عاشقا لمختلف طرق وأشكال الحياة، وللثقافات واللغات والفضاءات الجغرافية المتنوعة. وأنا لست مفتونا فقط بسارفنتس، وغونغورا، وشتارن، وفلوبير، وملارميه، وجويس ،وإنما أنا مفتون أيضا بابن حزم، وابن عربي، وبجلال الدين الرومي. وفي باريس أولا، ثم في نيويورك، ومراكش فيما بعد، تعلمت أن أتفحص لغتي وثقافتي في ضوء اللغات والثقافات الأخرى". وهو يضيف قائلا :"إن المغرب بصفة عامة، ومراكش بصفة خاصة، أصبحا جزءا من حياتي".