قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

ترجمة حسونة المصباحي

دسنوس (1900-1945) شاعر فرنسي عصامي، اختلط بالحركات الأدبية الطلائعية بعد الحرب الكونية الأولى. وفي عام1922، التحق بالحركة السوريالية، وشارك في العديد من عمليات التنويم المغناطيسي. وانطلاقا من عام1924 وحتى عام 1929، أدار باقتدار مجلة "الثورة السوريالية". وفي مطلع الثلاثينات، انفصل عن الحركة السوريالية بعد أن طلب منه أندريه بروتون الانضمام إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، ليكثف نشاطاته السياسية ضمن حركة المثقفين المعادين للفاشية التي برزت بعد صعود الفاشيين إلى السلطة في إيطاليا، والنازيين في ألمانيا. وخلال الحرب الكونية الثانية، انتسب روبير دسنوس إلى حركة المقاومة ضد الاحتلال النازي، إلاّ أنه تمّ القبض عليه النازي ألقوا عليه القبض في الثاني والعشرين من شهر فبراير1944 ، وأرسل فورا إلى محتشد "بوخنفالد" المرعب. ومن هناك تمّ نقله إلى محتشد "تيريزيانشتاد" بتشيكوسلوفاكيا ، وفيه توفي بمرض التيفوس يوم الثامن من شهر حزيران 1945.


-:1 لكم حلمت بك

لكم حَلُمْتُ بك أنك تفْقُدين واقعك.

هل ما يزال هناك وقت لبلوغ ذاك الجسد

وتقبيل ميلاد الصوت النفيس بالنسبة لي على ذاك الفم؟

لكم حلمت بك أن ذراعيّ تحتضنان شَبَحَك وتلتقيان عند صدرك

وربما لن تستسلما لدائرة جسدك.

وأن أمام المظهر الحقيقي لما يشغلني ولما يتحكّمُ فيّ منذ أيّام ومنذ سنين،

سأصبح شبحا من دون شك.

آه أيتها الموازين العاطفيّة.

لكم حلمت بك حتى أنه لم يعد بالتأكيد وقت لكي أستيقظَ. أنام واقفا، والجسد معروض

لكلّ مظاهر الحياة والحب وأنت، أنت وحدك من يعنيني ومن أقدّره، يصعب عليّ أن ألمسَ جبينَك وشفتيك أكثر من الشفتين الأوليتين ومن الجبين الأول القادم.

لكم حلمت بك، ولكم مشيْت، ولكن تكلمت، ولكم ضاجعت شبحك حدّ أنه ربما لم يعدْ لي غير أن

أكون شبحا بين الأشباح وظلاّ مائة مرة أكثر من الظل الذي يتجول مرحا على الساعة الشمسيّة لحياتك.


-2: الأربعة من دون أعناق


كانوا أربعة من دون رؤوس.

أربعة قطعت أعناقهم.

وكانوا يُسمّونهم الأربعة من دون أعناق.

حين يشربون كأسا في حانة الساحة أو حانة الشارع الكبير

لم يكنْ النادلون يَغْفلون عن الاتيان بالقماع

حين يأكلون ، يكون ذلك دمويّا،

والأربعة يغنون وينتحبون،

وحين يحبون، يكون ذلك دما.

حين يركضون، يكون ذلك ريحا.

حين يبكون، يكون ذلك حيويّا،

حين ينامون، يكون ذلك من دون ندم.

حين يعملون، يكون ذلك خبيثا،

حين يتسكّعُون، يكون ذلك مُخيفا،

حين يلعبون، يكون ذلك مختلفا.

لكن حين يتكلمون يكون الحب هو الموضوع.

ومن أجل قبلة واحدة بإمكانهم أن يهبوا

ما تبقّى لهم من دم.

أكفهم كانت لها خطوط بلا عدد

تضيعُ بين الظلال

مثل سكك الحديد في الغابة.

حين يجلسون ، يكونون أكثر أبّهَة من الملوك،

والمعشوقات يتخَفّيْن خلف الصلبان

حين يمرون أمامهن مستقيمين.

قدّمَتْ لهم رؤوسهم

أكثر من عشرين مرة، أكثر من مائة مرة،

بعد أن وجدت في الصيد، أو في المواكب.

إلاّ أنهم لم يرغبوا أبدا في استعادة

تلك الرؤوس التي فيها تلمع عيونهم،

وحيث الذكريات تنام في أدمغتهم.

وربما لن يكون ذلك من مهام صانعي القُبّعَات وأطباء الأسنان.

سعادة البعض تجعل الآخرين تعساء.

الأربعة من دون أعناق لا يزالون يعيشون، هذا ثابت ومؤكد.

وأنا أعرف واحدا على الأقل

وربما الثلاثة الآخرين.

الأول، اسمه اناتول،

الثاني، اسمه غروكينيول،

الثالث، اسمه باربمول،

الرابع، اسمه أناتول أيضا.

أراهم أقل مما كنت أراهم في الماضي،

ودائما أقل من المرات السابقة،

ذلك أنه من المُحْبَط نفسيّا مُعَاشَرَةُ أناس ماكرين وشياطين.


-3: مشهد طبيعي

حلمتُ بأنني أحب. ولا زلت أحبُّ لكن الحب

لم يعد باقة البنفسج أو الورد

تثقل بروائحها الغابة حيث تستريح

شعلة في نهاية دروب من دون مُنعرجات.

حلمت بأنني أحب. ولازلت أحب إلاّ أن الحب

لم يعد تلك العاصفة المطرية حيث البرقُ يتطابق

مع المحْرَقَات في القصور، ويضَلّلُ، ويُحلّلُ،

ويضيء فارّا من وداع مفترق الطرق.


إنه الصّوَانُ المشتعل تحت قدميّ في الليل،

الكلمة التي لم يترجمها أي قاموس،

الزّبَدُ على البحر، وفي السماء ذاك السحاب.

ومع الشيخوخة كل شيء يصبح مُتَصَلّبا ومضيئا،

شوارع كبيرة من دون أسماء وحبالا من دون عقد.

أشعر أني أتَصَلّبُ مع المشهد الطبيعي