قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

فتاة متزوّجة حديثاً، ومن أُسرةٍ محافظةٍ، راودتها سلسلةٌ من الأحلام والكوابيس المرعبة التي تدور في معظمها حول الشعور بالندم بعد اقتراف ذنب لا يُغتفر، ألا وهو ممارستها الحبّ بعد الزواج! مع استعدادها الكامل لقبول القصاص الذي كان يتمُّ، في بعض الأحلام، على يد الأب أو الأخ الأكبر (أي من خلال تمثُّلات أو رموز الأنا الأعلى). وبما أنَّ زواج هذه الفتاة تمَّ بشكل تقليدي، وحسب الشرع والأصول والأخلاق المتفق عليها في المجتمع، فمن أين جاء هذا الشعور بالذنب؛ غير المبرَّر شعورياً تجاه هذا الموضوع بالذات؟ وهل هذا النوع من الثقافات الذي تنتمي إليه الفتاة يفرز، بالضرورة، فتيات آثمات من لا شيء، يخفن من ممارسة الحق الطبيعي في الحياة حتى ضمن المنطق المتعارف عليه؟ وهل الانزلاق التدريجي في إيصال الفكرة إلى الفتاة من قبل الأهل، وخاصَّةً الأم، يمنع حصول ذلك كلّه ويجنّب الفتاة عملية "القفز من المقلاة إلى النار" كما يُقال، على ما تحتويه هذه الحالة من أخطار فادحة؟ لنتخيَّلْ أنه ثمَّة غرفة مقفلة على الدوام، في منزل واسع، يُمنع منعاً باتاً الاقتراب منها أو حتى ملامسة مقبض بابها لمدَّة عشرين عاماً. وفجأةً، ودون أيّ مقدمات، يتمُّ إجبارك على العيش في هذه الغرفة الموحشة والمغتربة
عنك وعن ذاتك! فما هو شعورك وأنت تسكنها في الأيام الأولى؟ إنَّ أقلَّ ما ستشعر به، على مستوى الوعي، هو أنك قد قمتَ بانتهاك أحد "التابوات" المحرَّمة. وهذا بالضبط ما حصل للفتاة في مثالنا السابق، حيث تزوَّجت وهي غير عارفة لطبيعة العلاقة الزوجية، وغير مؤهَّلة لتقبُّل فكرة ممارسة أمر كان محظوراً عليها حتى التفكير فيه. وهذا الشعور رافقها خلال السنوات الأولى من زواجها، حتى أنها كانت تشعر في كلّ ليلة بأنها ترتكب فعل مُحرَّماً.
فحتى لو كان هذا الفعل شرعياً على المستوى الشعوري - الواعي، فهو غير ذلك على مستوى الأنا الأعلى المتورّمة بمفهومٍ تمَّ التعامل معه بوسائل خاطئة. في المجتمعات المحافظة تعيش الإناث في كنف مجموعة من الأدبيات الإيجابية ("إيجابية" طبعاً شرط ألا تطفح عن حدّها الطبيعي). وهي تخصُّ الجنسين، على الرغم من الازدواجية في تنفيذها.
وعندما تعجز الأم، تحديداً، عن إيصال هذا المفهوم بشكله الطبيعي والمتوازن يحصل الخلل آنف الذكر. أي الخلل في توكيد أحقّية أي فرد في ممارسة حقّه الطبيعي بشكل لائق تسمح به أدبيات كلّ مجتمع بحسب ثقافته. فهذا النوع من الحاجات، أي ممارسة الحب والحاجة إلى العاطفة، لا يجب أن يتمَّ بكبسة زرّ أو على طريقة الأحكام العرفية الجائرة. ولنتذكَّرْ في هذا الصدد تجربة بافلوف مع كلبه ومنعكساته الشرطية الشهيرة - باعتبار
أنَّ الجملة العصبية لجميع الثديات متشابهة - عندما أعطاه صحن الطعام باليد اليسرى؛ أي باليد التي لم يعتدْ على إطعامه بها، والتي كان يُدرّبه من خلالها على تعلُّم رفض الرغبات.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.