قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

اكتشف بيتر هاندكه في أول الثمانيات من القرن الماضي. ولعلي كنت قد رأيت قبل ذلك صوره له بشعر طويل وقامة مديدة في إحدى المجلات الفرنسية، غير أني لم أقرأ له شيئا. لكن وأنا أطوف بين مكتبات باريس في خريفها البديع، وتساقط الأرواق بكثافة ناشرة رائحة فناء الفصول، وتغيّرها، اقتنيت رواية صغيرة له حملت عنوان :" الشقاء العادي"، وفي الحين شرعت في قراءتها لأنتهي من ذلك في أقل من يوم. وتلك الرواية التي فيها يروي انتحار والدته، وشيئا من شقاء طفولته، دفعتني إلى قراءة أعمال روائية أخرى له مثل "المرأة العسراء"، وخوف حارس المرمى لحظة ضربة الجزاء"، و"التعب"... وما لفت نظري في جميع هذه الروايات هو أن بيتر هاندكه يتميز بشاعرية التكثيف والايجاز لتكون رواياته شبيهة بقصائد موجعة وحزينة. ولعله عبر عن ذلك قائلا :"الأدب هو اللغة التي أصبحت لغة. اللغة التي تتجسّد. أكتب بالأنفاس لكي أكتشف المقدس. مقدس الحياة. أعتقد أنني رومانسي يعيد الاعتبار للذاكرة".

وفي مسرحية "العاصفة"، يعود بيتر هاندكه المولود عام 1942 إلى طفولته على الحدود الفاصلة بين النمسا ويوغسلافيا ليغوص في تاريخ عائلته الملحمي والدرامي. والبطل في هذه المسرحية هو بيتر هاندكه نفسه وقد شاخ وتعب. وها هو جالس على كرسيّ يستعرض ملامح من حياة عائلته في الفترة الفاصلة بين عام1936 وعام1955. ومن الماضي البعيد تبرز وجوه الأجداد والجدات، والأعمام والعمّات. كما تبرز صورة الحرب المرعبة. ويقول بيتر هاندكه :"بهدوء غصت في موضوع يشغلني منذ كتابي الأول. إنه حقل السلام بالنسبة لي. وهو حلم، أو هو بالأحرى لعبة حلم مثلما هو الحال مع ستراندبارغ. في نفس الوقت هو يومي ودقيق إذ أن الأمر يتعلّقُ بتاريخ السلوفينيين في كورنثيا". ويواصل بيتر هاندكه حديثه قائلا :"كان لي عمّ قيل أنه اختفى في أمريكا مثل كارل روسمان في رواية كافكا. وعندما كنت طفلا، كنت دائما أتصور أنه سيعود إلاّ أنه لم يعد أبدا. وفي المسرحية، يعود الأموات ليزوروا الأحياء". غير أن بيتر هاندكه لا يكتب الأحداث مثلما وقعت، بل هو يحدث فيها الكثير من التغييرات لأن الأدب هو الخيال بامتياز بحسب رأيه. ومن بين ابتكارته الخيالية مثلا أن غريغور، أخ والدته يكون مقاوما للنازية في حين أنه قُتل على الجبهة الروسية بزيّ جنديّ ألماني. يعني أنه لم يكن مقاوما. ويعلق بيتر هاندكه على ذلك قائلا :"واقع الأدب أوسع ما يمكن أن يكون. وهو أحيانا أكثر واقعيّة من الواقع نفسه. والمقاومة في كورنثيا حيث وُلدتُّ كانت المقاومة المسلحة الوحيدة على أرض الرايخ الثالث. كثير من الشبان غادروا ضيعاتهم، وانطلقوا إلى الجبال والغابات ،وكانوا سلوفينيين". وفي مسرحيته، لا يروي بيتر هاندكه الأحداث بطرق مأساوية، بل بكثير من البهجة، والسخرية. لذا تحضر الداعبة، والطرفة الخفيفة. كما يحضر الرقص

وبيتر هاندكه من عشاق الأسفار. لذا هو لا يتوقف عن ذلك لأن السفر يلهمه، ويعيد له الحيوية في كل مرة يشعر فيها بالفراغ والتعب. وأكثر من مرة اختار العيش خارج وطنه، النمسا. والآن هو يقيم في ضاحية من ضواحي باريس . وكانت الصحفيّة الفرنسية كريتسن لوسيف قد أدّت زيارة إلى بيته في خريف عام2012. ومن وحي تلك الزيارة، نشرت مقالا في جريدة لوموند في عددها الصادر في التاسع من شهر نوفمبر من العام المذكور. وفي مطلع كتبت تقول :" تهبّ الريح. نحن في ضاحية الجنوب الغربي على بعد عشرين كيلومترا من باريس. هاندكه عائد للتو من جولة في الغابة. باب البيت مفتوح قليلا. وبيتر هاندكه الذي أدرك السبعين من عمره من دون أن يفقد ملامح طفولته، يبدو شارد الذهن وهو يتأمل الكمأة، والقواقع، وثمار القسطل التي وضعها على الطاولة في الحديقة".

وأثناء اللقاء، قال بيتر هاندكه إنه لا يزال يستعمل الورقة والقلم في الكتابة. وفي الليل، وفي النهار، يُدوّنُ على دفاتره خواطر وأفكار وهواجس، وكل ما يعيشه من أحلام في أوقات اليقظة أو المنام. وأضاف هاندكه قائلا :" كافكا غيّر أحلامه. ولو لم يفعل ذلك، لكان سخيفا وسطحيّا. لذا كانت أحلامه من الأدب العظيم. أنا أسمع أصواتا في أحلامي، وأنا لا أدري من أين تأتي، ولا أدري من يتكلم. أنا بالأحرى مُدَوّنُ أحلام. وأنا كائن قادم من الحلم".

وفي نهاية اللقاء، قال بيتر هاندكه لكريستين لوسيف :" عندما كنت صغيرا، تركت البيت وركضت إلى الغابة لكي أسمع صوت الريح. وتلك كانت قفزتي الأولى في الحياة. أنا أحب كلمة "الريح" في اللغة العربية لأنها تجعلنا نسمع صوت الريح وهي تعصف، والعاصفة وهي تمر"