قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عرفَ الإنسان المحرَّمات قبل ظهور الأديان، كما عرف آليات المنع والكفّ وتعامل معها بجدّية، تفادياً منه لتبعات انتهاكه لها. فقام بسنّ مجموعةٍ من الضوابط والنواهي التي يُمنع المساس بها تحت طائلة الموت والتعذيب والنفي. وهذه الضوابط لا تشبه الضوابط الأخلاقية حيث إنها غير مبنية على المنطق، إضافةً إلى أنَّ العقاب ليس ذاتياً بل مصدره الخارج، ولا تشبه تلك الصادرة عن الأديان إلا من حيث التسليم بالتقيُّد بها والرهاب الذي يعتريها. إنَّ خوف الإنسان من الموت وعجزه عن فعل شيء حياله قاده إلى اختراع طرق معيّنة يُنفّس من خلالها عن خوفه، مُقنعاً ذاته بأنَّ مثل هذه الممارسات تردع عنه الأخطار وتحميه منها. وعلى هذا الصعيد يقول الفيلسوف فلهلم فونت بأنَّ الينابيع الحقيقية لتحريم الأفعال والنهي عنها يكمن في أكثر غرائز البشرية بدائيّةً واستمراريةً. فأصلها منحدرٌ من مخافة "القوى الجنّية" التي كانوا يظنّون أنها متخفّية في الجسم المحرَّم، أي الممنوع من اللمس أو من الذِّكر اتّقاءً لإثارة هذه القوى! وهذا الخوف –

يتابع فونت- صار مع الزمن أمراً موضوعياً، ولقد تدرَّج التحريم من عادة إلى قانون. أمَّا الأوامر التي تقف بصورة خفيّة وراء النواهي هذه، أي تلك المتبدّلة بحسب الزمان والمكان، فهي بالأصل اتّقاءٌ لغضب (الروح الشريرة). والإنسان يتفانى في تنفيذ هذه الأوامر دون التحقُّق من جدواها، وهي قويةٌ دائماً لأنها حاضرةٌ في ذهنه وجدانياً وانفعالياً لا عقلانياً. إذاً، وباختصار، فإن أوَّل شكل للكفّ والمنع مارسه الإنسان، بحسب فونت، كان سببه الخوف الغريزيّ من "الروح الشريرة" للميّت. لكن كيف استنتج الإنسان البدائي أنَّ للميت روحاً فاعلة تتجوَّل بين الناس وتنقل العدوى والمرض وتثأر لصاحبها؟ من أين جاء بهذه الفكرة؟! الإجابة عن ذلك نجدها لدى فرويد الذي يرى بأن ما يُسمَّى "الأرواح الشريرة"، كما "الآلهة"، هي من إبداعات القوى النفسية لدى الإنسان. إنها الإيمان بخوفنا المتموضع ليس إلا. ولتعليل ذلك يستخدم فرويد فكرة الإسقاط الشائعة في "البارانويا" عند تحليل أصل الأرواح والجان. فيرى في الأخيرة إسقاطاً للحوافز العاطفية عند الإنسان. أمَّا سبب كون الروح الأولى شريرةً، في الفكر الأرواحيّ، فذلك مردُّه إلى تأثير

ظاهرة الموت على الأحياء، وذلك النزاع العاطفي والشعور بالذنب حيال الشخص المقتول، وتأثير ذلك كلّه على المراقب الحيّ والعاجز عن فعل شيء. ومفهوم العقاب هذا يتطابق ما بين البدائي القديم والعُصابيّ المعاصر، وذلك من حيث التهديد الآني بالعِقاب: الأوَّل من قوى جنّية، والثاني من أنا عليا ذاتية متسلّطة لا تغفر ولا تسامح.

أمَّا رمزية اللمس والعدوى المرافقة له؛ فيتفق فرويد مع من سبقوه بأنَّ سببها هو الخلط ما بين الواقع والذهن في عقل البدائي، في إشارةٍ منه إلى قانون "التجاور والتشابه"؛ أحد أهم قوانين التذكُّر في الدماغ، الذي وبمجرد لمس صورة واحدة أو ذكرى معيّنة يساعدنا على إضاءة واسترجاع سلسلة أحداث ذهنية طويلة. وهذا بالضبط ما كان يُرعب البدائيّ من عملية لمس الميّت؛ أي استحضار أشياء ذكرويَّة، غير مرغوب فيها، كان يظنُّها جزءاً من الواقع المعاش.

إنَّ مخافة عدوى اللمس كانت حتى من خلال ذكر اسم الميّت!

باحث سوري في علم النفس التحليلي.