قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

غيب الموت مؤخرا المنظر المعماري الشهير، والمعمار ومصمم الفضاءات المفتوحة والكاتب والصحفي البارع والمثقف متعدد الاهتمامات "جارلس جينكز" Charles A. Jencks، حيث توفي في دارته بلندن يوم 13 تشرين الاول (اكتوبر) الماضي 2019 عن عمر ناهز الثمانين. و"جارلس الكسندر جينكز" امريكي الجنسية، ولد في "بالتمور" ولاية "ميرلاند" في 20 حزيران 1939. حصل على شهادة البكالوريوس سنة 1961 من جامعة هارفارد باختصاص "اللغة الانكليزية وآدابها"،ثم نال شهادة الماجستير في العمارة من "مدرسة هارفارد العليا للتصميم" عام 1965. وفي ذات السنة انتقل للعيش في المملكة المتحدة، وله مسكنان فيها الاول في اسكتلندا والآخر في لندن. وفي عام 1970، وتحت اشراف الناقد المعماري "راينر بانهام" Reyner Banham، نال شهادة الدكتوراه في تاريخ العمارة من جامعة "اونفرستي كوليج" University College في لندن. وقد نشر لاحقا إطروحته للدكتوراه بكتاب صدر عام 1973 بعنوان "الحركات الحديثة في العمارة" Modern Movements in Architecture .الا ان كتابه اللاحق الذي نشره في سنة 1977 بعنوان "لغة عمارة ما بعد الحداثة" The Language of Post-Modern Architecture، استقبل استقبالا واسعا من قبل الاوساط المعمارية العالمية، وحقق عدة طبعات، كما ترجم الى لغات عديدة. بالنسبة اليّ اعتبرته احد مصادري المهمة لفهم مختلف التيارات المعمارية التى ظهرت مؤخرا في الخطاب المعماري العالمي وتتبع سماتها وادراك تأثيراتها في الممارسة المهنية المعاصرة، وبات مرجعاً معرفياً اساسياً لي ولطلابي العديدين الذين كنت القي محاضراتي عليهم طيلة عقود من التدريس المعماري. انه كتاب استطاع "جينكز" به ان ينحت ليس فقط مصطلح "عمارة ما بعد الحداثة"، ويشير اليه كظاهرة جديدة في سردية النقد المعماري المعاصرة، وانما يبُيّن بلغة تنظيرية رصينة علاقة تلك الظاهرة بالمفاهيم الجديدة والنزعات الفلسفية والمعرفية المتنوعة التى كان الخطاب الثقافي، وقتذاك، زاخراً بها وبانصارها. بعض النقاد وسم كتاب "جينكز" بانه <انجيل> عمارة ما بعد الحداثة لما احدثه من <ثورة> حقيقية في التعاطي مع الظاهرة المعمارية وتجلياتها الاسلوبية. شخصيا ، اراه احد الكتب النقدية الاساسية والمهمة التى ظهرت في القرن العشرين. في هذا السياق، اجده يتساوق بالاهمية مع كتاب "لو كوربوزيه" <عن العمارة> (1923)، وكتاب المعمار الطليعي السوفيتي "موسيي غينزبورغ" < الطراز والعصر> (1924)؛ او كتاب الناقد المعماري السويسري "سيغفريد غيديون" <المكان، الزمان والعمارة> (1941) وحتي مع كتاب المعمار روبرت فنتوري "التعقيد والتناقض في العمارة" (1966). بمعنى آخر، انه من ضمن الكتب المؤسسة لمفهوم النقد المعماري الحديث والمعاصر.

ولئن تحدثنا، باختصار شديد، عن كتاب "لغة عمارة ما بعد الحداثة"، فاننا بوسعنا القول بانه يتضمن ثلاثة فصول رئيسية هي الفصل الاول ومكرس الى " موت عمارة الحداثة" ، والثاني خاص بـ "سبل التواصل المعماري" والثالث موقوف لـ "عمارة ما بعد الحداثة". ينتقد جارلس جينكز في الفصل الاول، وعير تسجيل نقاط عديدة، المسلمات الاساسية لمفهوم الحداثة في "بعدها الواحد" وفيما يخص (الشكل، المضمون الخ..). في حين يتعاطى، في الفصل الثاني، مع العمارة بصفتها <لغة>، مبيناً بعض صفاتها مثل "الاستعارة

والمجاز"، "الكلمة" و"بناء الجملة وتركيبها" Syntax بالاضافة الى "دلالات الالفاظ" التى تدرس الجوانب المنطقية للمعنى. ويكرس الفصل الثالث من كتابه، كما اسلفنا، لعمارة ما بعد الحداثة، ويظهر فيه الاتجاهات المعمارية المعاصرة التى ظهرت في المشهد المعماري وخطابه تحت تأثير مفاهيم ونظريات ما بعد الحداثة، مثل "التاريخانية" و"المناطقية" و"التناصية" الخ... وتغدو المجلات والدوريات المعمارية (هي التى ساهم نفسه بنشاط كبير في تحريرها والكتابة فيها) مصدرا مهما لديه لتبيان اهمية نماذج العمارة المنتخبة، بالاضافة الى احاديثه مع زملائه المعماريين وتسجيل ملاحظاته الشخصية بكونه معماراً ممارساً ايضاً. ولاحقا (في سنة 1996)، سعى جينكز وراء ايجاد عدة قيم ومواقف تسم عمارة ما بعد الحداثة، منها مفهوم "الازدواجية" التى يفضلها على "الاحادية"، وكذلك "التعقيد والتناقض" التى يؤثرهما على مفهوم البساطة المتناهية او "الاختزالية". كما وجد ان نظرية التعقيد او "نظرية الفوضى" يمكن ان تكون اساسا لتفسير الظواهر الطبيعية، اكثر بكثير من مجرد الاعتماد على "الديناميكية الخطية"، ما يعني بان "جوهرالامر الطبيعي" يبدو، على الارجح، يسير في سلوكيته بمسار<غير خطي او مستقيم>، اكثير بكثير من ان يكون <خطياً او مستقيماً>! كما دلل بان "الذاكرة" و"التاريخ" هما امران متصلان عضوياً مع "الشفرات الوراثية" الخاصة <بلغتنا> والمتعلقة <باسلوبنا> والعائدة الى <مدننا>، ولهذا فهما يعملان عمل محفزات للابداع والابتكار!

كما وجد "جارلس جينكز" ثمة علاقة تربط "اللسانيات" مع علم الجمال، عندما رأى بان العمارة كلها هي حصيلة عمل بمساعدة "الشفرات"، ومن هنا، وفقا لملاحظاته، تتواجد <لغة> العمارة، ومن هنا <العمارة الرمزية>، ومن هنا <الشفرات المزدوجة>. فالعمارة في هذا المعنى تتطلب نوعا من "استعارة"، يتعين بها ان تقربنا الى فهم المشاكل الطبيعية، مثلما تفيدنا في ادراك الاشكاليات الثقافية، وبالتالي ايضا يمكن فهم تلك النزعات لاستخدام اشكال "التمثيل الحيواني"، او هيئات لبيوت ذات "اوجه انسانية"، ومن هنا ايضا حضور ظواهر تصميمية قائمة على ترميز التكنولوجيا المتقدمة.

ابدى "جارلس جينكز" نشاطاً ملحوظاً باجراء تصاميم، ضمن ما يعرف بـ "تنظيم الفضاءات الخارجية" Landscape ، او العمل على تهيئة "تضاريس"Landforms مميزة للمواقع المفتوحة. ويعد نشاطه التصميمي في هذا المجال وخصوصا مشاريعه مثل "حديقة التكهنات الكونية" (1999) في مدينة "دومفريس" Dumfries في اسكتلندا، وكذلك "تضاريس" ما يسمى بـ <ارض المشتري الفنية" او <خلايا الحياة> (2003 -2010) في ادنبرة باسكتولندا ايضا، وغير ذلك من المشاريع المماثلة الاخرى، يعد ذلك اضافة لافتة في الممارسة التصميمية المعاصرة. بيد ان "دارته" الخاصة (1979 – 1984)، المشيدة في منطقة "نوتنج هيل" Notting Hill في حي "كينسينغتون" Kensington اللندني، تعتبر حدثا لافتا في "ريبرتوار" عمارة ما بعد الحداثة. ونقول، ابتداءً، بان "الدارة" اياها لاهميتها المعمارية والثقافية ايضا، قد تم تسجيلها ضمن "قائمة المباني المُدرجة" Listed building الانكليزية وضمن فئة النوع الاول.

اطلق "جارلس جينكز" على منزله اسم "الدارة المواضيعية"The Thematic House (وجينكز"مغرم" باطلاق تسميات محددة على اقسام من مشاريعه او حتى على بعض الفضاءات الداخلية كما سنرى!). وقد دعى اصدقائه المعماريين ما بعد الحداثيين للعمل معه في تصميم الدارة، بضمنهم "تلميذه" السابق المعمار العالمي الان "ريم كولهاس". الا انه اختار تصميم "مايكل غريفيز" (1934 -2015) Michael Graves، المعمار الامريكي ما بعد الحداثي المعروف "للغرفة الشتوية". وفي عمارة تلك الدارة

طمح جينكز ان يعبر ومن خلال لغتها التصميمية ومعالجة فصاءاتها الداخلية، عن رؤاه وافكاره فيما يخص مفاهيم ما بعد الحداثة. وبهذا الصدد، يقول بان دارته "ما هي الا احد جوانب الجدل القائم". ويقول ايضاً "عند تخوم 1979 تلاشى الفهم الموحد لمدلول الزخرفة، فالكل تحول الى <كيتش> Kitsch ، او بالاحرى الى "سقط متاع"! لقد وددت ان احاور صديقي "روبرت فنتوري" (المعمار الامريكي (1925 – 2018) ما بعد الحداثي المشهور"خ. س.")، الذي يرى من ان "العلامة" و"الرمز" هما شئ واحد. من وجهة نظري (يستطرد جينكز) "العلامة" هي اقرب الى قول مأثور، في حين ان الرمز كظاهرة هي اعمق من ذلك بكثير".

لا يختلف الشكل الخارجي لـ "الدار المواضيعية" كثيرا عن هيئات الدور السكنية الاخرى في ذلك الحي اللندني الراقي. الا ان تصاميم "داخله" تثير قدرا من الاهتمام وحتى الدهشة لجهة عدم مألوفيتها. ففضاء الطابق الارضي يرمز الى "الزمن الفلكي"، ففيه يمكن ان تشاهد (رمزيا بالطبع!) حركة النجوم، وتبدلات فصول السنة. ومن البهو الذي دُعي بـ " الفضاء البيضاوي"، يمكن للمرء ان ينتقل الى "الغرفة الشتوية"، والتى تليها ، كما هو متوقع، "غرفة الربيع". وما بين غرفتي "الربيع" و"الصيف" يتواجد فضاء صغير دُعي بـ "الساعة الشمسية"؛ وفيه يسقط الضوء النافذ عبر الشباك على <الوسم الرقمي> للساعة المرسوم على كل سطح الجدار، مبينا بصورة صحيحة "التوقيت" الزمني الآني! وفي الطابق الاول، ايضا تحضر اطروحة الزمن، ولكن من خلال منظور الحضارة. فعلى سبيل المثال، ان غرفة نوم جينكز، ما هي الا رمز الى مربع: الشكل الذي اعتبر اساسا لجميع التيارات المعمارية المعاصرة. اما مكتبة الدارة فانها تظهر الطرز المعمارية عبر قرون من الزمن، وكل خزانة منها هي في الواقع مبنى خاص، يجسد في هيئته نوعا من طرز معين في قرن محدد.

ويبقى ارث جارلس جينكز الكتابي والتنظيري، من اهم ما انتجه هذا المثقف المهم، متنوع الاهتمامات والخبر. فبالاضافة الى ما ذكر من كتابين، اصدر العديد من الكتب الجادة التى استطاعت ان ترسي معالم تتعاطى مع مقاربات معمارية جديدة، يدين المجتمع المهني والمعرفي له لناحية جراءة الكتابة فيها، ورائديتها والتعريف بها، والسعي، احياناً، لتنطيقها ماديا. ووفاته خسارة لا تعوض.
وداعا، جارلس جينكز! .. وداعا ايها المثقف المتنور! □□


معمار وأكاديمي

الصور:
1- جارلس جينكز (1939 – 2019).
2- حديقة "ارض المشتري الفنية" (2003 -2010)، ادنبرة/ اسكتولندا المعمار: جارلس جينكز
3- حدائق مدينة "سونشيون" (2013)، كوريا الجنوبية، المعمار: جارلس جينكز
4 - "الدارة المواضيعية" (1979 – 1984)، لندن، المعمار: جارلس جينكز، منظر خارجي.
5- "الدارة المواضيعية" (1979 – 1984)، لندن، المعمار: جارلس جينكز، منظر داخلي