قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

"بقايا عشاء ليلة البارحة" هو مصطلحٌ يُقصَدُ به مجموع المكوّنات الذِّكْروية الأساسية التي يتمّ من خلالها صناعة الحلم الليليّ. حيث يقوم "العقل" باستحضار عناصره من اليوم الأخير الذي يسبق ليلة الحلم، وكلّ ما قد يتقاطع مع هذه العناصر من ذكريات من زمن الطفولة، يمكن توظيفه في مشروع الحلم.
والسؤال: لماذا كلّ هذا الاقتصاد والشُّح في المادة الصوريّة الـمُستخدمة في الحلم؟
لكن قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بدَّ لنا من توضيح الكيفية التي يتمّ من خلالها تخزين الذكريات التي تُشكّل المادة الأولية لصناعة الأحلام.
بدايةً، يتمّ تجميع المعلومات من خلال "اللواقط الحسيّة"، ثمَّ تحمل الخلايا العصبية المعلومات الجديدة على شكل نبضات كهربائية.
يتمُّ تكوين الذكريات على نسختَيْن وضمن مركزَيْن عصبيَّيْن اثنين في آنٍ واحد. الذاكرة قصيرة الأمد في مركز قرن آمون تحت قشرة المخ، والذاكرة طويلة المدى في قشرة المخ (اللحاء). والتمييز بين هاتين الذاكرتَيْن واعتبارهما كينونتَيْن مختلفتَيْن يعتمد على أمرَيْن: الموقع الطبوغرافي والزمن.
الذاكرة طويلة الأمد تحتفظ بالمعلومات والذكريات مدى الحياة. بينما تحتفظ الذاكرة قصيرة الأمد بالمعلومات لمدَّة لا تتجاوز العشرين إلى الثلاثين ثانية للمرَّة الأولى. وتزداد فرصة بقاء المعلومة لفترة أطول بترديدها وإعادة حفظها وتشبيكها إرادياً مع ذكريات أُخرى سابقة.
إنَّ كلَّ حمولة مفردات تحملها الذاكرة قصيرة الأمد للمرَّة الواحدة لا تتجاوز التسع مفردات وأيضاً لا تقلّ عن الخمس مفردات، والحدّ الوسطي لتخزينها هو سبع مفردات. وعندما يكون التخزين رقمياً، مثل تخزين رقم هاتف، فبإمكانها تخزين أربع حزم كحدّ أقصى.
إلى ذلك تختصُّ الذاكرة قصيرة الأمد بالحفظ السرديّ، بينما تحتفظ الذاكرة طويلة الأمد بالمعلومات عن طريق خلق الصلة والرابط.
ويُعتقد علمياً بأننا نُنتِج الأحلام في الجهة القشرية الخلفية (الساخنة) من المخ.
وبالمختصر، فإنَّ "بقايا عشاء ليلة البارحة" هي الانطباعات الأكثر تواتراً في الذاكرة قصيرة الأمد، والتي قُوِّيت وتمَّ دعمها بإعادة تكرارها من جهة أُولى، وتقاطعت مع ذكريات أقدم من جهةٍ ثانية، مما أدَّى إلى أحقّيتها في الظهور على مسرح الأحلام.
وثمَّة الكثير من الأسئلة الأخرى التي نتعرَّض لها يومياً، ويسأل عنها الناس في موضوع الأحلام، مثل سؤال: لماذا أشعر بأن ما أراه أثناء نومي في الحلم هو حقيقيّ وواقعيّ؟
أو سؤال: لماذا أشعر بهذا الكمّ من المشاعر المختلطة أثناء مشاهدة الحلم؟
والحقيقة أنَّ النائم يشعر بمنطقية وواقعية ما يراه أثناء النوم بسبب نشاط الباحة المخّية البصرية على حساب الفصّ الجبهي، بمعنى أنَّ النائم أو الحالِم يواجه كمَّاً كبيراً من المشاهد التي لا يتمُّ تقييمها منطقياً.
كما أنَّ الأحلام يكتنفها فائضٌ من المشاعر المختلَطة بسبب نشاطٍ زائد في منطقة اللوزة الدماغية؛ أي تلك المسؤولة عن العواطف وعن الحسّ البدائي.

باحث سوري في علم النفس التحليلي