قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عَرَفَ الإنسانُ، عبر تاريخه ككلٍّ، نمطَيْن من التفكير:
الأوَّل هو الـمُعتقد الخُرافي، والذي كان أقرب إلى آلية التكيُّف منه إلى التفكير، حيث كان يخلط من خلاله ما بين الحدث الموضوعيّ والتصوُّر الذهنيّ، والذي أدَّى بالضرورة إلى خلق سلسلة لا تنتهي من المترادفات والروابط العشوائية.
والثاني هو المنهج العلميّ الحديث، والذي جاء نتيجةً للتجريب وللمحاولات الإنسانية الجادّة بغية الوصول إلى الحقيقة الـمُطلقة وتحصيل المعرفة.
وعلى الرغم من أنَّ هذا النوع من التفكير (أي العلميّ) قد أضحى متاحاً للجميع، وبات في المتناول الحصول على المعلومة العلميَّة، إلا أن كُثُراً ما زالوا متمسّكين وبشدَّة بتلك العقلية الإنسانية القديمة! فما هو السبب يا ترى؟
هل كان سعي الإنسان في مُجمله نحو المعرفة يُخفي وراءه هدفاً أعمقَ يتمثَّل بمحاولة طرد المخاوف وتحصيل الأمان ليس إلا؟
آمَنَ إنسان مصر القديمة بأن "الإله رَع" هو الشمس وهو الفجر، وآمَنَ أيضاً بأن سبب حدوث العاصفة صراعٌ ناشبٌ ما بين "الشياطين" و"الإله رَع"، وأن انتصاره في هذه المعركة سيؤدّي إلى شروق الشمس من جديد!
بينما يؤمن الإنسان العقلانيّ اليوم بأنَّ شروق الشمس (وغيابها) هي مسألة فيزيائية بحتة لا علاقة لها بالآلهة.
لكنَّ الإنسان القديم، وعلى الرغم من بساطة ما كان يعتقده، وجد أمانه النفسيّ من خلال ذاك المعتقَد الخرافيّ تماماً كما يفعل إنسان اليوم عبر تصديقه للعلم. بمعنى أن الإنسان مستعدّ لاتِّباع أيَّ شيء يُشعره بالأمان، دون اكتراث بسؤال: أيهما الحقيقيّ وأيهما الـمُختلَق؟ شرط أن يتماشى طبعاً مع مقدار وعيه.
إنَّ محاولات الإنسان الأولى نحو التكيُّف، وعلى الرغم من لامنطقيتها، بقيت حاضرةً ومُتأصِّلة بقوَّة في اللاوعي الإنساني إلى يومنا هذا، وأحياناً يكون لتأثيرها مفعولٌ أكبر من مفعول المنطق العلمي (استخدامها في عمليات الإيحاء مثلاً)!
وهذا أمرٌ سببه قِدَم هذه الأفكار، وكونها آلياتنا الانفعالية الأولى التي استخدمناها في مواجهة المخاوف والأخطار والتصدّي لكلّ أشكال الشرور من داخلنا وحولنا من جهة أولى، وقُربها من مستوى الوعي لدى شريحة كبيرة من المجتمع من جهةٍ ثانية.
وبسبب قِدَمها هذا، وكونها أكثر تجذُّراً في تاريخنا الإنساني، صارت تقوى على أيّ خبرة علمية جديدة نقوم بتحصيلها.
إنَّ قِدَمَ الـمُعتقَد الخرافيّ قد رجَّحَ كفته، من الناحية الانفعالية، على حساب المنطق العلميّ الـمُستجدّ على ذهنية الإنسان القديم الذي ما زال يقبع في أعماقنا، وجعله أكثر انتشاراً واستقطاباً لوجدان البشر.

باحث وكاتب سوري.