قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كي نتعلم كيف نموت بشكل جيد، يتوجب أن نعرف كيف نعيش ونحتفي بالحياة. هذا ما يحضرني وأنا أتأمل هذا الكتاب "المحاضرة الأخيرة" للدكتور راندي باوش. الكتاب الذي عدت إليه في عصر الكورونا والفايروس الذي يهدد المعمورة والبشر بطريقة مرعبة وغير مسيطر عليها لحد الان، اذار 2020. هذه العزلة القسرية بسبب وباء كورونا التي نحن فيها حول المجرة نستطيع أن نعود الى التفكير في قيمة عمل الفرد وأهمية الذاكرة في تكوين الفرد. نحن ذاكرتنا وما نصنع من ذكريات مع الزمن مع من نحب ونكره.
البروفيسور الشاب راندي باوش تلقى النبأ الصاعق عن موته القريب. كان مصاباً بسرطان الكبد، العالم النشيط المتفوق في تخصصه العلمي والسعيد في حبه وحياته الأسرية، المحاط بزوجة شابة وثلاث أطفال صغار دون السابعة. بدأ التحضير لرحلته في هذه الحياة خلال هذه الأشهر المعدودة. الصدمة النفسية المرهقة، جعتله يذهب هو وزوجته لطلب الاستشارة والمساعدة من قبل اخصائية في علم النفس ومساعدة الأفراد والأسر التي تمر بمثل هذه الحالات الأليمة. خلال هذه المرحلة يتم تكليف البروفيسور راندي باوش الذي يعمل محاضراً في إحدى الجامعات الأمريكية بتقديم محاضرة تكون بمثابة "المحاضرة الأخيرة" وفق تقليد يجري في هذه الجامعة، ويترك للأستاذ المحاضر تقديم مايشاء من الحكمة والمعرفة لطلابه وللحضور. الأستاذ البالغ من العمر 47 سنة يواجه قلقا شديداً وصعوبة في اتخاذ قرار سريع بخصوص هذا التكليف. رغبته الداخلية الشخصية بالقبول كانت قوية لأنه يريد أن يعتلي المنصة للمرة الأخيرة ويترك صورة وصوتاً ودرساً في الحياة لأطفاله الصغار حين يكبرون، وهذه الرغبة كانت تتصادم مع رغبة زوجته التي تريد أن يعيش معها ومع الأطفال كل دقيقة متبقية من عمره. وبعد مناقشات حميمة تتعاطف الزوجة مع رغبته وتتفهم عمق دوافعه. وفي إحدى الزيارات وبعد الحصول على نتائج التصوير التي تشير إلى انتشار المرض الخبيث في خلايا جسده الأخرى، ينصرف إلى جهاز الكمبيوتر-اللاب توب ويكتب رسالة إلى الجامعة يخبرهم فيها عن قبوله التكليف ويحدد لهم عنوان المحاضرة ومحورها. يرتكز موضوعه الأساسي على أهيمة تحقيق ما يحلم به الشخص في الطفولة وأهمية مساعدة الآخرين على الانتباه لأحلامهم والعمل على جعلها حقيقة. وترتكز المحاضرة هذه على الاحتفاء بقيمة الوقت والاحتفاء بالحياة بالحب، بالأسرة، والتواصل مع الآخرين حتى في أشد ساعات العمر قتامة. المحاضرة الأخيرة يبتعد فيها عن مأساوية القدر والحزن والخوف من هذا المرض الذي يخشى العالم النطق به.
يذهب راندي أستاذ المعلوماتية وعلوم الكمبيوتر-والتواصل الإنساني، للنبش في أرشيف العائلة والذاكرة للبحث عن النقاط المحورية والسعيدة التي كان لها أثر كبير على تطوره النفسي والعلمي فيما بعد. وهو المعروف بتفوقه العلمي ومخيلته الباهرة التي مكنته من العمل مصمماً في ديزني لاند، وضمن فريق "التخيليين" كما عمل استاذاً مشرفاً ومبتكراً لبرنامج سمّاه "الحقيقة الافتراضية". وعمل كخبير في عالم التكنولوجيا متعاوناً مع "غوغل" ومع شركات أخرى لها بريقها. كما له إسهامات بمقالات لكتاب السيكلوبيديا العالمية، وغيرها من الإبداعات العلمية التي أنجزها بالعمل المثابر والإصرار واحترام الوقت.
يتحدث الدكتور راندي من خلال الصور الفوتوغرافية عن طفولته وأهم الأحلام والأحداث التي يحملها في ذاكرته. يتحدث عن والديه. يذكر واقعة مهمة، حين أراد أن يرسم على جدران وسقف غرفته ويزينها بصور من مخيلته. حصل على الموافقة بعد مناقشات طويلة معهما، بدأ بتنفيذ حلمه وراح يرسم على الجدران ويكتب معادلات رياضية بتنسيق جمالي وصور على الجدران والسقف تعبر عن حلمه. يتحدث عن السعادة البالغة التي جناها من تحقيق هكذا حلم كان يحسده عليه اصدقائه الصغار حينها، ذلك أنهم غير قادرين على ممارسة هذه الحريات في بيوتهم. كما يتحدث عن تجربة هامة آخرى في شبابه وهي الدخول إلى غرفة تكون فيها الجاذبية الأرضية معدودمة. يقدم تجربته مرفقة بتصوير حي على الفيديو، وبسخرية مرحة تجذب الحضور لمتابعته بشوق وتصفيق حار. يكتم وجعه ويبتسم ويقول للحضور الذي تجاوز ال4000شخص: أعتذر إن كنت خيبت أملكم، إذ إنني أبدو سليماً ومعافى تماما- ينبطح أرضاً ويجري بعض التمارين التي تحتاج إلى لياقة بدنية عالية- ولكن هذه هي صور الأشعة والسرطان الذي ينشط في داخلي، ولم يبق لي هنا أكثر من 3-6 أشهر. يعرض الصور ويذكر جملة هامة تعلمها من والده الذي كان يقول له" إنْ كان في الغرفة فيلٌ، قدّمه للآخرين "وها هو يقدم "الفيل-السرطان" للآخرين.
يشير أيضا في كتابه إلى أهمية هذه المحاضرة بالنسبة إليه، فيقول لزوجته: هذه المحاضرة هي فرصة للأسد ليجرب إن كان مايزال يستطيع الزئير. وأيضا يشرح لها أهمية أن يترك تسجيل الفيديو وحصيلة تجربته في الحياة لأولاده حين يكبرون من دونه، ومن دون أن تكون له الفرصة بأن يعلمهم شيئاً ويساعدهم على ابتكار أحلامهم أو تحقيقها. كما أنه يرغب أن يترك لها ولهم ذاكرة طيبة قوية ومرحة تساعدهم على اجتياز صعاب الحياة. تتفهم الزوجة رغبته، بينما تقوم هي برعاية شؤون المنزل والأطفال ورعايته شخصياً، والكفّ عن الشكوى منه ومن استهتاره بترتيب ونظافة البيت وغيرها من الأمور اليومية التي تنكد حياة النساء.
يقول في محاضرته: "هناك أشياء كثيرة أريد أن أخبرها لأطفالي الآن ولكنهم صغار جداً ولن يستوعبوا الأمر. ديلان أصبح من العمر 6 سنوات، لوغان 3 سنوات، البنت الأصغر شيلو، 18 شهراً. أريد أن يعرف أطفالي من أنا، وما الذي كنت أؤمن به، الطريقة التي كنت أحبهم فيها. أتمنى لو يستوعب الأطفال كم تمنيت أن أبقى على قيد الحياة من أجلهم. "جاي" وأنا لم نقل لهم بعد بأنني سأموت، لقد نصحنا الأطباء بأن نؤجل ذلك لحين ظهور الأعراض المرضية، فأنا الآن في الظاهر سليم... يؤلمني بأنهم سيكبرون بدون أب، وأحيانا أبكي وأنا استحم، لا أبكي لأنني لن أراهم ، بل أبكي لأنهم سيكبرون بدون أب."
ثم يبدأ بالحديث عن تجربة أطفال يتامى كانوا يتحدثون عن أهمية أن يعرف الأولاد أن أهلهم كانوا يحبوهم. ولاينسى في بداية المحاضرة وختامها الإشارة الى الجهد الخارق والعناية الكبيرة التي تقدمها الزوجة الحبيبة له ولأولاده فيقول: كأي عائلة تتعامل مع السرطان، نعرف أن الذين يخدمون المريض يتنكرون لمطالبهم الشخصية، يجعلون المريض مركز اهتمامهم. إنهم يحملون العبء الأكبر، ويدعون حزنهم وألمهم جانباً. وهكذا زوجتي "جاي" كانت تحمل في يدها أكثر مما تستطيع. وحين أقدمت على هذه المحاضرة أردت أن أشير إلى مدى حبي لها وتقديري وامتناني لها. لقد تعلمت من الحياة أن نذكر الآخرين بدل أن تكون ذاتنا هي فقط محور اهتمامنا"
كان ذلك في 18 سبتمبر 2007. وهذه المحاضرة الأخيرة تم نقلها إلى كتاب صدر بهذا العنوان وبمساعدة كاتب في جريدة "وول ستريت" جيفري زاسلو" ربيع 2008 ، كما وضعت المحاضرة على الانترنيت على "يوتيوب".
هذا الكتاب درس في عشق الحياة، تعزية النفس والاحتفاء بالحلم وبالساعات التي لنا على هذه الأرض الطيبة-القاسية.
واختم بالقول: أن التاريخ الذي ننتمي إليه يبدأ مع المخطوطات والرقم والارشيف الذي خلدته الحضارات القديمة السومرية والفرعونية، والاغريقية وحضارة المايا وغيرها، هي الوثائق التي ندرسها كي نعرف تاريخ الانسان القديم. وسيبقى كتابوتاريخ هذا الوباء الذي نعيش تبعاته اليوم وثيقة للاجيال التي ستأتي بعدنا. أما اليوم فما علينا إلا أن نجتهد في تمجيد العيش معا وصنع ذاكرة طيبة تليق بأهلنا وأخوتنا في الانسانية.

جاكلين سلام- شاعرة وكاتبة ومترجمة سورية كندية.
[email protected]