يعتقد إيريش فروم أنَّ للدين الإنسانيّ (أي الدين اللاتسلُّطيّ) ثلاث ميّزات واضحة تُفرِّق بينه وبين بقية أنماط الأديان الأخرى، وهي على التوالي: التساؤل، و"الاهتمام الجوهريّ"، والوحدة مع الكلّ. وهذه الميّزات لا تبتعد كثيراً برأيه عن لُبّ عملية المعالجة النفسية. ويخصُّ بالذكْر هاهنا تلك العملية التحليلية التي تهدف إلى تحقيق ذات الإنسان، أكثر من نظيراتها المهتمَّة، فقط، بعملية التوافق الاجتماعي وخلق إنسان متوافق اجتماعيّاً مع محيطه، حتى ولو حصل ذلك على حساب تزييف شخصيته الحقيقية وتحويلها إلى سلعةٍ مناسبة للترويج الاجتماعيّ. هذه المقاربة التي قدّمها فروم ما بين الخبرة الدينية الإنسانية والخبرة العلاجية السيكولوجية تبدأ بعملية التساؤل، والذي هو حجر الزاوية في جلسات العلاج النفسي، وذلك من خلال ما يُسمَّى بعمليات التداعي الحرّ. في بداية الأمر يكون الـمُعالِج هو مصدر التساؤل، وبعد عددٍ من الجلسات يُصبح المريض هو مصدرها، مع اختلافٍ بسيطٍ يكمن في أن تساؤل المريض
يشوبه شيءٌ من الدهشة والاستغراب. وعلى الرغم من أن أي مريض نفسيّ يعاني مما نسميه "الانشغال بالذات"، إلا أن هذا الموقف سرعان ما سيتبدَّل -وهنا نقطة التحوُّل- عندما يُصبح المريض مهتمَّاً جداً بشيء خارج فضائه، أي مهتماً بطبيبه. ناهيكَ عن تعزيز الروابط الإنسانيَّة والجانب "الصِّلويّ" ما بين الطبيب ومريضه، وذلك يحصل عندما يُطلق المريض العنان للذاكرة والمشاعر والخيال متحدّثاً عن كلّ ما يجول في خاطره دون حسيب أو رقيب، غير مبالٍ بخطورة ما يقوله، فليس هناك من سيعاقبه بعد أن يُنهيَ كلامه لأنه غير ماثلٍ في قاعة محكمة، كما أن موقف الـمُعالج النفسي بالنسبة إليه ليس بعيداً كثيراً عن موقف رجل الدين الذي يُصغي إلى كلّ ما يقوله بإمعان وسعة صدر. أمَّا في ما يخصُّ مسألة "الاهتمام الجوهريّ" من جهة الـمُعالج، فليس ثمَّة اهتمامٌ أكبر من ذاك الذي يُبديه الـمُعالج النفسيّ والوقت الذي يُخصّصه لمريضه وكلّ الجهود الـمُضنية التي يحاول من خلالها، أو عن طريقها، فهم طبيعة مشكلته لإخراجه من سجنه الذاتيّ ومساعدته على إعادة بناء شخصيته السليمة والمتعافاة من كلّ ما يعيق نضوجها وتكاملها.
أمَّا الركن الثالث من أركان الدين الإنسانيّ، بحسب فروم، أي الشعور بالوحدة مع الكلّ الكبير وتعطيل التفرُّد والذاتيّة واستبدالها بالشعور التشاركيّ "الصوفيّ" بالعلاقة مع الكون... فله أيضاً ما يُماثله في خبرة المعالَجة النفسية. وتحديداً عندما يتعرّف الشخص الخاضع للعلاج إلى جزءٍ مبهم من ذاته بمساعدة طبيبه النفسيّ، فهو بذلك يخلق شيئاً من الوحدة معه، أي أنه يخلق الوحدة ما بين أناه التي يُمسك بها وبين جزء لاشعوري جديد كان مستغلقاً عليه فهمه أو معرفة وجوده بداخله وكيف كان يُصدر أفكاراً ورغباتٍ يراها غريبةً عنه، ورويداً رويداً يصبح نقطة ارتكازه التي سيتابع من خلالها عملية سبره لأغوار ذاته الأخرى التي ما زالت مظلمةً في نظره حتى الساعة.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.