قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

نورة البدوي /تونس


تنطفئ الأضواء ليعبرها دخان الضباب و تعلق لوحة لباب مغلق كخلفية للجدار،على وقع الموسيقى ينقشع الدخان شيئا فشيئا لتتغير معه خلفية لوحة الجدار من باب مغلق إلى فضاء مكاني ينقل أنظارنا من مشهد إلى آخر فنجد شارعا فكنيسة فعودة إلى شارع، هنا تبدأ الشخصيات أدوارها فوق خشبة الركح.
مجموعة من الغجر يختطفون الرضيعة اسميرالدا ليعوضونها برضيعهم دميم الخلقة و ذي الحدبة كازيمودو، اختطاف جعل من اسميرالدا تحيا بين الغجر، في المقابل نجد والدتها جودول ملتاعة باحثة عنها في كل مكان على أمل لقائها يوما ما، في جهة أخرى يحيا الأحدب كازيمودو بين جدران الكنيسة و أجراسها مع الكاهن كلود.
من هنا تبدأ الحكاية من خلال بناء درامتورجي مقتبس عن رواية أحدب نوتردام لفيكتور ايغو.
هكذا يضعنا المخرج التونسي حاتم المرعوب أمام بناء فني درامتورجي برؤيته الخاصة و تيمات سينوغرافية و طرح يتلائم و هذه الفئة العمرية الناشئة.

البناء الفني:
إن كانت رواية احدب نوتردام تحمل في مضامينها أبعادا فلسفية و سوسيولوجية و نفسية و أدبية و تاريخية محورها الأساسي في ذلك الإنسان، فان المرعوب في طرحه الدرامتورجي احتفظ بهذا المحور الأساسي في إعادة صياغة النص من روائي إلى نص مسرحي تاركا بصمته في صياغة أبعاد معرفية و جمالية و فنية ملائمة لعمر المشاهد.
اعتمد مخرجنا في إعادة الصياغة و الاقتباس على صيغة ملائمة و هو الحكي الذي تجسد من خلال السرد و الحوار و الرقص و الغناء و الحضور السينمائي إضافة إلى التكوين الجسدي و الشخصي لشخوص المسرحية.
" من كازيمودو و اسميرالدا و الكاهن كلود و العجوز جودول و فوبوس ".
في هذا الإطار يقول المخرج التونسي حاتم المرعوب إن "الدرامتورجيا تم بناؤها على اللوحات، بمعنى أن النص الذي تم اقتباسه و لإخراجه من الطابع الروائي إلى الطابع المسرحي قمنا بعملية انتقاء و إقصاء ننتقي ما هو ضروري و نقصي ما هو زائد على الحدث في الطرح الإخراجي".
و يضيف "الصعب في هذه العملية أنه في رواية نوتردام تم تحويلها إلى فيلم سينمائي لمدة ساعتين و نصف و هنا كان السؤال الآتي: كيف يمكن تحويلها إلى عمل مسرحي موجهه لهذه الفئة العمرية الصعبة و يكون لمدة ساعة؟
من خلال هذا السؤال اعتمدت على التكثيف لتصبح الأحداث هي القادرة على التسلسل المنطقي من البداية إلى النهاية".
أما عن توظيف الشخصيات فيؤكد مخرجنا أن كل هذا يتطلب تصورا للشخصيات و تصورا للأحداث أيضا فهناك شخصيات تم حذفها كشخصية الكاتب إضافة إلى شخصيات أخرى موجودة في الرواية، و قمت بالتركيز على شخصية الأحدب و شخصية الكاهنة كلود و شخصية اسميرالدا و الشخصية المحورية التي كانت في ثنايا العرض و هي شخصية جودول الأم الباحثة عن ابنتها و التي تكتشف في نهاية العرض أنها اسميرالدا".
كما يعتبر المرعوب: "أن بناء العمل من جديد يتطلب فهما للوضعيات المهمة للشخصيات التي يجب المحافظة عليها و محاولة إيجاد روابط بين لوحة و أخرى ،هناك مسائل تكون مسائل نصية تحافظ عليها و هناك أشياء تحاول تغييرها إما لما هو حواري أو ما هو سردي أو بموسيقى أو إضاءة.
فالعمل الكل هو الذي يجعلك أمام بناء من جديد، أمام درامتورجيا أخرى و تصور آخر و بذلك تحول النص الروائي لأحدب نوتردام لفيكتور ايغو إلى هذا النص المسرحي الأحدب الموجه للناشئة".

الشخصيات:
تنوعت مستويات خطاب الشخصيات و اشتركت في لغتها المباشرة للمتلقي، و التي لم تخف ما يعيشه الإنسان في حياته الفردية أو الجماعية من ثنائيات شر و خير، انهزامات و أفراح ، حب و كره.
حيث أفصحت كل شخصية عن ذاتها من خلال الحوارات و الصيغ السردية التي خطها المخرج في صياغة النص إلى جانب اعتماد الأغاني، من خلال هذا التنوع قدم لنا المرعوب شخصيات متعددة تحمل دلالات متميزة.
إن هاجسي هو المتلقي فانا أتعامل مع متلقي ذكي و واعي فكان العمل هو أن أوضح تركيبة الشخصية، مثال شخصية الأحدب يقدم نفسه من خلال أغنية و فيما بعد نبدأ بفهم تصرفاته و تفاعله مع المحيط، هكذا قدمت اسميرالدا نفسها أيضا بأغنية
و هذا اختيار بالنسبة إلي فلقد أردت أن تكون الشخصيات محفورة في ذاكرة المتفرج من هذه الفئة العمرية و ذلك من خلال رسم الملامح الكبرى للشخصية فنوضحها من خلال الغناء الذي يعلق بالأذهان إلى جانب الحوارات و السرد و ما يرسمانه من أفعال و أقوال.
و كل هذه العوامل تساعد في إيصال المتعة و وضوح الشخصيات و الأحداث و فهمها من قبل المتلقي و هذا ما نسعى له مسرحيا.

الأشعار الغنائية في العمل:
متعة و وضوح سعى لهما المرعوب بتوظيفات مختلفة في مسرحية الأحدب و من بينها توظيفه للأشعار الغنائية فكانت بمثابة المطية في الانتقال بنا من مشهد إلى آخر عبر إيقاعية جمالية لا تخلو من عبر و كشف لمداخل الشخصية.
يعتبر مخرجنا في هذا الصدد: "إن توظيف الأشعار الغنائية هو بمثابة توجه اختاره في كل المسرحيات الموجهة للطفل، فهو يعتبرها بصمته الخاصة التي وظفها منذ 2011 إلى اليوم، فكل الأعمال التي قدمها فيها أشعار غنائية و هذا اعتقاد راسخ بالنسبة إليه، فالغناء و الشعر و الموسيقى و التنغيم مهم جدا بالنسبة إلى الأطفال" حسب تعبيره .
و يضيف "من ايجابيات هذا التوظيف سهولة الحفظ و القطع مع الإيقاع الراتيب كما تعطي راحة لذهن الأطفال حتى على مستوى المتابعة و تغير الأجواء.
لقد تعاملت مع على مستوى الأشعار الغنائية مع الشاعرين حافظ محفوط و صلاح بن عياد.
تعاملت أول مرة في المسرحيات أن يكون العمل كله غنائي مسرحي، ثم بعدها اخترت أن أتعامل أكثر على مستوى الحوارات و النصوص أكتبها على مستوى الدرامتورجيا ثم أتفاعل مع صلاح أو حافظ يعني أقدم له النص و اقترح عليه أماكن الأغاني.
فالأحدب كتبت النص على مستوى الحوارات و النثر و قدمته للشاعر صلاح بن عياد و تفاعل مع النص لكتابة الأغاني فكانت و كأنها في عمق النص و مكملة له و تفسر الجو المسرحي".
عديدة هي الأغاني التي قدمت و لونّت اللوحات المسرحية و نقلت لنا حالات متنوعة مما تعيشه الشخصيات و على سبيل الذكر ما كان ينشده كازيمودو و يشعر به من وحدة في الكنيسة فينشد:
بين الجدران الباردة تموت
على عتبة كنيسة غفوت
وحيدا ولدت، وحيدا كبرت
وحيدا تكلمت، وحيدا صمت
و أشق الصمت بطرق الاجراس
من أنا، أنا الدميم بجسمه العليل..

الجسد محور الصراع الدرامي:
لقد شكل الجسد محور الصياغة اللغوية للوقائع و الأحداث التي تنطوي على دلالات مختلفة:ازدراء الناس و خوفهم من الأحدب دميم الخلقة، استخدامه كوسيلة او معيار للأحكام، في المقابل نجد جسد اسميرالدا الجميل و الأنيق و محل كل الأنظار.و كأن المرعوب يفتح لنا قضية الجسد بكل ما يحتويه من تساؤلات و عقد و أحاسيس و خوف..
يقول مخرجنا "بالنسبة إلى الأحدب حضوره الجسدي كان فيه خصوصية لان هناك مستوى التقييم و الحكم الأخلاقي بين جسد جميل و آخر قبيح و هذا جسد مقدس و هذا جسد مدنس و هذا بدوره انشأ صراعا اجتماعيا طبقيا.
و يستطرد قائلا: "لكن ما يبقى في النهاية هو هذه القيم الإنسانية المثال هو ليس فالجمال الحقيقي جمال الروح و جمال القيمة و جمال الكلمة و جمال الأفعال و هذا ما بحثت عنه في العمل من خلال جسدان مختلفين جسد اسميرالدا و جسد الأحدب و بحضور الرقص و الغناء و الحياة.
و هو ما يلخص تصورنا للجسد بالمعنى الفلسفي بالمعنى الجمالي أكثر منه بمعنى مادي أو اجتماعي".

اللقاءات و ثيمة الضياع:
بذلك يضعنا المخرج في العمق أمام عوالم مختلفة من العلاقات بها الرومانسي و الحالم و القسوة و الوداعة و الخير و الشر بالرغم من أن البرود كان يفرض نفسه في اللقاءات أما الضياع فكان كتيمة أساسية انطلق منها العمل و تمحور حول البحث عن الأنا و المنشود لكل شخصية فاعلة فوق خشبة الركح.
يرجع مخرجنا هذا البرود:" إن طبيعة اللقاءات هي التي تجعل هذا البرود مثلا، بين اسميرلادا و الكاهن لا يمكن إلا أن يكون باردا نظرا لاختلاف الرؤى و كيفية التصور و اختلاف النظرة للحياة، فهذا كاهن في الكنيسة و الأخرى محبة للحياة و للرقص و الغناء في الشارع، كذلك اللقاء بين اسميرلدا و أمها جودول هو لقاء بين امرأة تكره الغجر و غجرية، و لا علم لهما بالعلاقة الوطيدة بينهما .
ثم يتحول اللقاء في النهاية عندما يكتشفان طبيعة العلاقة بينهما أم و ابنتها فيتحول اللقاء من لقاء بارد إلى حميمي فيه الكثير من الإحساس الداخلي و الفيض الحميمي نهاية العمل.
أما عندما نتحدث عن اللقاء بين اسميرالدا و الأحدب يكون في الأول باردا ثم يتحول ليكون هناك بحث عن السعادة للأخر و لا يطلب شيئا إلا السعادة
فالأحدب في البداية كان كطفل لا يعي ما يحدث أمامه لكن في نهاية العمل اصبح يدافع عن اسميرالدا بشراسة و في النهاية بقيا يبحث عنها بذلك النداء المتواصل اسميرالدا أي نداء عن الحياة و الرقص و عن الحب.
من هنا يمكن القول أن العلاقات تولد مصير كل شخصية و اللقاءات هي التي تفرض عوالم الأحاسيس المختلفة بين الشخصيات و تنقلها للمتلقي.
أما عن الضياع فيعتبره المرعوب "كتيمة أو معالجة موجود من بداية العمل إلى نهايته، لكن هناك فهناك ضياع للشخصيات التي تسير أو تحاول أن تجد حلولا للوضعيات التي تعيشها و حلولا لهذه العلاقات التي أصبحت مريبة على المستوى الإنساني، فنحن إذا ربطنا هذا العمل المسرحي بما نعيشه اليوم: نتساءل عن دور الدين و الفن و الرقص و هذا كله يجعلنا نعيش ضياعا على مستوى الاختيارات على مستوى الموجود و ما نعيشه اليوم وهو الخوف من الاختيار".
و يضيف " إن القصة مرحلة تنتهي و تفتح آفاقا أخرى و تمنح تجارب التي من بعدها تتواصل القصة و الرقصة و الحب و الإنسان و تنفي كل الصراعات ليبقى هذا الحب و كل ما هو إنساني و طوق للحرية و التحرر من كل ما هو جسدي و عبء ثقيل ديني فكري، فانا بدأت العمل بباب مغلق و أنهيته بباب مغلق أيضا و كأننا نحن مطالبون و الجمهور مطالب بفتح هذه الأبواب و بإضاءة الدروب و هنا نعود للمسعدي "لا تكون الطريق طريقا حتى تكون بلا نهاية".

السينما:
لم يخف الحضور السينمائي ذاته في مسرحية الأحدب و كأن تحويل نص روائي إلى نص مسرحي يقتضي بدوره وجود هذا التقطيع السينمائي كمساعد على فتح بوابة و الخيال أمام المتفرج الصغير.
"إن هذه الأعمال لا بد أن تثير من خلالها الخيال بأشياء بسيطة فانا ضد الديكورات الكبير و الثابتة فمنذ بداية الأعمال اعتمد دائما على إكسسوارات صغيرة فإما أن تكون الخلفية مظلمة أو مفتوحة و الآن أصبحت اعتمد خلفية سينمائية و هي أن احدد فضاءات عذبة و ركحية.
فكان من المفروض في مسرحية الأحدب أن أغير الفضاءات فانا أتعامل مع رواية لا أتعامل مع مسرحية،و يجب أن تكون هناك فضاءات متعددة و لا بد من المرور في ذهن الطفل إلى هذه الفضاءات و الحل هو اعتماد الخلفية السينمائية حسب تعبير مخرجنا حاتم المرعوب" .

بطاقة فنيّة:
حاتم المرعوب مخرج مسرحي تونسي يشتغل على المسرح الموجه للطفل و الناشئة من اعماله: احلام فتاة صغيرة، و بياض الثلج، و جميلة و الوحش، و مسرحية غنائية شهرزاد، و الساحرات، و بائعة الكبريت، و البجعات، و بنوكيو، و الرحلة، و الاحدب