قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

اشتهرت ديانا، وهي إلهة الصيد والقابلة الكُبرى في الميثولوجيا الرومانيَّة، برفضها للرجال ومعاداتهم وتحدّيهم. ولذا ارتبط اسمها بالعُقدة التي تعاني منها الأنثى "المُسترجلة"، أو الأنثى التي تحمل شعوراً ازدواجيَّاً تجاه الذكر. فهي تمقته إذا نظرت إليه من منظار الأنثى، في الوقت الذي تُقدّسه فيه عندما تحاول التماهي مع شخصه من خلال ارتداء الملابس الخاصة به، وتقليده في مشيته وفي سلوكه وفي ممارسة نشاطاته على حساب كلّ ما يخصُّ الأنثى. وبالمختصر هي تريد، بسلوكها هذا، أن تلعب لعبة الذكر!

ولتفسير ذلك نقول إنَّ عقدة ديانا ليست اضطراباً في الهويَّة الجنسيَّة، فالفتاة هنا لا تمتلك جسد أنثى وذهن ذكر. بل إنما هي رغبةٌ ضمنيَّةٌ بالحصول على مزايا ينفرد بها الذكور. وترتكز هذه الرغبة أساساً على "حسدٍ" قديم للذكر، هو "حسد القضيب". هذا إذا وضعنا جانباً جدليَّة: هل الحسدُ هو جزءٌ لا يتجزَّأ من شخصيَّة كلّ أنثى، أم أنه سلوكٌ مشوَّه ينتمي إلى شخصيَّة عُصابيَّة، وليس أصيلاً في شخصيَّة الأنثى؟ تعيش الطفلة حالة من النقمة على أبويها؛ فهي لا تملك عنصر "التفوُّق" الذي يمتلكه أخوها الذكر. ويزداد الأمر سوءاً بتفاخر الأُسرة والمجتمع بإنجاب الذكر. حيث يصل الأمر في بعض الأُسر إلى تجريد الطفل من ثيابه، وتقبيله في أسفل بطنه! بشكل علنيّ وعلى مرأى الجميع! الأمر الذي يُعمِّق من إحساس الطفلة بـ"خصائها". بعد كلّه ذلك تبدأ الفتاة بتركيب شخصيَّةٍ لنفسها، تتقي من خلالها شرَّ الشعور الأليم بمركّب النقص. وهذه الشخصيَّة زائفة بكلّ تأكيد، ولا تنتمي لها بأي شكل. ويتجلَّى أبرز مظاهرها من خلال احتقارها لبنات جنسها، والسخرية من الفتاة الليّنة، ورفض الوضع التناسليّ للأنثى واعتباره أقلّ شأناً، والتقزُّز من الحمل والإنجاب. إضافةً إلى احتقار الذكر الضعيف، ومحاولة

التنمُّر على أيّ زوج متعاون، يحاول مساعدة زوجته في أعمال المنزل، وكأنَّ لسان حالها يقول له: "أنت لا تستحق المنزلة التي أُعطيتْ لك"!

أثناء جلسة لـ"التنويم الإيحائيّ"، أجابت إحدى الفتيات المصابات بعقدة ديانا على سؤال الطبيب: ماذا تعني لكِ كلمة أنثى؟ بالقول: "دبق، يرقة، مثقوب، يوحي بالعدم"! والعدم هاهنا بإشارةٍ واضحة إلى الرحم. وفي مثالٍ آخر، ترفض فتاةٌ ارتداء اللون الورديّ -تحت طائلة الجنون إن صح التعبير- مستبدلةً إياه باللون الأزرق! مع التنويه إلى أنَّ كُثُراً من الأهالي يتقصَّدون شراء اللون الزهريّ للبنت، والأزرق للولد.

وثمَّة قولٌ لإحدى النسوة يُلقي ضوءاً كاشفاً على المسألة: "إنّي أُلبِس ابنتي هذا اللون كي يأتي نصيبها، وتتزوَّج سريعاً"!! وكأنَّ اللون الورديّ، في لاوعي تلك الفتاة، يساوي الزواج الذي ترفضه!

حتى وإن تزوَّجت تلك الفتاة، فلا بدَّ أن تختار شخصاً ضعيفاً يسهل عليها إخضاعه، أو آخر يبالغ في إظهار العنف والعِداء للآخرين؛ الأمر الذي يُرضي ميولها بعض الشيء، لكن نتائج كلا الحالتين كارثيَّة. والحل بالتأكيد يجب أن يتمَّ من خلال إعادة بناء شخصيتها الأنثويَّة على أساسٍ صحيح. وهذا الأساس هو اعتقادها بأهميَّة دورها كأنثى، وأنها ليست أقل ولا أفضل من الذكر، فكلاهما طرفٌ في معادلةٍ واحدةٍ. وهذا البناء بطبيعة الحال لا يمكنه أن يتمّ بشكلٍ فرديّ، وبمعزلٍ عن استشارة المُعالج النفسيّ القادر على اختصار الوقت والجهد، ومساعدة الفتاة التي تُكابد هذه العقدة على استرجاع ذاتها، والبحث عن شريكٍ تكمل معه جزءَها المفقود، وتدعم من خلاله قُطبها المُذكَّر.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.