قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تعمل الفنانة التشكيليّة العراقيّة ميسون الجبوري منذ أن أقامت معرضها الفني الأول قبل أكثر من خمسة وثلاثين عام في أحدى قاعات الجامعة المستنصريّة في بغداد إلى آخر معارضها الفنيّة اليوم في قاعة الفنون في ولاية فرجينا الأمريكيّة حيث تقيم كمواطنة أمريكيّة على توظيف صورة المرأة في لوحاتها بإعتبارها رمزا لديمومة الحياة بسرّها وعلانيتها بمأساتها وفرحها, إلى جانب ثيمات اُخرمتعدّدة يغيب فيها حضور المرأة التي تكون تارة إلهة متفرّدة بسطوتها غير المحدودة لكنّها في ذات الوقت حبيسة جسدها المادي العادي الذي يكتمل بالرجل كما تدعوا الأديان التوحيديّة وتارة أخرى تخرج المرأة من جسدها المادي المحدود لتتحول إلى رموزمختلفة ضمن المعنى الطبيعي الحياتي الشامل الذي يراها مصدرا للخصوبة والإنجاب والديمومة , وفي جميع أعمالها التي تتنوع بين الألوان الزيتيّة بالفرشاة والسيراميك والنقش على الخشب والتي تحاول الفنانة الموهوبة أن تضعها في مغامرة تشكيلات ألوانها الحارة الصارخة والمعتمة القاتمة حيث التركيز على وظيفة العينيين اللتين كانتا دائما تعبران تعبيرا حيّا ومختزلا عن أحاسيس مختلفة نراها في رموز ومنحوتات الحضارات القديمة ومنها حضارة ما بين بلاد النهرين العراقيّة فالسومريّون كانوا من الأوائل الذين أشتغلوا كثيرا على حركة العين التي كانت تكشف بصدق عن ماهيّة ولون الحياة التي عاشوها كذلك بعض الحضارات البدائيّة القديمة الأخرى و حضارتي الإغريق والرومان اللذين جعلا منها عضوا متماهيا مع باقي أجزاء الجسد بحركته الجماليّة وليس التعبيريّة والتجريديّة المنفصلة والملفت للنظر في لوحات الفنانة والصحفيّة أيضا هو التنوع في تجسيد حضور المرأة المُرمّزعبر مسيرة التاريخ تبدأها بالأساطيرالمحكيّة التي صوّرت المرأة مثل مساحة محظورة يصعب الوصول إليها خاصة في الخيال القصصي السردي الذي جعل منها قنطرة الأبديّة الواصلة بين منطقتين مختلفتين بين أن تكون المعشوقة والحبيبة والأم المعطاء وبين أن تكون الغواية والشهوة الملعونة المغضوب عليها أي جدليّة الخير والشر والصراع بينهما وفي أغلب لواحاتها تبدو المرأة في عالمها الخاص الجميل والأنيق المنعزل أحيانا وهي محاطة بالطلاسم والتعاويذ والطيور التي تحمل رسائل مجهولة بألوانها البيضاء الداكنة، ثمة سلام خفي يبعثه وجود المرأة في مسيرة التاريخ والموت الذي تتعدّد فيه سلطات الرجل الحاصل على عطايا الطبيعية الخلقيّة التي منحته الذكورة وأعطت للمرأة الأنوثة فصارا مثل قطبين متنافرين مختلفين لكنهما متجاذبين دائما، وثمة إحتجاج يشبه الصراخ الخفي تطلقه لوحات الفنانة ميسون الجبوري ضد ما يحدث من ألم كبير سببته آلة الحرب التي خرّبت عجلاتها ما مشت عليه من أوطان وحواظر إبداعيّة أعطت للبشريّة كنوز المعرفة والسؤال الباحثان عن الإقامة الدائميّة والعيش بأمان، وتحرص الفنانة أن يكون للفن معنى ورسالة حسبما تعتقد وتؤمن قبل أن يكون له شكل وتكنيك والإثنان سويّة طبعا الشكل والفكرة ولعلها من أكثر الفنانين التشكيليين الحذرين من أشكال الفن الحديث وصرعاته التي لا تنتهي بالحداثة وما بعد الحداثة إنسجاما مع حركة التطور العلمي والإقتصادي الإستهلاكي اليومي خاصة في البلدان الغربيّة ومنها الولايات المتحدة الامريكيّة حيث مكان إقامتها، فالفن التشكيلي الأمريكي بشكل خاص والأوروبي بشكل عام قد خرجا من إطار محدودية الشكل ضمن مفاهيم الزمن الوجودي الفلسفي المتوقّف الذي أرساها رواد الفن العباقرة في القرنيين الثامن عشر وبداية التاسع عشر إلى حدّ الستينات من ذات القرن بعدما أطلق عليه بعض الفنانين وخاصة الأمريكي أندي وراهول الرصاصة الأخيرة كفن إستقراطيّ منعزل نشأ في بلاطات القصور وحدائق الملوك والأثرياء بشكل كبير معلنا عن قيام فن تشكيلي شعبي جديد مستفيدا من حركات الفن الأخرى التي ظهرت قبله كحركتي الدادائيّة والسرياليّة ومن ثم حركة الفن المفاهيمي الذي يؤكد على الفكرة والمعنى دون الشكل , والفن الجديد كما يراه أغلب الفنانين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكيّة وأوربا وأستراليا وحتى اليابان وبعض الدول العربيّة على إنّه فن المعاناة وقلّة الموهبة الفطريّة التي تولد مع الفنان وما هذا الفن الجديد ليس سوى محاولة للإجهاز على المنجز الفني الإبداعي للإستقراطيّة الأوروبيّة التي إرتبطت بشكل أو آخر بسلطة الكنيسة التولتاريّة وحركة المستعمرين العنصريين بفنانيها الموهوبين الغامضين الذين صنعوا نوعا من الإيقونة الفنيّة الكلاسيكيّة الصعبة التقليد بالزيت والفرشاة والعصيّة على الكثير من الفنانين اليوم ممن لم يجدوا بإنفسهم القدرة الكاملة على محاكاة هؤلاء الكبار من أمثال دافنشي ومونيّة وغويّة والكثرين من مشاهير الفنانين الفرنسيين والإيطاليين والهولنديين، ومسيرة الإبداع الفني في تطور تصاعدي دائم سواء أحببنا هذا الصعود إلى الحدّ الذي أصبحنا من دعاته أو وقفنا منه موقف المتردّد المتأني، صعودٌ ربما يتدحرج أحيانا نحو القاع المتسخ لكنه قاع مليء بالحيوات المنسيّة والمهملة وقد آن الآن كي نراها عن قرب بعنيين مفتوحتين معاصرتين..
ملبورن أستراليا