قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يعاني الكثير من الطَّلَبة من رُهاب الامتحان، أو ممَّا يُعرف علميَّاً بفوبيا الامتحان. وتعود أسباب هذه الفوبيا إلى أمورٍ عدَّة، لعلَّ أبرزها: ضغط الوالدين المستمّر على الطالب وتحميله أعباءً تفوق قدرته الذهنيَّة أو النفسيَّة على التحمُّل. إضافةً إلى عدم الاستعداد الجيّد لخوض الامتحان من قِبَل التلميذ. يُضاف إلى ذلك كلّه عاملٌ آخر لا يقلُّ أهميَّةً عن سابقَيْه، ألا وهو تدنِّي ثقة الطالب بنفسه وبقدرته على تحصيل المُعدَّل المطلوب. إنَّ مجموع هذه العوامل وغيرها من العوامل المشابهة، تُمثِّل أسباباً ظاهريَّةً لفوبيا الامتحان، بينما يقبع السبب الجوهريّ في مكانٍ أعمق. فما هو هذا السبب الجوهريّ يا تُرى؟ ولماذا لم تُفلح نصائح المرشدين الاجتماعيين المُقدَّمة للطلبة في كبح جماح هذه المشكلة؟ تقف فوبيا الامتحان، شأنها شأن جميع الرُّهابات اللامنطقيَّة، على قاعدة الصراع الرغبويّ "القبل شعوريّ". ولتوضيح هذه النقطة سوف نستعرض حالةً من حالات فوبيا الامتحان، كان السبب فيها أعمق بكثيرٍ من الصورة السطحيَّة التي بدت عليها:

فتاة في الخامسة عشرة من عمرها، فقدت والدها عندما كانت في سنّ السابعة. وقد عانت هذه الفتاة من فوبيا الامتحان، وكان أكثر ما يرعبها هو موضوع خسارة العلامات. فكانت كلما خسرت بعض العلامات، سارعت إلى البكاء معلنةً بأنها قد سقطت في امتحانها! ناهيك عن الجو المُريب والحصر المُركَّز اللذين كانت تكابدهما. وبعد يأسها من نصائح المرشد الاجتماعي الخاص بمدرستها، ومن تبسيطه للمشكلة، وتكراره لجُملٍ على غرار: "أجيبي عن السؤال الذي تعرفين إجابته أولاً ولا تنظري إلى جميع الأسئلة، أحضري في حقيبتكِ قلماً آخرَ من باب الاحتياط، لا تتسرعي في الإجابة... إلخ"، لجأت هذه الفتاة إلى الاستشارة النفسيَّة، ليتبيَّن لها أن مشكلتها تتمحور حول غياب دور الأب، والذي يمثِّل في عقلها الرمزيّ بوابة المستقبل، والكيان النفسيّ الضروري للصراع والمنافسة، ومن ثمَّ بلوغ الرشد.

كان صراعها الرغبويّ الخفيّ، والذي تمَّ تعويمُه على شكلِ مخاوف، على الشكل التالي: إنَّ تفوُّقها يجعل من والدها شخصاً فخوراً بها، بينما كان إحساسها بالفشل والسقوط في الاختبار يعود بها وجدانيَّاً إلى وضعها القديم؛ أي إلى وضع الطفل اللامبالي والمحميّ تحت سقف الأب وداخل "جنَّة عدن". وعلى قاعدة القانون السيكولوجيّ التقليديّ، فإنَّ الخوف اللامنطقيّ الشعوريّ من شيء (أي من الفشل في الامتحان) يؤدّي إلى رغبةٍ في هذا الشيء (دفء حضن

الأب الذي تفتقده) لاشعوريَّاً. وفي نهاية المطاف نجحت هذه الفتاة في التغلُّب على رُهابها، بعدما نجح المعالج النفسيّ في مساعدتها على ملء الفراغ الوجدانيّ الذي تركه غياب الأب. ولا بدَّ من الإشارة هنا إلى أنَّ هذا المثال لا يمكن سحبه أو تعميمه على جميع حالات فوبيا الامتحان، فلكلّ حالةٍ أسبابها الخاصة بها، غير أنَّ الآليَّة التي تقف وراءه ووراء أيّ رُهابٍ آخر هي ذاتها.

باحث سوري في علم النفس التحليلي