قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يعتقد البعض من علماء الفيزياء أنَّ في هذا الكون الواسع "شيئاً من الذكاء". لكن هذا الرأي، سواء أجانب الصواب أم لم يفعل، لا يجب أن يدفعنا إلى الاعتقاد بأنَّ الكون مشابهٌ لـ"غابة الأماني" الواقعة في إحدى قصص الخيال! أو أن يدفعنا للخلط ما بين الارتباط الواقعيّ للأحداث، والارتباط الحاسوبيّ لشبكة "غوغل"! يزعم روَّاد ما يُسمَّى اليوم بقانون الجذب بأنَّ قوة أفكار المرء لها خاصيَّة الجذب (المغناطيسيّ) للأحداث المُتمنَّاة من قبله، إلى درجة قدرتها على استحضار أحداث ستجري مستقبلاً، إلى الواقع الراهن! يقف هذا الاعتقاد على أرضيَّة اعتبار الكون شبكة متصلة مع أفكار الفرد، تعمل على تلبية آماله، تماماً كما يفعل طبق الطعام "السحريّ" في واحدةٍ من حكاياتِ جدتي! إذا ما تركنا جانباً لامنطقيَّة استعمال مصطلح "قانون" هنا؛ أي الشيء الذي يجب أن يُطبَّق على الأشياء الثابتة، سنجد أن هذا المعتقد يقفُ على مستحيلاتٍ علميَّة عدَّة: أوَّلها، أنَّ الأحداث ليست موجودةً مُسبقاً، ولا تقعُ في المستقبل، لكي نقوم بجذبها صوبنا، فشمسُ كوننا لم تغرب بعد!

بل هي نتاجُ حركةٍ آنيَّةٍ إنسيابيَّةٍ، على الرغم من أننا نستطيع توقُّع حصول بعضها. توقُّع مبنيٌّ على المنطق وليسَ استقطاباً للمجريات المُستقبليَّة! وثانيها، أنَّ هذه الأحداث ليست مجرَّد صوَّر ذهنيَّة في عقولنا، قادرة على جذبِ صوَّرٍ أخرى مشابهة لها في المستقبل البعيد! فالحياة ووقائعها ليست فيلماً سينمائياً مُسجَّلاً، نستطيع الوصول إلى خاتمته بِكَرِّ هذا الشريط! وأيضاً الرؤية الفلسفيَّة القائلة: بأنَّ ما يحتفظ به العقل من أفكارٍ قابلٌ لأن يصيرَ حقيقةً يوماً ما، لا تعني أبداً التوسُّل وتوقُّع الجذب بممارسة التركيز على صورةٍ بصريَّة حالمة، كما يفعل روَّاد هذه "الصرعة" الحديثة. بل تعني أنَّ العِلمَ قادرٌ، يوماً ما، على أن يُجسِّمَ من خلال الاختراعات كلَّ ما خطرَ في بال الفلاسفة والمبدعين من ومضاتٍ إبداعيَّة باقتفاء أثر درب المنطق العلميّ الصريح فحسب. ولعلَّ أسوأ ما في "معتقد التمنِّي" هذا، هو عندما يحاول أحدهم تثبيت الخُرافة، باستخدام أقدامٍ تكنولوجيَّة! بمعنى إتيانه بقرائن علميَّة، أساء فهم مضمونها، وتتناقضُ تماماً مع ما يحاول إقناعنا به، ثمَّ استخدامها في غيرِ مكانها، لإقناعنا بصدقِ رأيهِ! يُضافُ إلى كلِّ ما أوردناهُ حول عبثيَّة الفرضيَّة الخاصَّة بالجذب، مسألة سوء فهم اللاوعي لدى الإنسان (أي منطقة المهاد) من قِبَلِ الكثير من الأشخاص، والقدرات الهائلة غير المستثمرة التي يمتلكها. واستفادة الفرد من إمكانيات هذا اللاوعي بشكلٍ غير مقصود، ودون معرفةٍ منه، وذلك من خلال إطلاق العنان لعملية الإيحاء

التلقائيَّة. ومثال ذلك، ما يزعمون بأنه تحريضٌ لـ"الطاقة الإيجابيَّة" لدى الشخص، والتي سوف تستقطب بدورها الأحداث الإيجابيَّة! وكذلك تفعل "الطاقة السلبيَّة"! والحقيقة مغايرةٌ لذلك تماماً، حيث يستطيع الإنسان أن يجلبَ السعادة لنفسهِ بتفاصيلَ بسيطةٍ عندما يريد ذلك، وعندما ينظر إلى النصف المملوء من كأسهِ. والإنسان الساعي إلى أذيةِ نفسهِ، سوف يتعرَّض للمشاكل التي قرَّر خوضها مُسبقاً، وسعى ضمنيَّاً باتجاهها. والنتيجة المُستخلصة من هذا كلّه، هي في أنَّكَ سوف تحصد ما زرعته في تربة لاوعيكَ، إيجاباً أو سلباً، ومن دون أن تتوهَّمَ وجودَ طاقةٍ توكلُ إليها مصير شقائكَ أو سعادتكَ. وختاماً نقول بأنَّ قانون الجذب هذا ينتمي إلى ما يُعرف بالعلوم الزائفة، شأنه في هذا شأن الكثير من الممارسات غير الجادَّة التي تدَّعي معرفة المستقبل، وتدَّعي القدرة على التحكُّم بهِ وبمجرياته.

باحث سوري في علم النفس التحليلي.