قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

صدر حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب جديد بعنوان "في ضوء الألم"، يقدِّم مؤلفه مضر رياض الدبس مقاربات في بنى الاجتماع السياسي السوري، ويأتي صدور هذا الكتاب بعد وقتٍ قصيرٍ جداً من صدور كتاب "مفهوم المواطنة" للكاتب نفسه، ويعدُّ امتداداً لمنهج مؤلفه نفسه، ولكن بتركيز التفكير في الوضع السوري، وقراءة الواقع في هذا البلد المتألم ومآلاته. ويرى المؤلف أن التفكير في ضوء الألم يجعل صاحبه مؤهلاً ليكون طبيب نفسه، من طريق فهمِ الألم بصورةٍ أعمق، وفهم مسبباته تمهيداً لابتكار طرق وآلياتٍ جديدة من أجل حياة كريمة من دون ألم. فــــيقول إن "الألم سلبي، والتفكير في ضوء الألم إيجابي: الألم انتقام، والتفكير في ضوء الألم عدالة؛ والألم شقاقٌ، والتفكير في ضوء الألم اشتقاق؛ والألم حرب، والتفكير في ضوء الألم سلام، والألمُ ابتذال، والتفكير في ضوء الألم صيانة؛ والألم تيه والتفكير في ضوء الألم وطن".
واستناداً إلى ذهنية تشتق منهجياتها من مفهومات "العدالة" و"الاشتقاق" و"السلام" و"الصيانة"، يضع المؤلف مجموعةً من الدراسات تشكل بمجملها ما يسميه "مقدمات تفكيرٍ في ضوء الألم السوري"، ويقدمها إلى قارئه في قسمين وأربعة فصول، يتناول القسم الأول توصيف البنية السياسية للنظام والمعارضة، بوساطة نصين وضعهما الكاتب ليكونا مثالاً يؤدي إلى تكوينِ "انطباعٍ مقارب لذهنية النظام والمعارضة في سورية". يتضمن النص الأول دراسة بنية النظام العصبوية، ودراسة سلوكياته في محطاتٍ معينة، في محاولة تصور تركيبته الاجتماعية وتوصيفها ومن ثم التكهن بسلوكياته المستقبلية، وتناقش الدراسة فرضيات عدة، أكثرها أهميةً أن العنف، والسلوك القائم على الإبادة والتدمير، هما صفتان بنيويتان من صلب التركيبة الاجتماعية للنظام السوري. وفي النص الثاني مقاربة لما يسميه المؤلف "النمط الاستقرائي" الذي يتحكم في ذهنية تفكير المعارضة السورية، ودور هذا النمط في تفويت الفرص والإخفاق الوطني؛ ويضع المؤلف الفرضية الآتية ويناقش صحتها: "كان الاستناد إلى الاستقراء – ولا يزال – نمطاً سائداً في فكر المعارضة عمومًا، وقد أدى هذا النمط إلى ضعف في الرؤية الاستشرافية، وضعف القدرة على حساب الاحتمالات والسيناريوهات المستقبلية"، وتطرح الدراسة أن هذا النمط الاستقرائي في التفكير واحدٌ من أهم العوامل المساهمة في الإخفاق السياسي، والتقهقر الذي رافق المعارضة السورية منذ بداية الثورة في آذار 2011 إلى اليوم.
وفي القسم الثاني، يتعمق المؤلف أكثر في منهجيات التفكير في ضوء الألم التي طرحها في مقدمة الكتاب، فيستخدم الاشتقاق ليستبعد الشقاق في تصوره لنموذج الدولة السورية بين الإسلام والحداثة في الفصل الثالث من الكتاب، ومن خلال مقاربات نظرية يتوصل إلى ما يسميه " أنموذج ذهني لإسلام حديث" يريده مقدمةً للسؤال عن إمكانية ولادة إسلام وطني يدور في أفق العمومية. ثم يستخدم في الفصل الرابع والأخير منهجية الصيانة، ليواجه فيها "الابتذال"، فيطرح مشروعاً سياسياً فكرياً مقابل ما يلاحظه من ابتذالٍ للمشروع الوطني السوري، ويسميه "صيانة المشروع الوطني" وفيه عناصر استنادية تقوم على مفهومات مثل الفضاء العمومي السوري، ورأس المال الاجتماعي السوري، ومفهوم الفرد السوري، والبصيرة في السياسة السورية، وأسس الهندسة المفهومية، والشجاعة الوطنية.
خاتمة الكتاب تتألف من جملةٍ واحدة، تتضمن دعوة إلى الحوار، وتعكس منهج مؤلفه العام، ورغباته في فتح الحوار حول بنى الاجتماع السوري، ومستقبل الاجتماع السياسي في هذا البلد فيختم الكتاب بالقول: "لم أرغب في كتابة خاتمةٍ لهذا الكتاب؛ فمن يعاصر مجزرةً لم تنتهِ ينهكه التفكيرُ في الخواتيم، ودائماً يميل إلى مقدماتٍ جديدة".
وتعكس هذه الخاتمة، أو هذه المقدمة الختامية، دوافع المؤلف للكتابة والنشر، التي بدأ فيها مقدمته عندما قال: "أن نُفكِّر في الضوء يعني أن نكتب وننشر: نكتب لنلتزم ونُنظِّم، وننشر لنحاور ونتحاور؛ فكلُ فكرةٍ غير مكتوبةٍ في زمن الألم، وكلُّ فكرةٍ سريةٍ، وكلُّ حوارٍ غير منشور أياً كان موضوعه، نشاطٌ في الظلام: في عتمة الألم نحو الجهة المؤدية إلى التيه. وبالكتابة والنشر والحوار ندخل إلى الفضاء العمومي، وفي الضوء – فحسب – يكون التفكير عموميًا، عموميته من علانيَّته ووطنيته من عموميته؛ فالتفكير في الضوء سمةٌ وطنية أصيلة بالاشتراط".

يقع الكتاب في 240 صفحة من القطع الكبير.