قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كم هو مؤسف ان يُعرّف فنانٌ موهوب لعبَ أدوارا مهمة في السينما -- وهو في الرابعة من العمر --- منذ أول ظهورها وهو الطفل الصغير المعجزة ولكنه يشتهر بقضية قانونية تخصّ المحاكم ؛ فلا علاقة لها بموهبته ولا بإبداعه حتى ان شارلي شابلن بجلالة قدره السينمائي طلب منه ان يشاركه التمثيل واستعان بأبيه وأمه استرضاءً لهما لأجل أن يضمّه الى أفلامه الأولى .
لقد عرف هذا الفنان الذي بدأ التمثيل منذ صغره وهو بسنّ الأربع سنوات بقانونٍ بعيدٍ تماما عن الفن السينمائي ؛ إنما يخصّ أموال الأطفال القاصرين والحفاظ عليها اذا كانوا دون سنّ الحلم ولم يبلغوا الرشد .
ففي الولايات المتحدة سنّ المشرعون قانونا سُميَ " Coogan Act " قانون كوجان وقد تم إقراره لحماية أموال الأطفال غير البالغين من مطامع أهليهم وأقاربهم .
فمن هو المدعو " جاكي كوجان " ولماذا تمت تسمية هذا القانون بهذا الاسم ؟
ولد الصغير جاكي سنة /1914 في لوس أنجلوس من أبوين فنانين راقصين يعملان في مسرح المدينة وانضم ابنهما وهو في سنواته المبكرة وهو بعمر الطفولة ولفت أنظار المتلقين بشكل مبهر ، بعدها قامت هذه العائلة الفنية بجولات في بقية أنحاء كاليفورنيا وشاءت الصدفة ان يكون شارلي شابلن حاضرا في إحدى مسرحياتهم الراقصة وعزم على أخذه من والديه ليشاركه أعماله الفنية والسينمائية لاحقا نظرا لنباهته ورقيّ تمثيله .
بدأ هذا الطفل المعجزة بالتمثيل في الأفلام الصامتة الصعبة الأداء وخاصة عندما يكون موضوعها كوميديا ؛ فكيف لممثل أن يُضحك جمهوره وهو لا يتكلم ولا يحاور ولا يتاح له إلاّ الحركة وتعابير الوجه وقدرة البانتونيم الجسدية على خلق الابتسامة والبهجة في شخوص المتلقين .
أول عمل سينمائي ناضج له حينما أوكل اليه دورٌ صغير في فيلم " أيام سعيدة " (A Days pleasure) فأجاد التمثيل ببراعة يحسد عليها وبعدها لم يتردد شابلن في تكليفه بدور أكثر حضورا في فيلم " ذا كِد " وقد شاركه البطولة معاً .
ويمكن القول ان هذا الفيلم اعتبر منطلق إبداعه التمثيلي حيث لفت الأنظار إليه إعجابا وجعلته نجما لامعا منذ نعومة أظفاره وحظي بنجاح منقطع النظير وتزاحم المشاهدون على شبابيك التذاكر لمشاهدته مما زادت إيراداته المالية بشكل يفوق التصور ؛ اذ يحكي الفيلم قصة متشرد من صعاليك الشوارع يلتقي بالطفل الرضيع كوجان الذي رمته أسرته في الطرقات حيث يقترنان معا في حياة البؤس والصعلكة طوال أحداث الفيلم تماما مثل حياة أبٍ مقترٍ خالي الجيب يرعى ابنه اللقيط يعانيان كثيرا من المخاطر طوال رحلتهما الشاقة في الحياة البائسة .
بعدها توالت الأدوار السينمائية عليه وصار كوجان مشهورا جدا يشار اليه بالبنان أينما حلّ وحيثما أزف وجمع ثروة كبيرة تضاهي الأربعة ملايين دولار وهذا الرقم يعتبر ثروة هائلة في سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي وهو لم يعد يبلغ سنّ الحلم ، لكن هذا الثراء الوفير ليس بيدهِ وانما كان تحت أمرة أمّه التي ترمّلت بعد وفاة والد كوجان لكنها سرعان ما تزوجت زوجا جديدا لعوبا ولعبت لعبتها في البذخ وبحبوحة العيش مع زوجها الجديد وأسرفت أيّما إسراف من أموال وليدها المخزونة لديها وأهملت ابنها ورعايته بحيث ظل هذا الفتى الفنان المبدع يعاني الإفلاس وشظف العيش رغم رصيده الهائل المحجوز تحت وصاية الأم القاسية القلب تجاه وليدها .
من هنا بدأت الصدمة الكبيرة التي أوجعته حقا حيث تجرّأ وزار أمه في بيت زوجها وتوسّل اليها بغية استرداد ولو جزء يسير من ثروته الهائلة التي أودعها لديها عسى ان يستقيم حاله الماديّ لكنها صدّته صدّاً وكأنها عدوّته اللدود وطردته شرّ طردة مما دفعه هذا الموقف المشين منها الى رفع دعوى قضائية في محاكم كاليفورنيا لاسترداد أمواله او حتى جزءٍ منها ، لكن مسعاه كان مخيبا حيث لم يكن هناك قانون يعطي الحق لهذا الفتى لاسترداد أمواله من أبويه .
هذه القضية لفتت أنظار القضاة وكان لابد من سنّ قانون يعيد الحق الى نصابه ليأخذ كل صاحب حقٍ حقه بما فيهم الأطفال الذين لحق بهم الحيف من قبل والديهم ، وعلى اثر قضية الممثل الشاب كوجان تم سنّ " قانون كوجان " لكن بعد فوات الأوان حيث ان أمواله تبددت بسبب البذخ واللامبالاة والهدر المفرط في ثروة هذا الوليد الذي أصبح شابا يافعا محروما من ثروته وعاش فقيرا معدما الاّ من أجور أدواره التمثيلية التي واصل نشاطه فيها ، لكن الأجيال اللاحقة من الأطفال الآخرين أمّنت على أموالها وبقيت محفوظة مضمونة باعتبارها ضمن أموال القاصرين حتى يكبروا .
ورغم كل هذه الصدمة الموجعة التي لقيها من اقرب مقربيه أمّه العاقّة به لكنه لم يستسلم وبقي مخلصا لفنّه وأسند له دور صغير ولكنه مؤثر في المسلسل التلفزيوني الذائع الصيت وقتذاك ( The Addams Family )
وتبع هذا المسلسل فيلم ( Daddy ) في العام / 1923 حيث انتشله من الفقر الذي عاش فيه جراء ضياع ثروته السابقة من قبل والدته وزوجها الجديد وحصل على أجرٍ عالٍ نسبيا من المسلسل .
اما الصدمة الثانية التي تلقّاها فهي حادثة موت أبيه في عام / 1935 مما سبّب له نكوصا في حياته الاجتماعية والفنية معا ولم تعد الأضواء تسلّط عليه فانطوى على نفسه ممثلا نسيا منسيا طيلة سنتين معتكفا مع نفسه دون اي دور سينمائي وبعدها حاول ان يفتق تلك الوحشة عنه فقرر الزواج من ممثلة كانت رفيقة له في العام / 1937 وعاشا معا طيلة ثلاث سنوات انتهت بالطلاق بينهما بعد خلافات وخصومات صادمة .
وحينما اندلعت الحرب العالمية الثانية خدم كوجان في الجيش الاميركي ، وبعد انتهاء الحرب عاد الى هوليوود وهو خائب المسعى ولم يحصل على دور مهم سوى أدوارٍ واهنة طلبا للارتزاق ليس الاّ مما أثّرت على تشويه لمعانه الأول .
لكنه استعاد ألقه في فترتي الخمسينات والستينات من القرن الماضي وقدّم أعمالا ملفتة في المسلسلات التلفزيونية ، لكنه وبسبب خيبته التي لم ينسها مع والدته وفشل زواجه الأول بدأ نجمه يأفل شيئا فشيئا وهذا ما لاحظناه في أدواره الهزيلة الأخيرة بسبب عوزه وحاجته الى المال وهو المليونير الذي ضيّعت أمّه أموالَه مع زوجها الجديد ، وظلّ يعيش مرارة الحياة والإجحاف من أقرب الناس اليه ( أمّه ومن ثم زوجته ) حتى مات كمدا في العام / 1984 إثر أزمة قلبية .
[email protected]