قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


العمالة الوافدة ممارسات لا نظامية وأضرار اقتصادية


د. عبد الرحمن سليمان الطريري


المتابع لما تنشره الصحف حول الحملات الأمنية التي تنفذها الأجهزة الأمنية تجاه بعض المخالفين للأنظمة من الوافدين للعمل في المملكة يرى العجب العجاب في تصرفات هذه العمالة ومخالفاتها الأنظمة القائمة في الوطن. وقد كشفت الحملة المكثفة التي قامت بها الأجهزة الأمنية عن كثير من المخالفات التي تصل من الجرأة ما يحير العقل، حيث وجدت عصابات مخدرات وقمار وملاه وكنائس وجماعات تمرر المكالمات الدولية.


وما دعاني للكتابة حول هذا الموضوع ما قرأته خلال أسبوع واحد في صحفنا الوطنية حيث ذكرت هذه الصحف أن سبب أزمة الخضراوات هو العمالة الوافدة، كما ورد في خبر آخر أن عمالة باكستانية في حي الشميسي في الرياض تطلي قطع الحديد بلون ذهبي وتبيعه على اعتبار أنه ذهب، أما الخبر الثالث فهو حول سوق الخردة وسيطرة العمالة الوافدة عليه، مما قد يكون سبباً في ارتفاع سعر الحديد.
أما الخبر الأخير الذي أستشهد به فهو أن عمالة يمنية تقوم بإعداد الفول والخبز في حمام وتقدمه للزبائن.


وإزاء هذه الممارسات والتي لا تمثل إلا أمثلة بسيطة يجد المرء نفسه أمام جملة من التساؤلات. وأول هذه التساؤلات هو من تكون هذه العمالة؟ وما الوضع القانوني لها؟ أي هل تقيم بصورة نظامية أم أنها من المتسللين؟! وإذا كانت تقيم بصورة نظامية ومعها تأشيرة فما نوع التأشيرة؟ هل هي تأشيرة عمل؟ أم تأشيرة زيارة؟ أو علاج؟ أو عمرة؟ أو سياحة؟ أو أي نوع من التأشيرات تتمتع به؟! توقفت عند خبر تحكم العمالة الوافدة في الخضراوات مما تسبب في رفع الأسعار وتساءلت هل توجد تأشيرة باسم تأشيرة تاجر تسمح لهؤلاء بالتحكم في الأسعار ورفعها بهذه الصورة؟ الذي أعرفه أنه توجد مهنة بائع يمنح الفرد على ضوئها تأشيرة لدخول المملكة على أن يعمل في مجال محدد وفي مكان أو مدينة محددة ويكون على كفالة فرد أو مؤسسة تعود له أو لها ملكية المكان الذي يعمل فيه العامل. أما أن يصل الأمر إلى التحكم في أسعار وسوق الخضراوات فهذا ما لا يمكن تصوره إلا في وضع غير طبيعي، وعلى افتراض أن العمالة الوافدة هي التي تتحكم في الأسعار. ماذا فعلت الجهات ذات العلاقة بهذا الوضع، لنفرض أنها لا تعلم عن تسرب هذه الفئات إلى سوق الخضراوات وتحكمها فيه إلا أخيرا، ماذا فعلت بعد ما علمت؟ وهل اتخذت الإجراءات اللازمة بحق هؤلاء وتصحيح الوضع الذي أحدثته؟! أسئلة لا يمكن الإجابة عليها إلا من قبل ذوي الشأن في هذا الموضوع.


هذه التساؤلات تنطبق على بقية الأمثلة إلا أن المثال الخاص بتزييف الذهب وبيع الحديد على أنه ذهب يحتاج إلى وقفة إذ أن الذهب وأشغاله من المهن الدقيقة. وهذه الممارسة تثير الريبة إذ أين يبيع هؤلاء بضاعتهم؟ هل في أسواق الذهب ومحلاته أم عن طريق وسطاء؟ إذا كان البيع تم من خلال محلات الذهب، فهذه مصيبة إذ أن الأمر يستوجب الفحص والمعاينة من قبل ذوي الخبرة. ومهما يكن الأمر، فالممارسة خطيرة ومضرة في هذا المجال فالغش في الذهب لا يقل ضرره عن تزييف العملة والذي يلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد الوطني.


توقفت بتأمل وبعمق في شأن تجهيز الفول والخبز في الحمام وتساءلت، أليس هناك مكان آخر يمكن استخدامه أم أن هذه الممارسة مقصودة ومن قام بها تعمد ذلك بغرض الإضرار بصحة المساكين الذين قد يتناولون وجبة في هذا المكان وقد يحمل في طياته مشاعر عدائية؟ وإلا ما الذي دعاه لهذه الممارسة المشينة القذرة؟!


في نظرة تحليلية لجميع هذه الممارسات التي وردت في المقال وغيرها من الممارسات التي تقدم عليها العمالة الوافدة يمكن إرجاع الأسباب وراء هذه الممارسات لعدة أمور أولها أن الثقافة السائدة التي تحكم علاقتنا بالعمالة فيها شيء من البساطة التي تصل إلى حد السذاجة مما يشجع البعض منهم على التصرف بصورة فيها الكثير من الاستخفاف وتعمد الإهانة. ولعل أبسط ما نسمعه العبارة التي يكررها بعضهم وبلكنتهم الأجنبية (سعودي فلوس كثير) وذلك حين يتعمد بعضهم الإسراف أو إحداث ضرر في جهاز أو غيره. إننا بحاجة لإعادة النظر في ثقافة التعامل بحيث لا ضرر ولا ضرار فلا هم يتعرضون للظلم والإهانة والإذلال وسلب الحقوق ولا هم يتجرأون ويفسدون ويعيثون في الأرض فساداً ويعرضون صحة الناس وأموالهم وممتلكاتهم للضرر والمخاطر.


أما السبب الثاني وراء مثل هذه الممارسات فهو الرغبة في استغلال الظروف والكسب السريع دونما أخذ في الاعتبار لحياة الناس ومصالحهم وهذا ربما مرده إلى ما يتمتع به بعضهم من جرأة تشجعهم على اقتراف هذه الممارسات، بل ومخالفة النظام وبصورة تشعر بالاستهتار واللامبالاة من قبل من يقومون على هذه الممارسات.


سبب آخر ربما يكون وراء هذه الممارسات ألا وهو الاتفاق بالباطن بين بعض السعوديين وبعض العمالة وهذا في ظني يمثل معضلة تحدث هذه المشكلة وغيرها من المشاكل مما يجعل هذه العمالة تطمئن وتشعر بالأمان خاصة أنها تستند إلى أحد المواطنين الذي قد يكون له دور في التحايل على النظام. وقد يكون هذا المواطن هو الكفيل أو فرد ظروفه الاقتصادية تضطره لفعل مثل هذا الصنيع. لقد تأملت في قرار مجلس الشورى الأخير والذي يمنع ذوي المراتب الدنيا من العمل الحر ووجدت فيه تشجيعاً على التحايل على النظام وإعطاء فرصة لممارسات غير جيدة ذلك أن ذوي الدخل المحدود يصعب عليهم مواجهة متطلبات الحياة برواتبهم المنخفضة، وهذا من شأنه أن يوجد فراغاً إضافياً في سوق العمل الحر تملأه العمالة الوافدة. إن الحجة التي استند إليها مجلس الشورى هي الإخلال بالعمل الحكومي وهذا يمكن معالجته بتطبيق مبدأ المحاسبة من قبل الإدارات فالتسيب في العمل يحدث إذا غاب مفهوم المحاسبة ووجدت إدارة متواطئة في ذلك.


إن عدم ملء الفراغ في المجالات كافة من قبل المواطنين سيترتب عليه ترك الميدان لغيرهم للقيام بذلك وهذا ما نشاهده في الأسواق إذ في السابق كان المواطن يعمل في البقالة وفي محل الأقمشة وفي محل الذهب وفي محل الملابس وفي المجالات كافة أما الآن فلا تجد إلا أشخاصاً تضطر لتكسير لغتك كي تفهمهم ويفهمونك، ولذا لا غرابة أن نجد من يخالف النظام بل ويتعمد ذلك دونما خوف من رقيب أو أخذ في الاعتبار لصحة الناس أو أضرار في الاقتصاد الوطني الذي لا شك سيخسر الكثير بفعل هذه العمالة الرديء وسلوكها اللا نظامي. خاصة أن معظم هذه العمالة لا تتوافر فيها أي مهارة دقيقة، بل إن ما يتوافر فيها هو خاصية الجرأة فقط.


ومهما تكن الأسباب المحتملة وراء مثل هذه الممارسات التي تقدم عليها هذه العمالة لابد من الإشارة إلى أن الجهات الرسمية ذات العلاقة تتحمل المسؤولية في جرأة العمالة وتجاوزها للنظام وهي المخولة بمعرفة من يعمل وأين يعمل؟ وكيف يعمل؟ وهل يعمل في المجال الذي حدد له حين منح التأشيرة لدخول المملكة؟ وحتى تقوم الجهات المعنية بواجبها ستظل هذه الممارسات قائمة وسنستمر في القراءة حولها في الصحافة أو نسمع عنها في المجالس وما خفي أعظم.