د. لويس حبيقة

تتلخص المتغيرات الاقتصادية العالمية بالأزمة العقارية التي تنعكس سلبا على أسواق المال، بسقوط الدولار بسبب عجزي الموازنة وميزان الحساب الجاري الأمريكيين، كما بارتفاع أسعار النفط الى حدود جديدة. لن تسقط الأسعار نتيجة زيادة الانتاج 500 ألف برميل نفط في اليوم من قبل منظمة ldquo;أوبكrdquo;، لأن الطلب قوي جدا في فصل الشتاء ومن آسيا تحديدا، بالاضافة الى أن العرض والاحتياطي غير كافيين. على العالم أن يعيش، بل يتأقلم مع أسعار نفط مرتفعة. هذا ربما سهل للدول الغنية وبعض الناشئة، لكنه صعب جدا للدول الفقيرة. في كل حال تتغير الفوائد كما السياسات الاقتصادية تبعا لما يجري في الأسواق الحقيقية والمالية. وظهر المصرف المركزي الأمريكي حائرا بين ترك الفائدة على ما هي أو تخفيضها جزئيا. واختار تخفيض ربع النقطة ليس عن قناعة، وانما مسايرة لشركات وول ستريت التي رغبت فيه. وتظهر المصارف المركزية الأخرى، وفي مقدمتها الأوروبي، حائرة أيضا في شأن سياساتها لتضارب العوامل المؤثرة.

اذا كانت أمريكا راضية وموافقة على سقوط دولارها، فلا شيء يدل على رغبة البريطانيين والأوروبيين في ارتفاع نقديهما الى حدود غير مسبوقة وربما مضرة بهما، فوظيفة المصرف المركزي الأساسية هي ضرب التضخم وليس تجنب الركود، من هنا يظهر القرار الأمريكي الأخير مفاجئا. في كل حال، من الممكن أن تدخل الولايات المتحدة في ركود مضر ليس بها فقط وانما بالاقتصاد العالمي. للركود مساوئ معروفة خصوصاً على أسواق العمل، انما له حسنات تتلخص في تنظيف الأسواق من العوامل المضرة وغير الفاعلة كما توقع الاقتصادي جوزيف شومبيتر منذ عقود. من فوائد الركود تخليص الاقتصاد من التضخمات الاصطناعية في المؤشرات المالية والاقتصادية والاجتماعية، فيعيد له بعض توازناته.

هنالك مخاطر اقتصادية كبرى تحيط بلبنان والمنطقة العربية، فارتفاع أسعار النفط مفيد مباشرة للدول المنتجة وبشكل غير مباشر للدول الأخرى. وهنالك جانب سلبي للطفرة النفطية وهو تباطؤ أو تأجيل الاصلاحات الضرورية، فترتفع درجة الاتكالية على المورد الطبيعي الرئيسي وتخف الاستثمارات في القطاعات الأخرى. وتراجعت نسبة التجارة الدولية لدول المنطقة والاستثمارات فيها من المجموع العالمي، لتصل الى نصف ما كانت عليه منذ 25 سنة. هذه مؤشرات خطيرة متراجعة وتدل على ضعف ثقة المستثمر العالمي بمنطقتنا. وتستفيد الدول العربية غير النفطية من تحويلات المواطنين العاملين في الخارج بما فيها داخل الدول النفطية. وتستوعب الدول النفطية العربية مثلا عمالة عربية وآسيوية كبيرة تساهم في نهضتها وتحول مليارات الدولارات الى الدول الأم.

في الاحصاءات الدولية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، يتبين أن المواطنين الهنود هم في طليعة المحولين للهند. وارتفعت تحويلاتهم السنوية من 11 مليار دولار في سنة 1996 الى حوالي 24 مليارا في سنة 2005. أما المكسيكيون العاملون خصوصا في الولايات المتحدة، فحولوا 4 مليارات دولار في سنة 1996 وأكثر من 20 مليارا في سنة 2005. بعد الهنود والمكسيكيين ولسنة ،2005 بلغت التحويلات الى دول المنشأ حوالي 5 مليارات دولار لكل من المصريين والإسبان والصينيين و5،4 مليار للمغاربة والباكستانيين. لا شك أن الجاليات اللبنانية تساهم مباشرة في نهضة لبنان، وقدرت تحويلاتها بما يقارب 6 مليارات دولار لهذه السنة. تفيد الهجرة للعمل كثيرا الدول المصدرة كما المضيفة.

هنالك حوالي 120 مليون شخص أو 2 % من مجموع سكان العالم يعيشون في دول لم يولدوا فيها (توجه الثلثان الى الولايات المتحدة وكندا واستراليا بسبب فرص العمل وحسن المعاملة النسبية). حوالي 9% من سكان النمسا و6% من سكان فرنسا و9% من سكان ألمانيا لم يولدوا فيها. تتنوع أسباب الهجرة من سياسية الى معيشية واجتماعية، فتدفع الانسان الى العيش في مجتمعات لا يعرفها وربما لا يتكلم لغتها ولا يفهم تقاليدها وعاداتها. كان اللبنانيون من أبرز الشعوب التي غادرت أرضها للعمل في دول الاغتراب، وكان النجاح حليف معظمهم. تعطي الهجرة الأمل والفرصة للانسان كي يحسن أوضاعه ويعيش بكرامة وبحبوحة. ووجود ما يعرف بالتنافس بين الحضارات عقد امكانية الهجرة بسبب حاجة المجموعات المختلفة للحفاظ على هويتها وحضارتها وأمنها. في كل حال، لا غنى عن الهجرة الشرعية وغير الشرعية، اذ لا يمكن تحديد طموحات الانسان بالقوانين والمعوقات مهما بلغت قساوتها. الهجرة هي في الأخير عملية عرض وطلب، وطالما وجد الطلب كان العرض وهذا ما يحصل في كل دول العالم وفي مقدمتها الولايات المتحدة.

الأزمة اللبنانية الحالية معروفة في خصائصها ونتائجها ومصدرها سياسي بامتياز. ينشغل اللبنانيون كثيرا بالهم السياسي الذي يؤثر سلبا في انتاجيتهم وتنافسيتهم في الاقتصاد الدولي، فالسياسة تؤثر سلبا في الأعصاب وتزيد من مستوى القلق وربما الخوف. ويحتاج لبنان بعد الاستحقاق الرئاسي الى العودة الى المجتمع الدولي الحضاري المتطور والمنتج. ونعيش في لبنان منذ شهور في جو شجار سياسي حول النصاب الرئاسي وإمكانية تعديل الدستور وحول علاقة لبنان بدول الجوار وخصوصاً سوريا. ولا شك أن العالم تعب من هذا الشجار ويريد للبنانيين أن يتوصلوا الى اتفاق يسمح لهم بالعودة الى الحياة الهنيئة الطبيعية. وبالاضافة الى الاستثمار في البنية التحتية والعمل بجهد لوضع حلول في شأن عجز الموازنة وتراكم الدين العام، لا بد لنا من أن نهتم بالبيئة المتضررة كثيرا بسبب الاهمال وسوء التصرف وعدم صيانة البنية التحتية.

الموضوع الثاني الذي يجب أن نهتم به في لبنان هي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل الركن الأساسي للاقتصاد. تعتبر هذه المؤسسات متعثرة اليوم لصعوبة التمويل وتكلفته ولضيق السوق وضعف القوة الشرائية الداخلية ولحرارة المنافسة الدولية. ولا تستطيع هذه المؤسسات النمو في ظروف التشنج التي نعيش فيها. الجو السياسي الحاصل اليوم يقتل عزيمة المؤسسات ورغبتها في التجديد والتغيير. ومن المعروف أن المصارف تتعاون خصوصاً مع المؤسسات الكبيرة والأشخاص الميسورين وهم أقلية، لكنهم يملكون أكثرية الودائع ويشكلون الثقل الاقراضي لها. فمن يهتم اذاً بالمؤسسات المتوسطة. خصوصاً الصغيرة؟ اذ تبقى البرامج والمؤسسات الحالية وفي طليعتها ldquo;كفالاتrdquo; غير كافية. ويجب على الحكومة المقبلة أن تبذل جهدها لتعزيز دور هذه المؤسسات كي تنتعش، فهي لا تطلب الكثير، انما ما يساعدها على تخفيض التكلفة المرتفعة للانتاج من وثم التصدير. ويجب على لبنان ldquo;المدولرrdquo; أن يستفيد من سقوط الدولار، أقله للتصدير. ومن غير المقبول أن نتحمل فقط سيئات الدولرة ولا نستفيد من حسناتها. ولا شك أن موضوعي البيئة والمؤسسات سيشكلان قلب البيان الوزاري للحكومة المقبلة.

كاتب اقتصادي لبناني