قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قبل عامين ونصف عام اندلعت فضيحة مدوّية أثارها تسريب أوراق بنما، وبرزت إلى الواجهة شركة المحاماة "موساك فونسيكا" التي كانت تتمتع بحصانة هائلة أوحت بأنها غير قابلة للاختراق.

إيلاف: أربعة عقود من التهرب الضريبي وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، تشمل ما يقارب 8 ترليونات دولار، ويتورط فيها قادة دول لصوص سابقين من روبرت موغابي، مرورًا بمعمّر القذافي وبشار الأسد وبوتين ومشاهير من عالم الرياضة، وحتى أعضاء من لجنة النزاهة التابعة لفيفا.&

ما يزيد على 11 مليون وثيقة في أكبر عملية تسريب أو اختراق لقلعة موساك فونسيكا الحصينة، كانت وصفت بأنها خصوصية مضادة للرصاص، أي مستحيلة الاختراق. وهذا هو التسريب الأضخم الذي شهده العالم بعد تسريبات ويكيليكس قبل 8 أعوام.&

كان متوقعًا أن يأتي النفي من موسكو، والتنصل والتهرب من حكام أوكرانيا وآذربيجان وغيرها، وهذا رد فعل طبيعي من كل متورط في سرقة أموال الشعوب. النفي الروسي يذكرنا بأيام الحرب الباردة عندما كان طغاة العالم الثالث يضعون اللوم لكل صغيرة وكبيرة على الاستعمار. ويفعلون ذلك الآن، ويسمونها بالمؤامرة الغربية، علمًا أن الغرب نفسه كشف الفضيحة.

من المتورطين بامتياز حتى العنق الرئيس السوري، بشار الأسد، حيث تناولت التقارير سرقة ثروات البلاد. وأشارت التقارير إلى حافظ مخلوف، ابن خال الأسد، الذي يسيطر على استثماراتٍ في قطاعات البترول والاتصالات وغيرها من الاحتكارات.

تعريف صندوق النقد الدولي لغسل الأموال
غسل الأموال هو عملية يتم من خلالها إخفاء المصدر غير المشروع للأصول التي يتم الحصول عليها أو تحقيقها من نشاط إجرامي، وذلك لحجب الرابط بين الأموال والنشاط الإجرامي الأصلي.&

ينطوي تمويل الإرهاب على جمع ومعالجة الأصول لإمداد الإرهابيين بالموارد اللازمة لممارسة أنشطتهم. وبينما تختلف هاتان الظاهرتين من جوانب عدة، إلا أنهما غالبًا ما تستغلان مواطن الضعف نفسها في النظم المالية التي تسمح بمستوى غير ملائم من إخفاء الهوية وعدم الشفافية في تنفيذ المعاملات المالية.

مصرف دانسك الدنماركي
في أوائل أكتوبر 2018 تناول الإعلام الغربي تطور جديد يفضح عمليات غسل أموال على نطاق واسع، وتعتبر من أكبر الفضائح في تاريخ غسل الأموال.&

ذكرت "فايننشال تايمز" البريطانية أن جهات روسية وآخرين من دول تنتمي إلى حقبة الاتحاد السوفياتي قامت بتحريك 200 بليون أو مليار يورو منذ 2007، ومن خلال فرع صغير لمصرف دانسك الدنماركي في أستونيا، إحدى دول بحر البلطيق.

وفي عام 2015 كشف مصرف دويتشه الألماني، أحد أهم مصارف المقاصة الذي يقوم بتسوية حسابات الدولار من مصارف أستونيا، كشف عن هويات 10 زبائن يتعاملون مع مصرف دانسك ومتورطين في تصرفات مشبوهة.

تبيّن أن مصرفًا أوروبيًا متوسط الحجم يلعب دور خط الأنابيب لتدفق أموال ضخمة مصدرها روسيا وآذربيجان ولاتفيا. بدأت متاعب مصرف دانسك الدنماركي بعدما استحوذ على مصرف سامبو الفنلندي عام 2007، وهو ثالث أكبر مجموعة مصرفية في فنلندا. عملاء سامبو كانوا يتعاملون بأموال مشبوهة، حسب تحذيرات البنك المركزي الروسي في موسكو.

فرع دانسك الصغير في أستونيا كان يمثل فقط 0.50% من موجودات وأصول دانسك الدنماركي، والذي تعرّض لهزات كبيرة أثناء الأزمة المصرفية عام 2008.&

بحلول 2013 تدفق أكثر من 32 مليار يورو من خلال فرع دانسك في أستونيا ومن حسابات أشخاص غير مقيمين. وقرر "جي بي مورغان" مصرف المقاصة الآخر بجانب دويتشه الألماني الانسحاب من أستونيا. ولم تنتبه السلطات الرقابية إلى هذه الخطوة التي كان من المفروض أن تدق نواقيس الخطر، وكانت تحذيرًا قويًا بأن هناك خللًا كبيرًا في الأجواء المصرفية.

الإيميل الذي غيّر كل شيء
في نهاية 2013 أرسل رئيس قسم التسويق في بنك دانسك في أستونيا هوارد ويلكينسون رسالة الكترونية (إيميل) إلى رؤساء المصرف بعنوان: تبليغ بفضيحة عن نشاطات غير قانونية في فرع مصرف دانسك في أستونيا. ويلكينسون نفخ الصافرة لكشف الفساد.

أشار في الإيميل إلى شركة بريطانية تدعى لانتانا للتجارة المحدودة، وفتحت هذه الشركة حسابًا في فرع دانسك في أستونيا، وكأن لندن لا يوجد فيها ما يكفي من مصارف وبنوك من شتى أنحاء العالم.

كما يبدو لم يكن فرع مصرف دانسك على علم بهوية المالكين الذين خلف شركة لانتانا. لكن التدقيقات كشفت في ما بعد أن كيانات روسية لها مصلحة وارتباط بهذه الشركة، وتشمل عائلة فلادمير بوتين وجهاز الاستخبارات الروسي الفيدرالي FSB، حسب مصادر فايننشال تايمز FT4-10-2018.

نفى الكرملين وجود أي ارتباط. وفي أواخر 2015 أغلق المصرف وحدة حسابات غير المقيمين. وفي ربيع 2017 نشرت صحيفة بيرلنغسكي الدنماركية سلسلة من المقالات عن الفضيحة. الأمر الذي أجبر المصرف على التحقيق، وتم تعيين شركة محاماة للتحقيق في الأمر. وقدمت الشركة القانونية تقريرها في سبتمبر 2018، لكن التقرير ترك العديد من الأسئلة بدون إجابات.&

لا أحد يعرف أين انتهت معظم المبالغ التي تقدر قيمتها بـ 200 مليار يورو، ومن أين أتت بالضبط.. يشير التقرير إلى فضائح متورط فيها المصرف. منها غسل الأموال الروسية والآذربيجانية وعمليات الاحتيال لتهريب الأموال من تلك البلدان. وكشف التقرير أن 42 موظف وعميل اعتبرهم مشبوهين من دون تسميتهم.

هناك من يعتقد أن معظم الأموال تستعمل في شراء يخوت وشقق فاخرة في موناكو ونيويورك وعقارات فاخرة في لندن.

من جهتها فتحت وكالة تحقيق الجرائم في بريطانيا NCA National Crime Agency تحقيقًا يخص إحدى الشركات المحدودة البريطانية التي تتعامل مع مصرف دانسك في أستونيا. والتحقيقات الآن جارية في الدنمارك وبريطانيا وسويسرا وفنلندا.

تقول فايننشال تايمز إن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق هيئات الرقابة الدنماركية التي فشلت في اكتشاف التعاملات المشبوهة وأخذ الإجراءات المناسبة لإيقافها. والخوف الأكبر الآن هو أن يتعرّض دانسك لمساءلة قانونية في الولايات المتحدة.

في عام 2012 تم تغريم HSBC (إتش إس بي سي) & البريطاني 1.9 مليار دولار بتهمة غسل أموال مخدرات بقيمة 881 مليون دولار، وقد يتم تغريم دانسك 8 مليارات دولار إذ ثبتت القضية ضدهم في المحاكم الأميركية.

موازيًا لما سبق كشفت فايننشال تايمز في تقرير صدر في أوائل هذا الشهر أن المافيا الروسية أو عملاء البنك من أثرياء روسيا استغلوا حيلة ذكية في تجارة أسواق الصرف يطلق عليها "ميرور تريدز"، لتنفيذ صفقات بلغت قيمتها 8.5 مليارات يورو.&

هذه الحيلة الذكية هي عبارة عن محاكاة المضاربين المهرة في أسواق تجارة العملات. وبموجب هذه الحيلة، يقوم أثرياء روسيا وشخصيات نافذة بتحويل ثرواتهم من الروبل إلى العملات الأجنبية، حيث يستخدم وسطاء مجهولون لدى مصرف "دانسك" سندات سيادية روسية لتسديد دفعات دولية بطريقة رخيصة ومضمونة وسريعة.

إلا أن مشاكل دانسك لم تنته بعد، والفضيحة لا تزال تزداد ضخامة. استقال توماس بورغين الرئيس التنفيذي لمصرف دانسك إثر التحقيقات التي كشفت عن فضيحة غسل أموال بقيمة 200 مليار يورو (230 مليار دولار).
&