دبي: "لعل أبرز التطورات الحالية التي تشير إلى إمكانية قيام أزمة اقتصادية عالمية في السنوات المقبلة هي تفاقم الحروب التجارية والفقاعات المالية والمخاطر الأمنية السيبرانية والاضطرابات الاجتماعية وتصاعد النزعات الشعبوية والحمائية الدولية".

هذا ما قاله الخبير الاقتصادي العالمي الدكتور فيكرام مانشاراماني، المحاضر بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب "بومبستولوجي: اكتشاف الفقاعات المالية قبل انفجارها"، في جلسة بعنوان "هل العالم مقبل على أزمة اقتصادية عالمية؟"، ضمن أعمال الدورة الثانية عشرة من "المنتدى الاستراتيجي العربي" الذي تستضيفه دبي لاستشراف التوجّهات الدولية التي سيشهدها العالم في العقد القادم.

وقال مانشاراماني: "مع تداخل المتغيرات، لا يمكن تحديد موعداً معيناً لقيام الأزمة، ولكن التطورات والمؤشرات الحالية تؤكد قرب قيامها خلال السنوات الثلاث القادمة".

واعتبر مانشاراماني أن جذور تلك التطورات تعود إلى تزايد الإنتاج وغلَبَة العرض على الطلب في الصين، ما أدى إلى إغراق العالم ببضائع تفوق الطلب بكثير، بالإضافة إلى اعتماد التكنولوجيات الحديثة وتقنيات الطاقة البديلة على مستوى العالم وإنتاجها بما يفوق الاستهلاك الحقيقي، مؤكداً أن تزايد الإنتاج على نحو يفوق الطلب وإغراق الأسواق بالبضائع يعد أحد الأثار السلبية التي نتجت عن الاستخدام غير الرشيد للتقنيات الحديثة في الصناعة، وأضاف أن تلك العوامل تفاقُم التزايد السكاني وتشجع انتقال السكان إلى المناطق الحضرية، كما ترفع معدلات الشيخوخة التي تترك أثرها على أنماط الاستهلاك ومعدلات التوظيف وتشكل ضغطاً ديموغرافياً وكلفة اقتصادية أكبر.

وأشار إلى أن عالمنا اليوم يعاني من أزمة عدم تكافؤ، كالتفاوت الكبير في العرض والطلب في الأسواق، واتساع فجوة المستويات الاجتماعية والمعيشية، ما أدى إلى اختلاف ردود الفعل الناجمة عن انحسار العائدات الاقتصادية عن بعض الدول والأفراد، وهو بدوره يخلق بيئة مواتية لانتشار الشعبوية والنزعات القومية والنزاعات السياسية، التي تدفع بالناس إلى الشوارع. وأشار إلى أن التوجهات الطائفية وسياسات الانكفاء على الذات بأشكالها المختلفة تترك أثراً كبيراً على المنظومة التجارية العالمية والديناميكيات الاقتصادية حول العالم.

وعدّد مانشاراماني المؤشرات التي تبرهن على احتمالية قيام أزمة اقتصادية عالمية خلال السنوات القادمة بحسب رأيه، واعتبر أن أبرزها هو تباطؤ الاقتصاد الصيني والديون المتراكمة التي تثقل كاهله، وأفاد بأن الديون الصينية المعدومة وصلت إلى وصلت إلى 600 مليار يوان عام 2017.

كما تحدث عن مؤشر ثقة المستهلك الأمريكي، الذي يعتمد 70% من اقتصاد الولايات المتحدة عليه، وأفاد بأن وجود ثقة عالية جداً لدى المستهلك، بما لا يتوافق مع الواقع، قد تؤدي إلى إنفاق أموال لا يملكها هذا المستهلك، ما يمثل مخاطرة بحدوث فقاعات مالية وديون لا يمكن سدادها.

وكذلك تؤدي السياسات الاقتصادية والمالية القائمة إلى أزمة ثقة وشلل في مجالس إدارة الشركات الاستثمارية الكبرى نظراً لعدم القدرة على التنبؤ بإمكانية تحقيق عوائد استثمارية، مما يدفع بتلك الشركات إلى تكديس استثماراتها في مجالات معينة دون الأخرى وانحسار التنويع الاقتصادي، أو الإحجام عن الاستثمار خوفاً من المخاطرة برؤوس الأموال.

واعتبر مانشاراماني أن النمو الديموغرافي يشكل قنبلة موقوتة ستؤثر بقوة على اقتصادات عدة، وضرب مثالاً على الهند التي يزيد نموها السكاني بعدد 1800 نسمة في الساعة، ما يشكل عبئاً على الاقتصاد وأسواق العمل، خاصةً وأن العمالة غير مؤهلة للتكيف مع التطورات التكنولوجية حول العالم.

قطبان

وتطرق مانشاراماني إلى احتمالية انقسام العالم إلى معسكرين نظراً للحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة. وقال إن شركات الإمداد تعمل على تغيير مساراتها كي لا تكتفي بالعلاقات التجارية مع إحدى الدولتين حرصاً على عدم خسارة أحد الشريكين الاستراتيجيين.

وأفاد مانشاراماني إلى أن تطورات تلك الحرب التجارية، وإمكانية مُسائَلة الولايات المتحدة لشركائها الاستراتيجيين عن علاقاتهم مع الصين، هي مسألة وقت. ولأن تلك الحرب التجارية تعتمد بقوة على الانتخابات القادمة في الولايات المتحدة الأمريكية نظراً لتوجه ترمب نحو التغلب على النموذج الاقتصادي الصيني ومحاربة نفوذها، نصح مانشاراماني ببدء التفكير في اعتبارات الانضمام إلى أحد القطبين أو التزام الحيادية بحسب أوضاع كل دولة، مشيراً إلى أن بقاء اقتصاد الولايات المتحدة قوياً، واحتمالية وجود منافس غير متكافئ مع ترمب في الانتخابات القادمة، يرفع احتمالات إعادة انتخابه وبقاء نزعة الحمائية القائمة بين الدولتين. مؤكداً على أهمية التزام الدول بالحيادية في هذا الشأن متى أمكن.

عقد كامل

وتتميز الدورة الثانية عشرة من المنتدى الاستراتيجي العربي عن سابقاتها لكونها تستشرف هذا العام عقداً كاملاً من الزمن تحت عنوان "استشراف العقد القادم 2020 -2030" لاستقراء التوجهات العالمية المستقبلية على مدى عشرة أعوام قادمة وتقييم تأثيراتها المحتملة على المشهد الجيوسياسي الدولي وانعكاساتها على سياسات واقتصادات الدول ومستقبل الشعوب.

خطط للمستقبل

ويستمر المنتدى في دورته الثانية عشرة على التوالي في جمع الخبراء الاستراتيجيين من مختلف التخصصات والخلفيات ضمن منصة واحدة في دبي للمساهمة في تقديم رؤى استراتيجية وتوصيات واقتراحات مبنية على المعطيات والأرقام والتحليلات لتصور مستقبل العالم اقتصادياً وسياسياً والمساعدة على وضع خطط عملية تلتزم الواقعية والمرونة وتؤهل صنّاع القرار والمجتمعات البشرية للتعامل بإيجابية مع القضايا الملحّة على المستويات المحلية والدولية.