أحمدعبد المنعم

في شارع هادئ يكاد يخلو من حركة وبجوار عمود انارة تقف امرأة ممشوقة القوام ترتدي ثياب تكشف أكثر مما تستر من جسدها الذي أخذت في ابراز مفاتنه بدلال لجذب قائد سيارة أو سعيد الحظ الذي قادته قدماه للمرور في هذا الشارع ..

وبعد أن يقترب منها تسحب سيجارة من حقيبة يدها وتهمس في أذنه بأن يشعل لها السيجارة .. وقبل أن يلبي مطلبها يكونا قد اتفقا على قضاء ليلة حمراء في شقته أو شقتها .. فالأمر بالنسبة لها سيان طالما ستحصل على المقابل ..

تلك الصورة التقليدية التي قدمتها السينما المصرية لفتاة الليل تكاد تكون اختفت من شوارع القاهرة .. فالشوارع لم تعد بالهدوء الذي يسمح باستقبالهن , كما أن مرور الزمان قد أضفى بلا شك نماذج من فتيات الليل تختلف عن ذلك النموذج التقليدي .

ليس الجمال وحلاوة المظهر وحدهما ما يميزهن ولكن المستوى الاجتماعى ودرجة الطموح هما اللاعبان الأساسيان اللذين يحددان ما اذا كانت الفتاة ستدخل عالم الثراء من أوسع أبوابه أم ستظل تحلم بتوفير ايجار المسكن وشراء ما تحتاجه من ملابس ومأكولات وعليها ادخار ما تبقى من جنيهات علها تتعرض لوعكة صحية تمنعها من ممارسة مهنتها فتنفق من تلك الجنيهات لحين عودتها الى العمل .

تقصد فتيات الليل الأكثر طموحا الفنادق والملاهى الليلية الفخمة فى تجمعات لا تقل عن اثنتين ولا تزيد عن أربع حيث يجلسن جميعا بعد أن يبذلن قصارى جهدهن لاظهار الأناقة والثراء الفاحش الذى ينعمن به .. في هذه الحالة يجب أن يتم التعارف مع الصيد الذي وقع في شباكهن بشكل يبدو تلقائيا قدر الامكان , فكلما بدا كذلك كلما زادت فرص خداعه وبالتالي الحصول على أكبر قدر من المكاسب منه بينما لن يكون ذلك متاحا لهن فى حال ظهرن أمام الصيد بوجوههن الحقيقية .. فحينها لن يكون المكسب مجديا بالنسبة لهن مهما بلغت قيمته .

فأسلوب عمل هذا النوع من فتيات الليل يعتمد بالأساس على ابهار الشخصية التي تقع في شباكهن ومحاولة الاستفادة منه قدر الامكان قبل أن ينال بغيته منهن لأنهن بحكم ما يتمتعن يه من خبرة يدركن جيدا أن الرجل يسرف في الانفاق سعيا للحصول على جسد المرأة .. وعندما يصل الى ما يريد يقل انفاقه شيئا فشيئا حتى يتوقف تماما .

اساليب متعددة تتبعها هذه النماذج من الفتيات ليجمعن من خلالها مكاسب مادية كبيرة خاصة وأن زبائنهن من الأثرياء الذين ينفقون بسخاء على ملذاتهم حيث تطلب الفتاه بوضوح هدية مرتفعة القيمة كأن تكون مصوغات ذهبية أو سيارة وربما تطلب مبالغ مالية بحجة أنها تعاني مشكلة ما وتحتاج الى تلك المبالغ .. كلها طرق متعددة ولكنها فى النهاية تؤدى الى نتيجة واحدة .

وبالطبع لا تستمر العلاقة أكثر من بضعة أشهر لأن عليها البحث عن صيد جديد خاصة وأنه كلما مر الوقت على العلاقة قل انفاق الرجل .

بالطبع أعداد هذا النوذج من فتيات الليل ليست بالكثيرة , فهن صفوة فتيات الليل - اذا جاز التعبير _ والانضمام الى قائمتهن ليس بالأمر الهين , فهن فى الغالب قد حصلن على قدر من التعليم يمكنهن من الحديث باحدى اللغات الأجنبية اذا تطلب الأمر ويملكن قدرا معقولا من المال للظهور فى صورة الفتاة الثرية اضافة الى تمتعهن بسمات شخصية خاصة جدا , هذا بالطبع الى جانب القدر الهائل من الجمال الذى يحظين به .

أما الطبقة الوسطى في مجتمع فتيات الليل فيمثلن الغالبية العظمى فى تلك المهنة , وهن أكثر جرأة ووضوح من النوذج السابق حيث يجلسن فى المطاعم والملاهي والمراكز التجارية وهى أماكن يقصدها فقط الشباب أو متوسطي الدخل وعادة ما يتم الاتفاق بين الطرفين بشكل مباشر دون أن يحتاج الرجل الى التمهيد أو بذل مجهود اضافي للوصول الى ما يصبو اليه .. وغالبا ما يبدأ السعر من مائة جنيه (20 دولار) ولا يزيد عن خمسمائة جنيه لليلة الواحدة التى يقضيانها فى مكان يوفره الرجل لأن توفير الفتاة لمكان اللقاء يعني باختصار مضاعفة السعر , وفى كثير من الأحيان يرفض الرجل فكرة أن تصطحبه الفتاة الى المكان لأنه بالتأكيد لا يضمن ما ينتظره هناك .

يبقى النموذج الثالث من فتيات الليل و سيجد المرء صعوبة فى التمييز بين ما إذا كن فتيات ليل أم متسولات .. فلا شيئ يفرق بينهما في المظهر أو الملبس وربما جمعن بين المهنتين فى وقت واحد .. فهى متسولة لحين اشعار آخر أو بتعبير أدق تحترف التسول فى الشوارع حتى تلتقى من يوفر عليها عناء يوم شاق من المرور على الملاهى والمحلات ويدفع لها ما قد تجمعه من هذا العناء مقابل أن تمنحه سدها المرهق من شدة الجوع .

هذا النموذج من فتيات الليل لا يطمح سوى في الحصول على بضعة جنيهات ينهين بها ما يشعرن به من ألم بسبب الجوع .. كما أن زبائنهن أيضا من الطلبة والعمال أو صغار الموظفين والذين يدفعون ذلك المبلغ البسيط فقط .. البعض وصف هذا النموذج الجديد من فتيات اللليل بأنه استجابة للظروف الاقتصادية السيئة التى يمر بها المجتمع المصرى ما أفرز هذا النموذج من الدعارة التى أطلق عليها دعارة محدودي الدخل !

فتيات الليل وان اتفقن فى بيع أجسادهن فهن يتدرجن فى المقابل الذى يحصلن عليه .. فهناك من جمع الثروات بينما لا تزال أخريات يحلمن فقط بالحصول على ما يكفي لشراء وجبة من الغذاء !