جويرية خالد : quot;الحكمة أن تعلم أنك لا تعلم شيئاquot; هكذا قال الحكيم اليوناني سقراط، لكن فارق كبير بين أن تعلم أنك لا تعلم شيئا تواضعا للعلم وأن تفعل ذلك ادعاء للسذاجة، قد يندهش البعض عندما يسمع تعبير ادعاء السذاجة، لكن الواقع أن هناك كثيرون يدعون السذاجة بالفعل، كأن تجد شخصا يسأل سؤالا يعرف إجابته مقدما لكنه يصر على ادعاء أنه لا يعرف الإجابة التي ربما لو فكر قليلا قبل أن يتحدث لوجدها مفصلة أمامه، والسذاجة هنا ليست إلا غطاء يكسي وجهه، لأن في باطن سؤاله خبث ودهاء .

قد تجد أحدهم يعلم عنك أمرا تكرهه لكنه يصر على سؤالك ويمثل السذاجة لإثارتك، وقد تجد إحداهن تعلم شيئا عن أخرى، كأنها لم تتزوج أو لم تنجب، لكنها تتعمد إثارة هذه المسألة.. هل هي ممارسة للسادية والتلذذ بإثارة الآخرين ؟ هذا التصرف ليس سوى نمط من التفكير موجود في مجتمعاتنا بوضوح يظن أن نجاحه هو إثارة الآخرين.

في قنواتنا الفضائية وخصوصا في الفقرات الدينية تأتي أسئلة مكررة ومعروف إجاباتها مسبقا، ونفس النوعية من الأسئلة نجدها في محاضراتنا الجامعية وفعالياتنا الثقافية عند حدوث حوار بين الجمهور والمنصة، حتى داخل منتدياتنا الالكترونية نفس الظاهرة.. أسئلة مغلفة بالسذاجة في باطنها خبث ودهاء. كثير من تلك الأسئلة توجه للدعاة والشيوخ من نوعية quot;ما مصير الفرقة الفلانية أو أصحاب المذهب العلاني؟quot;، أو quot;ما حكم التصرف في حالة كذا؟quot;، نفس هذا السلوك يوجه في الندوات والفعاليات الثقافيات لمثقفين أو أكاديميين، والإجابات تأتي بديهية، لكن صاحب السؤال يراهن على إجابة جديدة قد تثير مشكلة .

منذ أيام ذكر خبر عن فتيات كلية الآداب بالدمام أنهن يشكين من تدريس quot;نظرية داروينquot; عن تطور الإنسان على أساس أنها مخالفة للقرآن والسنة، هذه الشكوى المغلفة بالسذاجة والبراءة تحمل في طياتها محاولة لفت الانتباه، فإذا كان القرآن نفسه قد تحدث عن فكر أقوام كفروا وألحدوا، فما الضير أن نطلع على مثل تلك الأفكار؟، لقد أصبح هذا السلوك وتلك القضاياتمثل مادة مستهلكة جدا، حيث يجلس السائل وهو سعيد بما أثاره من جدل، رغم انه جدل لا يسفر عن نتائج، يثيره البعضفي المجالسعن قضايا دينية و شخصية، والبعض الآخر الاكثر اطلاعا يثير قضايا مجتمعية عن التعصب الديني والقبلية والوطنية والحريات..الخ، وأغلبها ثرثرة لم يسبقها تفكير.

متى نتوقف عن ثرثرة تضر ولانتفع؟ نحن في حاجة إلى إعادة تربية مرة أخرى نتدرب خلالها على كيفية المشاركة والحديث، بدلا من الاستعراض فقط .