خلفية رمادية اللون بها تدرجات للون الأسود تزداد كلما صعدنا بالبصر إلي أعلي. يمين المسرح ويساره متشابهان تماماً، بكل منهما مقعد صغير بلا ظهر ولا مساند - مميز إلي حد كبير - ربما لاختلاف مقاييسه وأبعاد أرجله أو ربما لاتخاذ قاعدته شكلاً غير الأشكال المتعارف عليها لمثل هذه المقاعد _ أو لأي سبب آخر مناسب.
في اللحظة نفسها يدخل من جانبي المسرح في وقت واحد شابان في نهاية العشرينات من عمريهما، لهما نفس الهيئة تقريباً والشكل والملبس الذي لا يتعدى أن يكون قميص أبيض بياقة كبيرة نسبياً، وبنطال أسود وحذاء أسود _ أو أي ملبس آخر علي ألا يكون ملفتاً.
قد يرتدي أحدهما نظارات طبية..إلخ _ وفي كل الأحوال يجب أن يتميزا بعدم لفت الانتباه بحيث تترك الفرصة لمن يشاهدهما في التعرف علي تفاصيلهما بعد فترة وعلي مراحل وليس للوهلة الأولي.
في الوقت نفسه وبعد أن يدخل الشابان (شاب 1 وشاب 2) يبدأ كل منهما في إجراء بعض المحاولات لتثبيت مقعده الذي يجده في انتظاره في أفضل الأوضاع للجلوس، كل من وجهة نظره الخاصة، وبعد هذه المحاولات يستقر كل منهما جالساً دون أن يدرك وجود الآخر، ويبدأ كل منهما بدوره في التلصص علي المكان من مقعده الخاص والتعرف علي الطبيعة المحيطة، وبما أنها طبيعة رمادية فلا يبدو عليهما أي انطباع مخالف لهذا اللون.
صوت عقارب ساعة (تك.. تك.. تك) مستمر، لا يصمت، فقط، يخفت بعد أن يتباطأ عندما يبدأ الحديث بين شاب (1) وشاب (2)، ثم يظهر من جديد عالياً ومستمراً.
تبدأ دقات الساعة في التصاعد في الخلفية خافتة.. تتصاعد تدريجياً ولا يؤثر ذلك علي الشابين في شئ.. تنتظم الدقات وتثبت عند حد معقول ليس صاخباً.. وتستمر كذلك لفترة.. يكون خلالها كل منهما قد اكتشف وجود الآخر علي الناحية الأخرى من خشبة المسرح وتلصصا قليلاً علي بعضهما البعض في محاولة استكشاف حيادية لم ينتج عنها شيء.
دقات ساعة مستمرة تخفت عند بداية الحوار، وبعد مضي جزء من المشهد القادم - تكون خلاله دقات الساعة باتت أمراً عادياً- تنقطع الدقات ليستعيض عنها الشابان بالدق علي خشبة المسرح بأقدامهما وفيما بعد يتبادلانها فيما بينهما بحيث يدق شاب1 بقدميه عندما يكون الحديث لشاب2 والعكس بالعكس.

سنفترض أن شاب1 هو الجالس في الناحية اليمني من خشبة المسرح، وبالتالي فإن شاب2 هو صاحب الناحية الأخرى.

شاب1: هيه.. أنت.. (يصفر بشفتيه للفت انتباه شاب2) نعم.. أنت.. أنت هناك..(يلتفت شاب2) هل تعرف لماذا أنا هنا؟
شاب2: لا.. (فترة صمت ترتفع فيها دقات الساعة.. ثم تخفت تدريجياً) هيه.. أنت.. (يصفر بشفتيه للفت انتباه شاب1) نعم.. أنت هناك.. (يلتفت شاب1 في حياد) هل تعرف أنت!؟
شاب1: أعرف ماذا!! آه.. لا.. (فترة صمت ترتفع فيها دقات الساعة.. ثم تخفت تدريجياً) هيه.. أنت (يصفر بشفتيه) نعم أنت.. أنت هناك- يلتفت شاب1 في حياد: هل أنت هنا منذ فترة طويلة!؟
شاب2: ربما!! ليست طويلة.. آ آ (يصمت)- ترتفع الدقات ثم تأخذ في الخفوت تدريجياً _ (يكرر محاولة لفت الانتباه) _ يلتفت شاب1 في حياد- منذ فترة طويلة وأنت موجود بهذا المكان!؟
شاب1: ليست طويلة.. أو أو ربما hellip; آآ hellip;hellip;hellip;hellip;................................................(يصمت)

تمتد فترة الصمت طويلاً.. ترتفع خلالها دقات الساعة ويقوم كل من شاب1 وشاب2 بإعادة محاولاتهما للوصول لوضع أكثر راحة لمقعديهما بتحريكه إلى الوراء وإلى الأمام واليمين واليسار، يحمل شاب1 مقعده من يمين المسرح ويذهب به حتى شاب2
وبعد وصوله يحمل شاب2 مقعده بدوره ويرحل به إلي مكان شاب1.. يجلسان.. يتنفس كل منهما بصوت مسموع علامة الارتياح، يتعرف كل منهما علي موقعه الجديد بعينيه فقط دون أن يتحرك من مكانه.
تصمت دقات الساعة.. تتلاقى عيناهما أثناء التعرف علي المكان.. يثبت كل منهما نظره في عيني الآخر برهة.. ينفجران في الضحك معاً.. فور انتهاء الضحك تبدأ دقات الساعة في الانطلاق من جديد.. ثم تخفت تدريجياً.

شاب2: (يمين المسرح هذه المرة.. وبحدة).. لماذا ضحكت الآن!!
شاب1: (يمط شفتيه ويحرك كتفيه).. لا أعرف علي وجه التحديد.. ربما.. آ.. آ.. ربما.. (يصمت وترتفع الدقات ثم تخفت).. ولكن لماذا ضحكت أنت!!
شاب2: لا.. لا لشيء محدد.. (يمط شفتيه ويهز كتفيه).. ولكن لماذا تجلس بعيداً هكذا!! (صمت تقطعه دقات الساعة).
شاب2: إنه أقرب مكان صادفني.. (يصمت فترتفع الدقات ثم تخفت) ولكنك أنت الذي تجلس بعيداً.. لماذا!؟
شاب1: (متردداً) إنه.. إنه.. أقرب مكان صادفني إذن.

فترة صمت طويلة نسبياً ترتفع خلالها دقات الساعة بشكل هستيري، ثم تصمت فجأة كأنها بُترت بسكين حادة فيحل محلها مباشرة دقات أقدام كل من شاب1 وشاب2 التي تتصاعد عالياً.. عالياً.. ويصاحبها تدريجياً تركيز شديد من كليهما مع حركة قدميه.. يقفان في أماكنهما ويواصلان الدق بأقدامهما في سرعة وجنون لفترة.. ثم يتوقفان عن الدق فجأة hellip;hellip;hellip; يجلسان.

شاب1:hellip;hellip;و لكن.. ما اسم هذا المكان.. (تبدأ دقات الساعة من جديد).
شاب2: لا أعرف.. (صمت.. ودقات الساعة) هل مر عليك اسم هذا المكان من قبل!!
شاب1: علي الإطلاق hellip;hellip;

فترة صمت تتعالى فيها دقات الساعة تدريجياً وتبدأ أضواء المسرح في الخفوت إلى الإظلام.
إضاءة تدريجية.. شاب1 وشاب2 كل منهما في مكانه الأخير.. فترة صمت تام.. أثناءها يمارس ش1 هواية عد أصابع كفيه، وش2 التطلع في الفراغ المحيط..

يتراجع صوت دقات الساعة..

من الجهة اليمني وبينما ش2 منشغل بممارسة هوايته يدخل المسرح رجل قصير بدين ذو بطن منتفخ وإليتين ساقطتين يجر خلفه عنوة طفلة صغيرة بحيث تبدو مرفوعة عن الأرض قليلاً والرجل قابض علي معصمها في قسوة، بينما تقاومه في ضراوة وشراسة قطة إلي أن يستقرا في وسط خشبة المسرح تكون قد أنهكت قواه.

الرجل في أواخر الأربعينات من عمره، والطفلة تبدو عليها ملامح براءة وعذوبة.

الرجل: (للطفلة.. بغلظة وقسوة ضاغطاً أسنانه)..أكرر عليك ثانية.. أيـ.. نَ.. خبـ hellip;hellip; أتِ العصفو.. ر (صائحاً وكأنه مدفع) أين خبأت العصفور؟!
الطفلة: (مرتعبة).. أنا لم أخبئ عصفوراً..
الرجل: (بصبر فارغ).. لقد خبأتِ العصفور.. وأنا أعرف ذلك.. أنت تريدين المراوغة.
الطفلة: وما هي تلك المرا hellip; وغة!!
الرجل: و كأنك بلهاء..
الطفلة: (وقد أفلتت ذراعها من قبضته) والله لا..(جارية في اتجاه شاب1) أنا لم أخبئ عصفوراً.. (تصل عند شاب1) قل له.. قل له إني بريئة.. أنا لم أخبئ عصفوراً.
شاب1: (في حياد تام) هـه..هل تعرفين لماذا أنا هنا!
الطفلة: (تجري نحو شاب2 في الناحية الأخرى من المسرح) قل له أنت.. قل له إني بريئة.. أنا لم أخبئ عصفوراً.
شاب 2: (للطفلة) هل تعرفين اسم هذا المكان يا طفلتي!!

يكون الرجل قد أمسك بذراعها ثانية في قسوة.. يجرها في عنف إلى منتصف خشبة المسرح.

الطفلة: (والرجل يسحبها خلفه) للشابين 1،2: قولا له.. قولا له إني بريئة..أنا لم أخبئ عصفوراً.
الرجل: لقد خبأتِ العصفور أيتها الشيطانة الصغيرة.. وستقولين الآن.. أين خبأته.
الطفلة: أنا لم أخبئ عصفوراً.. (تبكي) إنني لست شيطانة صغيرة..
شاب1: (يقوم من مكانه متجهاً نحو الرجل في منتصف المسرح في هدوء حتى أن الرجل يفاجأ بتواجده إلي جواره قرب أذنه).. هل تعرف يا سيدي.. لماذا أنا هنا؟
الرجل: (وقد فوجئ بوجود شاب1) يا وجه الكلب.. اغرب عن وجهي.
شاب1: (لا مبالاة).. ولكني أسألك عن اسم هذا المكان يا سيدي!
الرجل: (صائحاً) أغرب عن وجهي قلت لك.. أف.. إنك تشبه الممثل الفاشل.. ابتعد..
يتحرك شاب1 في هدوء نحو مكانه الأول.. بينما يتحرك شاب2 بدوره في اتجاه الرجل الذي مازال يهدد الطفلة ويتوعدها..
شاب2: (وقد أصبح قرب أذن الرجل تماماً) وأنا يا سيدي.. ألا تعرف لماذا أنا هنا!؟
الرجل: (يتفحص شاب2 باحتقار واضح.. ثم يشيح بوجهه عنه ويوجه كلامه للطفلة التي مازالت وكأنها معلقة في قبضته) لقد خبأ تيه.. هه.. دعك من هذه الحركات.. أين العصفور الآن.. هه _ متملقاً _ أعرف أنك طفلة وديعة.. مطيعة.. ومؤدبة أيضاً.. قولي لي إذن.. أين.. هو الآن.. (منفجراً).. أين خبأته!!
الطفلة: أنا لم أخبئ عصفوراً.. والله.. والله.. أنا بريئة.. لقد طار العصفور.. طار.. لكنني لم أخبئه..
الرجل: (وكأنه قد سمع لتوه أعجوبة) طار..(يقهقه) طار العصفور.. (ينفجر غاضباً) وهل تطير العصافير.. يا ملعونة (يضربها)
الطفلة: العصافير تطير
الرجل: (وقد أفلتها ليتمكن من ضربها بكلتا يديه من شدة غضبه) إنها تكرر.. العصافير تطير!!.. أيتها القردة.
الطفلة: (وقد تحررت فابتعدت عن مرمي ضربات يديه) أنا لست قردة (صائحة) والعصافير تطير.. (تجرى نحو شاب1not;.. تهزه بقدر قوتها) العصافير تطير يا سيدي.. أليس كذلك.. تطير العصافير (تجري نحو شاب2 الذي عاد إلى مقعده) تطير العصافير.. العصافير تطير.. أليس كذلك (تنهار باكية تحت قدميه) أليس كذلك يا سيدي.. أليس كذلك!؟
شاب2: يبدو أنك طفلة مؤدبة حقاً.. هل تعرفين.. هل تعرفين لماذا أنا هنا؟!
شاب1: (يتجه نحو الرجل الواقف مكانه وسط المسرح يتابع الطفلة).. قل لي يا سيدي.. هل أنت مخرج مسرحي!!
الرجل: (في غضب) لا (للطفلة) أيتها الملعونة (يتحرك نحوها) قولي لي الآن أين خبأتِ العصفور (منفجراً) سأقتلك.
شاب1: (ما زال يتبع الرجل) إذن كيف اكتشفت أنني ممثل فاشل!!
الطفلة: أنا لم أخبئ عصفوراً.. أنا لست ملعونة.. ولست قردة صغيرة.. والعصافير تطير (تفلت ذراعها من قبضة الرجل وتهرول مسرعة خارج المسرح، يخرج الرجل وراءها في محاولة للحاق بها)

شاب1 وشاب2 في مكانيهما.. فترة صمت طويلة تتخللها دقات الساعة مرتفعة.

شاب1: لقد اكتشف أنني ممثل فاشل.. هل تلاحظ أنت ذلك!!
شاب2: أنت تريد الــ.. ال.. المرا...... المراوغة.
شاب1: وما هي تلك المراوغة!!

(يصمتـــان.. دقات الساعة)

شاب1: المكان هنا ليس جميلاً...... أليس كذلك!؟
شاب2: بلي..

(يصمتـــان.. دقات الساعة)

شاب1: وبالتأكيد.. اسمه أيضاً ليس جميلاً.. ألا تري ذلك معي!!
شاب2: لا أعرف علي وجه التحديد.. (صمت تعلو فيه دقات الساعة).. لماذا تجلس بعيداً هكذا!!
شاب1: ربما كانت مصادفة ليس إلا.. (صمت تعلو فيه دقات الساعة) وأنت.. وأنت تجلس بعيداً أيضاً.. إنها المصادفة.. أليس كذلك!!
شاب2: لا.. إنه أقرب الأماكن لي.
شاب1: أتعتقد ذلك!! (يمط شفتيه في لا مبالاة)

(يصمتــــان.. دقات الساعة)

شاب1: هل مرَّ وقت طويل!؟
شاب2: لا أحمل ساعة معي.. (صمت تعلو فيه دقات الساعة).. وعلي كل حال.. لا أعرف.. أتعرف أنت!!
شاب1: أعرف ماذا!!
شاب2: لا شئ..

يدخل الرجل والطفلة تسوقه أمامها بعصا طويلة رفيعة تلهبه بها ضرباً كلما أتى بتصرف لا يروقها..

الرجل: (متوسلاً) لا تضربيني هكذا أمام الناس..
الطفلة: (بجفاف) طالما تخطئ.. فأنت تستحق الضرب (تضربه)
الرجل: سامحيني يا أمي.. لن أعود لمثل هذه الفعلة ثانية..
الطفلة: وكيف أضمن أنا ذلك!؟
الرجل: سأريك.. سأريك أين خبأتُ الـ.. ال.. العصفور..
الطفلة: (وهي تضربه بشدة).. إذن أنت الذي خبأ العصفور.. (تضربه)
الرجل: (متأوهاً) نعم.. آه آه.. نعم.. لقد طار مني.. فعاقبته.. وخبأته
الطفلة: (وهي تلهبه ضرباً) وهل تطير العصافير.. يا أحمق.. يا أحمق..
الرجل: أنا لست بأحمق يا أمي.. والعصافير تطير.. (يجري نحو شاب1) أليست العصافير تطير يا سيدي!!
شاب1: هل أنت مخرج مسرحي!!
الرجل: (يتركه ويهرول ناحية شاب2 مستنجداً به) العصافير تطير يا سيدي.. تطير العصافير.. أليس كذلك!!
شاب2:هل تخاف من هذه الطفلة!!
الرجل: (مذعوراً) إنها أمي يا سيدي.. العصافير تطير.. تطير العصافير.. قل لها ذلك.. العصافير تطير..
شاب2: ولكن.. ما اسم هذا المكان!!
الطفلة: (تكون قد وصلت إلى مكان الرجل وتعاود ضربه) سر أمامي.. أرني أين خبأت العصفور.. هيا.. أيها القبيح.
الرجل: (مذعوراً) أنا لم أخبئ عصفوراً.. لقد طار.. لقد طار مني..
الطفلة:مرة أخري، تكرر هذا الهراء.. وهل تطير العصافير (بعصبية شديدة)هل تطير العصافير أيها الغبي..
الرجل: أنا لست غبياً.. والعصافير تط.. تط..
الطفلة: (تقاطعه في انفعال) إياك وأن تكرر هذا (تلوح بالعصا مهددة)..إياك وأن تقول (تقلده بقرف): لقد طار مني.
الرجل: لا.. لا.. لقد.. لقد.. لقد خبأه هذا الشاب (مشيراً نحو شاب2) الجالس هناك.. (يتنفس الصعداء).. وهل تطير العصافير!!
الطفلة: (تذهب نحو شاب2) أين خبأت العصفور أيها الشاب!!
شاب2: عفواً.. هل تكلمينني!؟
الطفلة: (بصبر قارب الانتهاء) نعم.. أنت.. أين.. خبأت العصفور (تضغط علي مخارج الحروف بغيظ)
شاب2: أنا لم أر عصفوراً في حياتي.
الطفلة: (تتجه نحو الرجل في غضب.. تضربه) يقول أنه لم ير عصفوراً في حياته.. أيها الخنزير.. لقد خبأت العصفور (تضربه) لقد خبأته..
الرجل: (متحايلاً) إنه كاذب.. إنه كاذب.. نعم.. هل عناك من لم ير عصفوراً في حياته!!
الطفلة: (تعود لشاب2 في هدوء) إنك كاذب.. أليس كذلك!! هه.. قل أنك كاذب.. وسأسامحك علي الفور..
شاب2: هل أنا كاذب.. حقاً..!!
الرجل: (من مكانه بصوت مرتفع) نعم.. نعم كاذب.
شاب2: (لشاب1 علي الناحية الأخرى بصوت مرتفع) إنني كاذب.. هل تري أنت ذلك.. هه!!
شاب1: إن مظهرك لم يكن جيداً علي أية حال..
الطفلة: (بنفس الهدوء) قل إذن.. أين خبأت العصفور!!
شاب2: ربما أكون كاذباً.. لكنني لم أر عصفوراً من قبل..
الطفلة: (مرتابة) ومن في رأيك خبأ العصفور!؟
شاب2: لا أعرف علي وجه التحديد.. ولكن.. ولكن قولي لي.. هل تعرفين اسم هذا المكان!!
الطفلة: (تعود ناحية الرجل في عصبية واضحة) أيها الخائن.. إنه لم ير عصفوراً في حياته.. (تضربه).. قل لي الآن.. أين خبأته أنت!!
الرجل: (متلعثماً) أنا لست خائناً.. أنا.. أنا.. أنا لم أخبئ عصفوراً.. أنا.. أنا لم.. أنا لم أرّ عصفوراً.. في حياتي.. (يقولها ويطلق ساقيه للريح خارجاً من المسرح.. تجري الطفلة وراءه ملوحة بالعصا)

ترتفع دقات الساعة.. أكثر.. أكثر hellip;hellip;إظلام

إضاءة.. تعود دقات الساعة للتصاعد.. تسيطر علي المشهد القادم كاملاً

شاب1 وشاب2 في مكانيهما hellip; فترة صمت طويلة نسبياً يتطلع كل منهما فيما حوله.. وربما يقوم أحدهما بالتجول قليلاً حول مقعده _لا يتجاوزه

شاب2: (في فرح طفلي) هل رأيت!! hellip; إنني كاذب.. كاذب.. هل يبدو ذلك واضحاً عليّ!؟
شاب1: hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;(صامت)
شاب2: (مسترسلاً) هل صارحك أحد قبل ذلك بحقيقة أمرك.. وأخبرك أنك كاذب!!
شاب1:hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;(صامت)
شاب2: (يحدث نفسه بصوت مرتفع، ومن حين إلى آخر ينظر لصاحبه) إنه لشيء رائع حقاً أن تعرف شعور الناس تجاهك.. أليس كذلك!؟
شاب1:hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;(صامت)
شاب2: من هذا ال.. العصفور الذي يتحدثون عنه.. ألا تعرف!!
شاب1: (منشغل بنفسه إلى حد كبير، يدقق النظر في أطرافه، أصابعه، ركبتيه، حذائه hellip;hellip;) hellip;hellip;(صامت)
شاب2: لكنه اسم جميل.. (يتهجاه) عصــhellip;hellip;فــوhellip;ر hellip;عصفور أليس جميلاً هذا الاسم hellip;(منفعلاً) لابد وأنه ضخم.. ضخم هكذا (يشير بيديه) أو.. أو.. ربما صغير.. صغير هكذا (يعاود الإشارة) لابد وأنه رائع.. عصفور.. اسمه يدل علي ذلك.. عصــ..فـو.ر حروفه مرنة منغمة.. لها جرس متناسق.. لابد وأنني سأحبه..تخيل معي.. تخيل..
شاب1:hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;(لا يرد)
شاب2: لابد وأنه سيحبني هو الآخر.. علي كل حال.. أنا لن أبرح هذا المكان حتى أراه.. هل تجلس معي!؟
شاب1:hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;(لا يرد)
شاب2: لماذا لا تجيبني..(متأثراً) أأنت حزين لأنهم لم يقولوا أنك كاذب!!
شاب1:hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;(صامت)
شاب2: لا تحزن.. لا تحزن.. ربما يعودون.

فترة صمت طويلة.. تقطعها دقات الساعة.. شاب1 وشاب2 في مكانيهما وقد لاذ شاب2 بالصمت هو الآخر

تدخل الطفلة وحدها هذه المرة hellip; تكون قد كبرت إلي حد ما.. وظهرت عليها ملامح الأنوثة بشكل مثير

الطفلة: (لشاب1lrm; بدلال) كيف حالك أيها الشاب..
شاب1:hellip;hellip;hellip;hellip;ماذا!!
الطفلة: كيف حالك.. ألا تعرف..إنك وسيم جداً.. وسيم جداً أيها الشاب.. إنك حقاً تعجبني..
شاب1:hellip;hellip;hellip;hellip;ماذا!!
الطفلة: (بدلال) تعــ.. جــ.. بــ.. نــي.. تعجبني.. هل أطمع في أن تساعدني في البحث عن عصفوري؟
شاب1: (مندهشاً) hellip; عصفورك!! أنا لا أعرف ما هو العصفور..
الطفلة: معي ستراه.. ولكن ألا تري أنك وسيم للغاية..
شاب1: وما شأني بذلك!؟
الطفلة: (تمسح بيديها علي شعره وتمر بها علي أجزاء جسده) ألست تجلس هنا منذ زمن طويل!!
شاب1: لا أعرف علي وجه التحديد
الطفلة: أنا أعرف.. إنني أراك هنا منذ زمن بعيد.. ومع ذلك.. فأنت تجلس في المكان نفسه!!!
شاب1: حقاً!!.. آه.. بالمناسبة.. ما اسم هذا المكان!؟
الطفلة: (تدور حول نفسها راقصة بخفة hellip;hellip; لا ترد)
شاب1: طيب.. لماذا.. أنا هنا!!
الطفلة: (في دلال وهي ترقص).. عصفوري.. عصفوري يعرف كل هذا..
شاب1: وأين هو العصفور.. هذا.. أين!؟
الطفلة: (تتوقف عن الرقص.. تجذب شاب1 من يديه) تعال معي.. تعال معي لأريك إياه.. تعال معي لأريه لك.. تعال..
شاب1: (متردداً) لا.. لن أبرح هذا المكان..
الطفلة: (بخبث) ألا تريد أن تعرف أين أنت!!
شاب1: بلي
الطفلة: ألا تريد أن تعرف اسم هذا المكان!!
شاب1:بلي
الطفلة: (وهي تجذبه من مقعده) إذن تعال معي.. تعال.. فأنت تعجبني جداً..
شاب1: (يقوم معها فتطوق خصره بساعدها) إلي أين!!
الطفلة: (تحتضنه أكثر) لا تسأل.. إنك وسيم جداً وتعجبني.. ستذهب.. (بشبق) معي.. لنبحث عنه.. تعال معي فقط.. (تتحرك إلى الأمام وهي تطوقه وكأنها ترقص)هيا.. تعال hellip;

تخرج الطفلة من المسرح وشاب1 معها وما زال صوتها وهي تناغيه مسموعاً، يخفت شيئاً فشيئاً ليدل علي ابتعادهما عن المكان، يختفي الصوت، يجلس شاب2 وحيداً لبرهة، يدخل شاب3 الذي يقارب الشابين في الهيئة والسن يجلس مكان شاب1 الشاغر، وبعد قليل يدخل الرجل إلى المسرح.

الرجل: (لشاب2)أما زلت جالساً هنا أيها الشاب!!
شاب1: (وقد فوجئ به أمامه) هــه.. من!!.. المخرج المسرحي!!هل أنت فعلاً مخرج مسرحي!؟
الرجل: لا أيها الشاب
شاب2: إذن كيف اكتشفت أنني ممثل فاشل!!
الرجل: (لا مبالاة) مظهرك يدل علي ذلك..
شاب2: هل تري أنت ذلك!؟
الرجل: (متجاهلاً الحديث حول هذه النقطة).. إنني أبحث عن ابنتي.. ألم تمر من أمامك؟
شاب2: أظنها كانت هنا منذ قليل.. أخذت صديقي معها ورحلا.. دون أن يودعني حتى.. أتصدق.. دون أن يودعني..
الرجل: ولكن صديقك ما زال جالساً هناك في مكانه.. (يشير نحو شاب3 الجالس)
شاب2: آه.. تقصد هذا.. إنه لم.. أعني.. لم نصبح أصدقاء بعد.. ربما بعد قليل..
الرجل: وفي أي اتجاه رحلا؟
شاب2: من hellip;hellip;!؟
الرجل: ابنتي وصديقك..
شاب2: آه.. هه.. هكذا (مختلطاً عليه الأمر) هكذا (يشير بيديه عشوائياً) قالت إنه وسيم ويعجبها.. وقالت أيضاً إنها تريده أن يساعدها في البحث عن عصفورها.. وقالــhellip;hellip;
الرجل: (يقاطعه) لا بأس.. لا بأس.. فهي كلما وجدت عصفوراً..خبأته و.. ثم بحثت عنه..
شاب2: لكنها تقول أنه طار.. (مستدركاً) وأنت.. وأنت أيضاً قلت ذلك!!
الرجل: وهل تطير العصافير.. يا غبي.. (هامساً).. نحن.. نحن الذين نخبئها عندما نرغب في ذلك..
شاب2: آه.. أذكر أنك قلت شيئاً مثل هذا من قبل.. وهي أيضاً.. ولكن..و لكن (يهز كتفيه ويمط شفتيه) لا دخل لي بهذا.. لا دخل لي..(يصمت فجأة) hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;هل تعرف متي سيعود صديقي.. لقد بدأت.. لقد بدأت أفتقده hellip;
الرجل: (يبدو كمن كان مستغرقاً في تفكير عميق) هه.. إنك دائم السؤال وثرثار..لا أعرف (يستعد لمغادرة المكان)
شاب2: هل تضايقك أسئلتي؟
الرجل: (ملتفتاً بعد أن قطع مسافة).. هل تعرف أنك سخيف..
شاب2: هل تري أنت ذلك؟!

يخرج الرجل من المسرح وترتفع دقات الساعة بشكل رتيب لفترة وتأخذ بالتصاعد كالعادة ثم تخفت تدريجياَ.

تدخل الطفلة.. بطنها منتفخ أمامها.. تمشي كالحامل علي وشك الوضع..النشوة ظاهرة في عينيها ومشيتها.

الرجل: آه.. ها هي ابنتي عادت..
شاب2: إنها ليست ابنتك.. إنها واحدة أخري..
الرجل: (متجهاً نحو الطفلة) أين كنت.. أيتها العابثة؟
الطفلة: (في زهق قبل أن يلمسها الرجل) لقد أتعبني البحث عن العصفور هذه المرة.. فاصمت.. اصمت وإلا أحضرت لك العصا..
الرجل: (في رعب حقيقي) لا.. لا.. لا أريد العصا الآن.. (يتقوس ظهره تدريجياً.. يلتقط عصا من الأرض ويتوكأ عليه في وهن واضح) لابد أنه مازال أمامي بعض الوقت.. لابد.. لابد
شاب2: (يتجه ناحية الطفلة، يدور حولها وكأنه يحاول التأكد من كونها الطفلة نفسها التي رآها من قبل).. أين.. أين صديقي الذي رحل معك!؟
الطفلة: hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;(لا ترد)
شاب2: (يواصل الدوران حولها مشدوهاً).. متي يعود!؟
الطفلة: (تنظر نحو الرجل الذي يحاول المشي بمساعدة العصا.. وقد وهنت حركته وبدا ذابلاً hellip;hellip;hellip;hellip;ولا ترد)
شاب2: (ما زال يدور حول الطفلة) قلتِ أنك تحتاجين مساعدته في البحث عن عصفورك.. فهل وجدتيه.. (يواصل الدوران).. متي يعود!!
الطفلة: hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;hellip;(لا ترد)
شاب2: (يتجه نحو الرجل) هل تعرف أنت أيها العجوز.. هل تعرف أنت!؟
الرجل: (في وهن بالغ.. يحاول رغم ذلك الصراخ في وجه الشاب) أنا لست عجوزاً.. (يترنح ويسعل) لقد طار العصفور.. أنا لم أخبئه..لقد طار.. أنا لست عجوز..
الطفلة: (تلمح شاب3 فتحول نظراتها إليه).. لقد قال إنه قادم.. وأنا متأكدة أنه سيعود..
شاب2: صديقي الشاب.. أليس كذلك!!
الطفلة: لا.. عصفوري.. أقصد عصفوري..
شاب2: ألم تجديه.. هه.. إذن لم أخذت صديقي!! (يشرد قليلاً).. هل تعرفين.. هل تعرفين أنني لم أر عصفوراً من قبل!!
الطفلة: (تتوجه في شبق نحو شاب3 تدور حوله.. تتحسس رأسه ووجهه وجسده)
شاب2: ما شكل هذا العصفور.. أنا لا أعرفه
الطفلة: (وهي تدور حول شاب3)مع أنك تجلس هنا منذ وقت طويل..
شاب1: (يتخاذل جسده ويأخذ طريقه للعودة إلى مقعده القديم) لا أعرف علي وجه التحديد.. لكنني أشعر بالوهن.. والضعف علي كل حال
الطفلة: (تتحسس شاب3) صديقك أيضاً قال ذلك أخيراً..
شاب1: (وقد أستقر عل مقعده) hellip;hellip;hellip;hellip; هل سيعود!!
الطفلة: العصفور!! نعم.. نعم.. (لشاب3) هل تعرف.. هل تعرف إنك وسيم أيها الشاب.. إنك تعجبني حقاً هل أطمع في hellip;hellip;(يتحول حديثها إلي همس وإشارات باليد وهي تدور حول شاب3 وهي ترقص كالفراشة تتحسس بطنها المتكور بأصابعها وتأخذ كف شاب3 وتمررها علي جسدها في نشوة..

يتجه شاب1 إلي حيث يقف الرجل مرتعشاً.. يساعده حتى يجلسه في مكانه علي المقعد.. يخرج شاب1 من المسرح.
تجذب الطفلة شاب3 من يديه وهو يمانع ثم تطوق خصره بساعديها، بعد فترة يتراخى وتتراجع مقاومته تحت تأثير أنوثتها، يتراقصان معاً بشكل مثير بينما تضغط جسدها اللدن في صلابة عوده، تسحبه وتخرج به من المسرح.
يبقي الرجل وحيداً لفترة.. يدخل رجل2 وهو عجوز آخر يستند علي عصا يرتعش في مشيته وهو يسير حتى يجلس مكان شاب3 الذي رحل.
(تعلو دقات الساعة بشدة.. تتصاعد ويخبو معها الضوء تدريجياً.. إظلام.. وتبقي الدقات لفترة.... صمت.)

ستار