"محاولة للملمة بعض النثار"

هل الثقافي يكون –دائماً- نتاج سياق سياسي ؟ أم أن الأيدلوجيا هي التي تنتج وتلون العمل الثقافي؟ والى أي حد يستطيع الكاتب المسيس/المؤدلج أن يفلت بنصه من السيادلوجي ؟ برأينا انه لا يستطيع وان ادعى الحيادية والمراقبة المجردة للظواهر والمظاهر السياسيولوجية. تأسيساً على هذه التساؤلات، وعلى رأينا نحاول أن نقارب العمل القصصي الأخير للقاص الروائي " رجب أبوسرية" المسمى" نثار الروح والجسد " هذا العمل الذي نستطيع أن نضعه تحت مصطلح " التجريب السردي " الذي يغور في العمق من خلال السطح، ويمارس المكر الفني المحبب على العادي ليوصله إلى اللاعادي. وما هو غير العادي،من وجهة نظر الانسان العادي، في سيدة تقود سيارتها الفارهة، وفي ولد يحمل منديلاًمتسخاً يمسح به زجاج السيارة طمعاً في عطف تلك السيدة عليه بقليل من النقود، التي لا تعيره أي اهتمام بل انها تتظاهر بعدم رؤيتها له، وتتشاغل عنه بتمسيد فروة قطتها السيامية النظيفة ؟.
إن هذه القصة القصيرة جداً المعنونة ب" إشارة " والتي تنطوي على تورية ماكرةعميقة الدلالة، حيث إن المعنى القريب السطحي لها هو إشارة الضوء المرورية
المعروفة، أما المعنى البعيد العميق، هو ما يشير إليه ذلك الموقف بين السيدة المستعلية المترفة وبين الولد المتسول الرث، وقصة اشارة، في رأينا،هي ذروة سنام العمل القصصي كله، هي القطب وما يليها تفاصيل لها وتنويعات عليها. إن الكاتب هنا يعرض للطبقية في المجتمع، وهنا تتجلى أيدلوجية الكاتب التي لا نعرف إن كان ما زال عليها، أم أنها تسربت إليه من ماضٍ ليس بالبعيد، وهو يُدين، بدون فجاجة، المنطلقات السياسية التي أدت إلى الراهن السوداوي المقلوب، الذي كان موقف السيدة مع الولد أحد تجلياته الكثيرة المنتثرة في المجتمع وفي معظم قصص المجموعة ؛ ففي قصة " تاج " يدين الكاتب الواقع السياسي العربي، ومن ضمنه الفلسطيني بطبيعة الحال، المتخلف، رغم انه لم يكن موفقاً في تحميله الفتاة ذات الخمسة أعوام ما لا تحتمل. وفي قصة " حدث في يوم السبت " يدين الكاتب الاستلاب أمام الآخر وذوبان الهوية. وفي قصة " موعظة حسنة " ينتقد بشدة اليسار من خلال بعض مقولاته وتصوراته، ويستخف به/بهم. ولم يفت الكاتب أن يطلق سهامه على الحال الثقافية في بلادنا التي تتبع السياسة وتخدم السلطة ؛ فالمبدع الذي انتظر جائزته بكل براءة، ظناً منه بنزاهة القائمين عليها، والذي مات وهو ينتظر المستحيل، لم يكن من بنات خيال الكاتب، انه
أحمد عمر شاهين الذي حجبت عنه جائزة الترجمة، وهو من هو في عالم الترجمة والبحث والأدب، وبعد أن رحل الرجل وصارت عظامه مكاحل أعطيتالجائزة لذويه من باب رفع العتب والخوف من أقلام المخلصين، وهو الراحل محمد حمزة غنايم الذي لم يمنح جائزة فلسطين، رغم أنه كان مرشحاً بقوة، ولكن قوة الوثن المانح المانع كانت أكبر.وفيما بعد وتداركاً للموقف أرضته وزارة الثقافة،بطباعة كتابه " الغرائبي ".

الكاتب والموقف من السلطة والتسوية :

في كل قصص مجموعة " نثار الروح والجسد " يرجع القاص رجب أبو سرية ما أصاب المجتمع الفلسطيني من وهن وتردد وتفاوت وإحباط ولامبالاة وضياع، إلى السبب الرئيس وهو المنطلق السياسي الخاطئ المتمثل في اتفاقية "أوسلو"
المنقوصة الغير متوازنة، وهو بهذا يدين الساسة الذين صعدوا الجبل الباذخ سعياً وراء النسر في القمة الشماء، وإذ بهم يعودون بفأر هزيل. لقد انتقد الكاتبلسلطة بشدة " في قصة ضدان " لأنها تحاول أن تغطي عجزها بتدجين الشعب والابتعاد به عن التفكير في القضايا المصيرية الكبرى ؛ من خلال إلهائه بالمعيش اليومي فأنت لا تكاد تدخل أية مؤسسة حكومية الا وتسمع حديث الموظفين عن الدرجات والعلاوات والقهر الوظيفي والحسد الوظيفي …الخ. انه مكر الساسة ومكر السلطة في النظام الرسمي العربي المهتريء المتخلف سبب الهزيمة،الرجل العجوز الماجن العاجز الذي آن له أن يموت " قصة يوم الفرح والمأتم ".

" … حتى أنه تعرف إلى معنى الطرق الالتفافية، باعتبارها أطول الطرق، وأحياناً تكون أقصرها، قبل أن تأخذ شكلها ومعناها وحضورها على خرائط العراك السياسي بين المتخاصمين اللدودين، اللذين يحاولان أن يكونا جارين حسنين دون جدوى ! " هذه الفقرة من قصة " لباقة " ص27،28ومنها سأحاول استكناه موقف الكاتب من موضوع التسوية مع الآخر.
يوصّف الكاتب ما بيننا وبين الآخر ( الإسرائيلي) بأنه خصام والخصام كما نعرف هو أدنى درجات العداوة التي سرعان ما تزول وعادة ما تكون بين الأخوة والأقارب والجيران، وهو بتوصيفه هذا يوحي لنا بأنه يؤمن بإمكانية حدوث هذا التصالح يوماً ما، مع اعترافه بصعوبة حدوث ذلك الآن لأ سباب مختبئة خلف سطوره. وحتى لايفهم من كلامنا ونحن بصدد مقاربة عمل إبداعي مختلف ورائع لكاتب مثقف متميز، إننا ضد السلام والتعايش مع الآخر نقول: إننا مع السلام ولكن سلام الأنداد القائم على الحق وإرجاعه لأصحابه.


* نثار الروح والجسد مجموعة قصصية " رجب أبو سرية" منشورات اتحاد الكتاب الفلسطينيين 2005. قدم للمجموعة الكاتب الشامل خليل إبراهيم حسونة.
الغلاف للفنان : باسل المقوسي.