((غسلت إيدي من أحبابي ومليت))هكذا يناجي الصادح، حميّد، مضيفا لها بعضا من المصائب والطلايب والحسرات والأنين، هي شهقة نازفة راعفة يطلقها جبار عكار في السويحلي، وترنيمة حزينة باكية ينشدها أحدهم على طور النايل، وأنين ضاج بالعتابا. وهاهو ذا الحادي يوصي المكفن بجلد البز، خوفا على جثمان سلمان، أن تعبث به الضواري والأنواء والأوضاع والأحوال. حتى صار سلمان هذا مثار حسد، بعد أن راح الراثي يختار له الكفن، فيما تتقطع أوصال أشقائه اليوم من دون رحمة أو شفقة، على هدير التفخيخ والكراهية والنبذ والإلغاء.
تعال قريبا!!
يا موتى العراق وضحاياه ومقتوليه ومقطعو الأوصال فيه، أما آن لكم أن تعيشوا كباقي خلق الله. ألم تحزنوا بما فيه الكفاية، أما شبعت قلوبكم من الرثاء، أما أتخمت مفاصلكم ندبا، أيها الراثون تعالوا نعيش ولو للحظة واحدة، لا يوجد فيها إخصاء أو إقصاء. فقد مللنا من التهميش والتهميش المقابل. تعالوا نقر ونستقر، فقد غدونا أمثولة يتحاكى بها الأقوام، عن موتنا وجوعنا واضطراب أحوالنا وانقساماتنا التي لا تعرف التوقف.
أيها الواقفون ها هنا(( حيث العراق الذبيح)) أما من فسحة أمل. نريدها من العقلاء والحكماء، من الزاهدين والمتعبدين، نرومها من العلمانيين والتنويريين، نطلبها من المنتمين إلى ثرى هذه البلاد، تلك التي يدعي الجميع حبها.فيما تتلفت البلاد عن يمين وشمال فلا تجد إلا القليل الذي يحب!!
تحمل الأخبار نذر الشر والويل والثبور ، تفجيرات من كل نوع وشكل وطريقة ، والعراق غدا ساحة تجارب وميدان اختبار للقدرات والإمكانات والنوايا والتحسبات والرهانات، مساحة يزحف نحوها الجميع، بين تكفيري وطامع ولص آثم ومأفون ، وكلاب حراسة قديمة ورجال مخابرات وضالعين في صناعة الموت، ومهربي ممنوعات ومافيات من كل حدب وصوب. إنه العراق الجديد الذي خرج من ظلامية الطاغية ، ليدخل في عتمة الفوضى، عراق لم يعد منه سوى البقية الباقية من مشاعر مختلطة وحنين طاغ يستبد ببعض القلوب، لهذه الأرض التي احتضنت وجمعت وتحملت وصابرت وصبرت.
القريب والبعيد
كيف يتمثل العراقيون مصطلح الديمقراطية في راهنهم، وكيف ينظرون إلى حلمهم الطويل، الذي قدموا على مذبحه الغالي والنفيس،حين تسأل أحدهم لا يفتأ أن يجيب ساخرا، بأنها عدوة للماء والكهرباء والخدمات، فيما يجيب آخر إنها التدافع والتزاحم على سبل العيش، إنها البحث عن الطعام والطراد من أجل لقمة العيش، حتى بات العراقيون يتناقلون حكاية السيدة العجوز التي سألت ولدها المثقف عن الدستور وتداول السلطة ، ليجيبها بعد أن عدل من جلسته،متصنعا الحكمة والوقار؛ نعم أماه الدستور والتداول السلمي للسلطة معناه، أن يتم تغيير الرئيس كل أربع سنوات، لتند عن السيدة العجوز شهقة مرعبة، (( ولك يمة يعني فرهود كل أربع سنوات!!؟))
هكذا تتبدى ثقافة الفرهود حاضرة فارقة القسمات، لا تشوبها شائبة ولا يعتريها التداخل، فالعراق الذي غدا مسرحا للعمليات الحربية ، والتفخيخ والتفجير والخطف والاغتيال، والسلب والنهب، هو ذاته العراق الذي راهن عليه أبناؤه الخلص بالتقدم والنهوض والارتقاء والخلاص من ربقة الاستبداد والطغيان، هو ذاته العراق الرائع البهي الجميل الذي يستحق أن يتخلص من أعباء الماضي الكالح ، ويتطلع نحو المستقبل بروح ملؤها التفاؤل والثقة بالطاقات والإمكانات والقدرات.
هل مرت بك الإبل؟!
هاهم العراقيون جميعا ، صغيرهم وكبيرهم ، وبمختلف أطيافهم ومللهم ونحلهم ، يتفقون على ترداد مناحة خالد الذكر حضيري أبو عزيز(( على درب اليمرون أريد أكعد وأنادي)) وبالفعل هاهم يجلسون ويتنادون متألمين حاسري الرؤوس، ولسان حالهم يقول؛(( هاذي قسمتي من الله يا حادي))، وبالفعل يكون السؤال عن هذه القسمة والنصيب التي تحل على أم رأس العراقيين ، المبتلين بالحيف والقهر والقتل اليومي، الرازحين تحت العوز والبطالة وفقد الأحبة والموت المجاني، الصابرين القانعين، المتأملين خيرا بالآتي من الأيام ، على الرغم من كل هذا الظلام الذي يحيق بالوطن ، هذا المنتهب والمنتهك، والذي راحت المزيد من القوى تحاول تقطيع أوصاله.و تعمل على تقسيمه تارة تحت النزعة الطائفية وأخرى تحت اللافتة العرقية .هذا الوطن الذي لطالما تفاخر أبناؤه بمؤسساته التي يزيد عمرها عن الثمانين عاما، بلد التقاليد الإدارية والنهضة التعليمية، بلد الحداثة الشعرية والإبداع المتواصل الذي لا يعرف الانقطاع، بلد الفكر واليقظة والنباهة والقراءة الواعية للأحداث، بلاد قدمت للعالم طه باقر وجواد علي ومصطفى جواد وعبد العزيز الدوري وجاسم محمد الخلف وعلي جواد الطاهر، ، بلاد ينبت على ضفاف أنهارها الشعر حيث الجواهري العظيم ومصطفى جمال الدين والسياب وبلند الحيدري، وقائمة طويلة لا تعرف التوقف أو الانقطاع.
هذا هول المآل الذي بلغه العراق، خراب وانقطاع وخذلان وإحباط وفقد مريع، فيما تكون الديمقراطية مجرد علامة لغوية فارغة المحتوى، صار تداولها بإسراف وسط لوثة التنافس على السلطة، وهكذا تتبدى الديمقراطية بوصفها مصطلح يعتريه التهويم، لا يمت بأي علاقة بالإطار الذهني للمجتمع العراقي، والذي استقبلها مبتهجا متأملا بالقادم من الوعود، فيما كانت خيبة الأمل والإحباط المهين،بعد أن تحول هذا المصطلح إلى مجرد أداة ووسيلة لسيطرة بعض القوى،تلك التي راحت تتصارع في سبيل الحصول على السطوة والجاه والحضور، على حساب المعنى والأصل الذي يتمثل به الوطن، هذا الذي لم يتبق منه سوى الظلال الهزيلة.
















التعليقات