المفكر الكبير الأستاذ العفيف الأخضر، كان ولا يزال في مقدمين المثقفين العرب دفاعا عن العلمانية وشرحا لمبادئها بعمق ومنتهى الوضوح والشجاعة الفكرية، ناهيكم عن الأسلوب الرشيق. وقد استفدت شخصيا الكثير من أفكار الأستاذ العفيف ودراساته وتحليلاته في الموضوع. وكان آخر ما قرات له دراسته المكثفة والمتعمقة في إيلاف عدد 24 أبريل الماضي تحت عنوان "قدر العلمانية في الوطن العربي".
استوقفتني بعد قراءة المقال مرتين نقاط وودت التعقب هنا على اثنتين منه
1 ـ معاوية و"أسس مقدمات العلمانية:
تقول الدراسة: "معاوية نفسه أسس مقدمات العلمانية عندما توقف عن الصلاة بالناس وسمى إماما يصلي بالناس بدلا منه. هذا التقسيم بين إمامة الدولة وإمامة الصلاة مشروع دولة علمانية لم يكتمل بعد. وبعد معاوية توقف خلفاء الإسلام عن الصلاة بالناس بينما رؤساء الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدينية مازالوا يصلون بالناس، بالطبع، لأنها جمهورية دينية تكابر في التسليم بالفصل الضروري بين الدين والسياسة. تقسيم العمل بين الفقهاء، الذين هم للأمة في أمور دينها، والخلفاء الذين هم للأمة في أمور دنياها، تواصل لمدة 14 قرنا، خاصة في الشرق، دون استثناء يذكر."
إن ما كنت أعرفه حتى اليوم هو أن معاوية هو الذي وضع أسس الدولة الاستبدادية العربية المتخذة من الدين ستارا للقهر وتطمين شهوات السلطة الفردية. صحيح أن التوقف عن الصلاة بالناس كان "تجديدا" مهما، ولكن ممارسات معاوية ومن بعده من أمويين وعباسيين، قد نسفت عمليا مغزى تلك الخطوة. ولم يكتم معاوية أن الاستيلاء على الحكم عنوة أمر طبيعي وشرعي، فهو في خطبة له على المنبر في المدينة قال:
" أما بعد، فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم، ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم في ذلك مجالدة". وكما يكتب الدكتور إمام عبد الفتاح في كتابه المهم " الطاغية" الصادر في الكويت عام 1994، فإن معنى قول معاوية نفيه لكونه تولى الحكم برضا الناس، بل ويستخف بهذا الرضا. ويمضي معاوية قائلا:
" أيها الناس اعقلوا قولي، فلن تجدوا أعلم بأمور الدنيا والآخرة مني!"؛ أي ليس فقط حاكما على شؤون الناس بل هو أيضا الفقيه الأكبر في شؤون الدين ولا نظير له!
والخلفاء الأمويون هم الذين وضعوا في الإسلام، أو نقلوه هن الأباطرة القدامى، نظرية أن الله اختارهم للخلافة، وأنهم يحكمون بإرادته، ويتصرفون بمشيئته. كان أنصار معاوية يعتبرونه "خليفة الله على الأرض"، وكان ابنه يزيد " إمام المسلمين"، وعبد الملك بن مروان " أمين الله"، و"إمام الإسلام". وفي قصيدة للأخطل في مدح عبد الملك يقول:" وقد جعل الله الخلافة فيكمُ.."

2ـ علمانية أتاتورك":
لا شك في أن كمال أتاتورك قام بخطوة تاريخية جبارة عندما ألغى الخلافة العثمانية وعمل على فصل الدين عن الدولة بعد أن كان الخلفاء العثمانيون يستمدون الشرعية من اعتبار أنفسهم يعتبرون أن لهم شرعية دينية، وكان لكبير رجال الفقهاء منصب يوازي منصب رئيس الوزراء، فيصدر الفتاوى للسلطان كلما أراد شن حرب على جيرانه وابتلاع الممالك. وكانت الدولة العثمانية والبلدان العربية التابعة لها في منتهى التخلف الفكري والاجتماعي والسياسي، ويعيش سكانها تحت هيمنة الخرافات العتيقة دون انفتاح يذكر على الجديد في العالم. فجاءت خطوة أتاتورك لتهز عروش رجال الدين في العالم الإسلامي. هذا جانب من الموضوع. أما الجانب الآخر فهو أن علمانية اتاتورك استعملت أساليب القهر والقمع أجبرت الناس حتى على لبس القبعة إجبارا، وحارب الدين ورجاله بدل عزلهم عن شؤون الدولة والسياسة فقط. كما ألغيت المحاكم الشرعية مرة واحدة والمدارس الدينية، وأوقف الحج، وحولوا بعض المساجد لمتاحف.
ومن ناحية أخرى، فقد قمع النظام التركي الجديد حقوق القوميات والأقليات القومية قمعا دمويا.
إن الدول الغربية العلمانية الراهنة، كما نعرف، لم تلغ الدين ولم تحاربه، ولكنها لا تسمح لرجال الدين ومؤسساته بتحدي القوانين المدنية للدولة. ومنذ قانون 1905 في فرنسا وجدت المؤسسات الدينية، من كاثوليكية وبروتستانتية ويهودية، نفسها مضطرة للقبول بالنظام العلماني للدولة ولو على مضض. إلا أنه منذ سنوات فإن الأصولية الإسلامية في الغرب هي التي تحاول نخر العلمانية والتأليب ضد بعض قوانينها كقانون منع حمل الرموز الدينية في المدارس الفرنسية العامة.
أود مما مر استخلاص فكرة أن العلمانية والديمقراطية مترابطتان ، او كل منهما وجه لنفس المبدأ. فالدول الشيوعية كانت علمانية ولكنها حاربت الدين ومؤسساته عقودا من السنين؛ وهذه ممارسة تتناقض مع العلمانية الغربية لكون تلك كانت غير ديمقراطية، ليس فقط باضطهاد الأديان، وإنما أيضا بقمع الحريات العامة والشخصية وحقوق القوميات غير الروسية. إن الحرية الدينية بأوسع معانيها، بما في ذلك الحق في اختيار الدين أو تبديله، هي من صلب العلمانية الديمقراطية، وإلا كانت العلمانية استبدادا. ومن جهة أخرى فإن مجرد إجراء انتخابات عامة، ولو كانت حرة، وإطلاق قدر كبير من الحريات العامة ولكن ليس منها الحرية الدينية الواسعة ولا مساواة المرأة بالرجل وحقوق القوميات والأقليات القومية والدينية، تكون ديمقراطية ناقصة أو مموهة.
واليوم، ونحن في العراق أمام مهمة وضع مسودة دستور دائم، فإن أفكار الأستاذ الأخضر حول العلمانية تصلح إحدى نقاط الضوء المرشدة للجنة وضع مسودة الدستور العراقي الدائم فيما لو أردنا بناء الديمقراطية حقا. إن دستورا ديمقراطيا حقا يستلزم النص على فصل الشؤون الدينية ومؤسساتها عن شؤون الدولة وصلاحياتها وقوانينها المدنية؛ ويتطلب النص الصريح على حرية المرأة ورفع جميع أشكال التمييز عنها، وكذلك النص على الفيدرالية لكردستان وأوسع لا مركزية إدارية لبقية المناطق، والنص على الحقوق القومية والإدارية والدينية للأقليات القومية كالتركمان والكلدو ـ آشوريين. كما تفيدنا كتاباته حول أهمية إصلاح التعليم الديني وتجديده.
تلكم ملاحظات على دراسة الأستاذ العفيف المشار إليها، مع كل تمنياتي له بالصحة التامة والعمر المديد.