يُخطئ بعض دعاة العقلانية ومن جاورهم من ليبراليين، ومن صاحبهم من مُعتدلين، حين ينطلقون في إحباطاتهم، متخذين من بعض المواقع الشبكية دليلاً وبرهاناً على رداءة المجتمع، وتغلغل التلوث الإرهابي والنزق التطرفي فيه!
وحتى لا يكون الكلام عاماً سمجاً، يمكن طرح الفكرة على الشكل التالي: يأتي الراصد ويُقلِّب في الإنترنت - أو كما يسميها الفصحويون ''الشبكة العنكبوتية'' - باحثاً عما يؤكد قاعدة: قرر ''بمحض الإرادة وباليقين المُسبق''، ثم يقول إن الإنترنت كله تطرف، ثم يبحث أكثر فيجد في ''الساحات'' ضالته وبُغية فؤاده، ليسطِّر حولها نظرية يعممها على المجتمع بأكمله! والحبر الأصفر لا يختلف مع الراصد أن ''الساحات'' تحظى بشهرة واسعة، ويمكن رد ذلك إلى أول الأسباب وأقواها وهو الأقدمية، والعرب -بشغفهم التاريخي- يجلُّون نظرية شيخهم أبي تمام القائلة:
نَقِّلْ فُؤَادَكَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْهَوَى
مَا الْحُبُّ إِلاَّ لِلْحَبِيبِ الأَوَّلِ!
والعقل دائماً يحتله ''الأسبق'' وليس ''الأصوب'' كما يقرر ذلك مفكرنا العميق إبراهيم البليهي في كثير من مقالاته وأطروحاته!
وثاني الأسباب -وهو عاطفي- أن ''الساحات'' بحكم الأقدمية أوجدت روابط نفسية وعاطفية بينها وبين قرائها، الأمر الذي جعل بعض روادها يدرك ''إفلاسها''، ولكن تبقى مثل بيت ''الأجداد'' يزوره الأحفاد للتسلية ونبش الذكريات، دون الرغبة للسكن فيه أو العيش في أجوائه وجيرانه!
وهنا تحضرني فكرة ذكية تشبه - إلى حد ما - الرابطة بين الساحات وقرائها، إذ يعمد القوم المسؤولون عن صحيفة الـ''Guardian" لإصدار نسخة توزع مجاناً على الطلاب أثناء دراستهم في الجامعات البريطانية هنا، حتى إذا ما تخرّج الطالب أخذ يقرأ الصحيفة ليس لجودتها بالضرورة، بل لعادة نشأ عليها، إذ يظل الخيط العاطفي ممتداً رغم هشاشة أو تفاهة المضمون، أو حتى شجاعته!
لذا يخطئ الراصد حين يأخذ البيض من سلة واحدة، وهي هنا سلة ''الساحات''، لأن هذه السلال ينتجها خفافيش الظلام، الذين لا يكتبون إلا من وراء جُدر، وما أكثرهم إلا عصابات فكرية، وبومات تصرخ في الظلام متخذة من السواد وسيلة، ومن الأثر طريقة.. إنها بؤر محددة الملامح، مؤَطّرة الفكر، لا تخفى معالمها على من ألقى ''النظر'' وهو شهيد.. يمكن أن يُقال عنهم:
خَفَافِيشُ أَعْمَاهَا النَّهَارُ بِضَوْئِهِ
وَوَافَقَهَا قطع مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ!
يجزم الحبر الأصفر أن الراصد -أو قل ''المتشائم'' في طرحه- لو زار مواقع ذات بعد مختلف، سيخرج بنتائج أكثر تفاؤلاً.. مواقع بحجم ''إيلاف'' أو ''دار الندوة'' أو ''الحوار المتمدن''، أو غيرها ممن لا يستطيع الورق حدّها وعدّها!
أيها المصلحون: لا تقنطوا من لحظة الفلاح والنجاح، فالمعركة طويلة لأن الظلام كثيف ويملأ الشوارع ليلاً والطرقات سواداً.. لا تيأسوا من كثرة الخبيث، فما ينفع الناس وما يضرهم سيبقيان جنباً إلى جنب ما دامت السماوات والأرض، بل إن قوة الفساد أكثر من ليونة الخير والإصلاح، وما نظرية التفاحة الفاسدة التي أفسدت بقية التفاح عنا ببعيد.. يُقال هذا حتى يُدرك الأحباب عمق المعركة
وطول الطريق ووحشة المسافة

[email protected]