قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بعد الهزّة التي أحدثها تقرير وزير الخارجية الأميركي الأسبق جيمس بيكر، وردود الأفعال المستنكرة من لدن أصدقاء واشنطن( وفي مقدمتهم رجال العراق الجديد)، والمراهنين على مشروعها التغييري( العلمانيين والليبراليين الجدد، أعداء الإرهاب الإسلامي المسعور)، بدأت الإدارة الأميركية تبحث حقاً عن طرق نجاة من الواقع العراقي المتردي، وبات شغل واشنطن الشاغل هو quot;تركيبquot; حالة سياسية عراقية معقولة بين quot;شيعة الجنوبquot; وquot;سنّة الوسطquot; وquot;الأكراد في الشمالquot;، على أمل تسويق مثل هذه الحالة، كمقدمة معقولة لشرعنّة quot;هريبتهاquot; من الساحة العراقية، حيث المواجهة الحقيقية والفاصلة مع إرهابيي quot;القاعدةquot; الذين يتقاطرون من كل بقاع العالم الإسلامي، وquot;زلمquot; طهران ودمشق من البعثيين والتكفيريين وجماعات الضاري والصدر، ومن لف لفهم من التشكيل السرطاني العجيب الذي غزا أرض العراق، وحوله لمسلخة بشرية رهيبة.

ورغم تأكيد المسؤولين الأميركان على أن تقرير بيكر ـ هاملتون غير ملزم، وهم ليسوا في وارد التقيد بأية نصيحة من نصائحه، إلاّ أن التراخي البادي للعيان حالياً يٌظهر النيّة الأميركية في الإسراع بالإنسحاب من العراق، وتسليمه لأي كان، وفي أقرب فرصة ممكنة: بعد الفشل في ضبط الأوضاع في البلاد، والوهن البنيوي في سحق الإرهابيين، وضرب مراكز تصنيعهم وتأهيلهم، ونسف طرق إمدادهم، في كل من دمشق وطهران. فالعراق أصبح مرتعاً لجيوش الإرهاب ولميليشيات الحرب الطائفية، على مرأى ومسمع من الأميركان، وأصبح (بفضل السياسة الخرقاء لواضعي إستراتيجية واشنطن في الحرب العالمية على الإرهاب) ورقة ضغط ذهبية يتلاعب بها ملالي إيران وبعثيي/مافيوزيي الشام. هؤلاء يمارسون سياسة quot;عض الأصابعquot; مع بوش وإدارته على أرض العراق، وإنتظار إعلانهم ساعة المغادرة والفشل. وليس المهم لو كان الثمن تمزيق أجساد آلاف العراقيين بمفخخاتهم المرسلة كل شهر...

هذا من الناحية العسكرية الميدانية، أما من الناحية الإعلامية، فإن الحالة ليست بأفضل، فالماكينة الإعلامية العربية الرسمية تستمر في الترويج لخطاب القوى الإسلاموية والقومجية/البعثية المناهضة لواشنطن، ولأي مشروع ديمقراطي/تغييري تقف ورائه في المنطقة. وتستغل وسائل الإعلام هذه كل الفرص والإمكانات لضرب واشنطن وحلفائها تحت الحزام، بغية إفشال quot;مشروعها التغييريquot; في المنطقة. ومن الملفت والغريب حقاً إن البؤر التي تٌصدر مثل هذه المنابر الحاضنة للإتجاه الغوغائي المحرض، هي تلك التي تٌعرف بأنها quot;قريبةquot; وquot;حليفةquot; لواشنطن، أوالديرة التي تستضيف أكبر قواعدها العسكرية في المنطقة...

من جهة أخرى، فإن الولايات المتحدة ماتزال تلهث وراء الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة، طالبة رضاها، ومتطلعة لمساعدتها في العراق وغيره. فهناك غزل غير مفهوم تجاه أكثر من نظام شمولي يتصف بالعداء للمشروع الأميركي في المنطقة، ولايألوا أي جهد في التدخل في الشأن العراقي وتجنيد quot;الزلمquot; والأتباع بغيّة لوي ذارع الأميركان في عقر دارهم...

وتجتهد واشنطن في تقديم المساعدة لهذه الأنظمة ومساعدتها على القضاء على أعدائها( وهم هنا مواطنوها بالدرجة الأولى..) بغية تبيان حسن النية ونزع رضاها، وبالتالي قرارها في تقديم العون للأجندة الأميركية في المنطقة. ومن ذلك سياسة التعاون وإسداء الخدمات المجانية التي تتبعها واشنطن تجاه الجنرالات الأتراك، وبشكل خاص في موضوع حربهم القذرة ضد حركة التحرر الكردية( حزب العمال الكردستاني). فبعد أن قرر هذا الحزب الذي يقاتل تركيا منذ ثلاثة وعشرين عاماً بغية إنتزاع حقوق الشعب الكردي في كردستان الشمالية( 18 مليون كردي) إعلان وقف إطلاق النار من جانب واحد( 1/10/2006م)، على أمل دفع الجانب التركي للحوار والتفاوض، وبدل أن تسارع واشنطن في الضغط على المؤسسة العسكرية التركية، فإنها تساهم في قمع الحركة الكردية، وتشجع قادة الجيش التركي على المضي في سياسة الإمحاء والإجتثاث وإرتكاب المزيد من البطش والقمع بحق المدنيين الكرد. ومن ذلك التصريح الأخير الذي أدلاه quot;فرانك اوربانجيجquot; نائب الممثل الأميركي في quot;اللجنة الثلاثية المكلفة بمتابعة ملف حزب العمال الكردستانيquot; في الإجتماع الأخير الذي عٌقد في ألمانيا، وحضره ممثل أنقرة، وهو جنرال حرب متقاعد، وتعهد فيه quot;اوربانجيجquot; بسعي واشنطن الحثيث للضغط على الدول الأوروبية بغية quot;تجفيف المصادر المالية للحزب الكرديquot; والتوسط quot;لإغلاق وسائل إعلامهquot;، التي quot;تروج لخطاب الحزب ولقضية الأكراد في تركياquot;.

والمسؤول الأميركي يقصد هنا فضائية (روج تي في) التي تٌعتبر صوتاً كردياً وحيداً يٌخاطب جمهرة أكراد تركيا، في ظل سياسة المنع والمحاكمة والأعتقال التي تطال الكلمة الكردية في البلاد التي أسسها الضابط العثماني مصطفى كمال quot;أتاتوركquot; عام 1923 على النسق الأحادي، العنصري، الظالم ذاك. وكان رؤساء 56 بلدية كردية في كردستان الشمالية، منها بلديات كبرى مثل quot;ديار بكرquot; وquot;باتمانquot; وquot;ديرسمquot; قد عبروا عن تأييدهم لهذا المنبر الفضائي الكردي، في رسالة دعم سابقة أرسلوها لرئيس الوزراء الدنماركي quot;أندرز فوغ راسموسنquot; أثناء إشتداد الحملة التركية الموتورة عليها، بغية إغلاقها. والفضائية الكردية (روج تي في)، والتي تٌعتبر الأكثر مشاهدة في ولايات كردستان الشمالية، وبإعتراف السلطات التركية نفسها، تبث برامجها باللغات الكردية، العربية، التركية، والسريانية وهي تتوجه بخطاب علماني، ليبرالي، معاد للإرهاب الديني لملايين المشاهدين في الشرق الأوسط والعالم، وساهمت في إحتضان المئات من المثقفين العرب والعراقيين بشكل خاص، الذين وجدوا فيها صوتهم المدوي في وجه الإرهاب البعثي والإسلامي في العراق.

ويتعجب المرء هنا من محاولات الدوائر الأميركية المسؤولة عن شؤون الشرق الأوسط هذه، فهي في الحين الذي تغض فيه الطرف عن الفضائيات الطحلبية، التي تحرض الشباب العربي على الإنتحار بالزاد المسموم الذي تقدمه، عبر شخصيات متطرفة، ومنتقاة بعناية، فإنها في الوقت عينه تجتهد في إغلاق منابر علمانية، ليبرالية، ديمقراطية، بحجج واهية، ولمجرد إسداء خدمات مجانية لنظام ديكتاتوري، عنصري، بغيض كنظام العسكر في أنقرة.

لن نتكلم هنا عن رفض أنقرة للتدخل الأميركي في العراق، وعن خذلانها لواشنطن حين طلب الأخيرة منها السماح بعبور قواتها أراضيها لمناطق شمال العراق، ودفاعها عن بقاء نظام صدام حتى الرمق الأخير( عبر إصدار ماسمي آنذاك بإعلان إسطنبول، بالتعاون مع دمشق وطهران)، وتدخل أنقرة في الشأن العراقي، سواء عن طريق دعم شيوخ وملالي العشائر السنيّة المتطرفة، او تحريض عملائها في (الجبهة التركمانية). لكننا نذكّر واشنطن، إنه في الوقت الذي كان فيه مسؤولوها يقايضون الأوروبيين على quot;النشاط الكردي وتحجيمهquot;، من اجل سواد عيون عسكر انقرة، فإن الأخيرة كانت تحتضن إجتماعاً لكبار قادة التطرف والترويج لعمليات تنظيم quot;القاعدةquot; الإرهابي( عدو واشنطن رقم واحد). وفي الوقت الذي كان المسؤول الأميركي يٌطالب فيه الأوروبيين بالتضييق على الحركة السياسية الكردية في تركيا، كانت الأخيرة تحتضن ألد أعداء استقرار العراق وتقدم مسيرته الديمقراطية من شيوخ دين سلفيين/وهابيين، خطرين، وفدوا من العراق والسعودية والكويت وغيرها...

الرئيس العراقي جلال الطالباني، أدان هذا الإجتماع، وقال في تصريح له quot;أن المؤتمر يعتبر تحريضاً على العنف والإقتتال في العراق، ومخالف لجميع المؤتمرات والمصالحة الوطنية ووثيقة مكة التي أعلنت الأطراف المشاركة فيها الإلتزام بمقرراتها التي دعت الى الحوار ونبذ العنف وحقن الدماء العراقيةquot;.
nbsp;كما استغرب الطالباني من احتضان تركيا للمؤتمر وقال quot;أن تركيا في الوقت الذي تدعو العراق والقادة الاكراد العراقيين الى مقاتلة عناصر حزب العمال الكردستاني فإنها تستضيف مؤتمراً يدعو المشاركون فيه الى الإقتتال في العراق، ويحرضون على العنف الطائفي ويصفون الأكثرية في العراق بالصفوية {في اشارة الى الشيعة} ويدعون كذلك الى قتل العراقيين في عقر دارهم. واكد وقال أن معظم الأحزاب والقوى العراقية مصممة على مواصلة المسيرة الديمقراطية وعدم الرضوخ للإرهابيين والطائفيين مشدداً على أن قرار العراقيين لن يكون أبداً رهن إرادة الطائفيين والإرهابيquot;( أنظر تقرير إيلاف الإخباري).

الولايات المتحدة الأميركية قالت إنها سوف تغير إستراتيجيتها في العالم بعد حوادث 11 سبتمر 2001 م الإرهابية، وإدعت بإنها سوف تكف عن دعم الأنظمة الديكتاتورية الظالمة، التي تقمع شعوبها بالحديد والنار. لكن ما يحصل الأن هو عكس ما وعدت به أميركا شعوب العالم المظلومة. إنه عودة جديدة للسياسة الظالمة السابقة، وإطلالة جديدة للوجه الأميركي/الإمبريالي القبيح، الذي يٌسيّر الصفقات ويٌجيز المصالح على حساب الشعوب المضطهدة.
هل خذلت واشنطن الشعوب الشرق أوسطية، وعادت لممارسة طبعها القديم، بعد أن ضاقت بعملية quot;التطبعquot; الشاقة تلك خمسة أعوام طويلة، والتي أرداته وجهاً وسياسة جديدة لها، فما إستطاعت؟؟.

[email protected]