قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

العراق يتخبط. فلسطين تتخبط. لبنان يتخبط. السودان تتخبط. أربع دول تعيش في العماء. ولا نعرف على من سيكون الدور في الشهور أو السنوات القادمة. أربع دول يكاد ينفرط نسيجها الاجتماعي التاريخي، وأحد الأسباب الرئيسة وراء ذلك، هو اختلاط الدين بالسياسة فيها.

زمان كنا نخشى على مصائر الأفراد في هذه الدول. الآن صار لدينا خوف من نوع أفدح: الخوف على مصائر هذه الدول ذاتها، ككيانات سياسية وجغرافية وتاريخية، قابلة لأن تتشظّى، وتنحلّ، ربما في السيناريو الأسوأ، إلى كسور عشرية، يأنف من هضمها الحسابُ العربي الرومانسي.
دول تحيا على الحافات الخطرة من كل شيء. دول، بدفعة يدٍ من هنا أو هناك، ستجد نفسها تنزلق سريعاً في الهاوية.
العراق، وقد ارتاح من الديكتاتورية البعثية الشوفينية، ينزلق إلى حكم المرجعيات الدينية، والزعامات المذهبية، فيرتدّ من حالة الدولة الناظمة إلى نظام القبيلة والعشيرة البدائي. ويبدو مرشحاً للمزيد من التفتيت، وصولاً ربما إلى أن يصير ثلاثة كيانات منفصلة، ما لم تتوفر له طبقة سياسية متحضرة، في المستقبل، تضمّد جراحه، وتبث في جسده العافية، فتعيده إلى الخريطة ككيان كبير واحد.

فلسطين، التي هي محض كيان، لم يتحوّل إلى دولة أو دويلة بعد، حالها أسوأ: فمنذ فازت الأصوليات فيها عبرَ صناديق الاقتراع الديمواقراطي، ونحن نراها تذهب عاجلة إلى التشرذم والتفتت، تاركة خلفها ميراثاً هائلاً من النضال المأسوي العادل في سبيل تحقيق مشروع استقلالها الوطني. هذا المشروع الذي وقفت قوى كبرى، من دول وأفراد وجماعات ومثقفين، مؤيدة له ومتطلعة إلى يوم تحقيقه. الآن، يشيح العالمُ بنظره عنها، وخصوصاً مَن وقفوا معها وأيدوها، بعد أن رأوا صراعاتها الداخلية المخجلة على كراسي الحكم المنخورة، التي لا تستأهل كل هذا الدم الأخوي، ولا تليق أصلاً بمن هم أصحاب أعدل قضية في التاريخ الحديث.

لبنان، هو أيضاً، تكاد رأس الحرب الأهلية، تطل من وسط صورته من جديد. وكأنما دروس الحرب الطويلة السابقة، التي لما تجف ذكرياتها بعد، لم تُستوعب ولم تدخل في تقاليد العقل السياسي اللبناني الحديث.

وأما السودان، فحدّث ولا حرج. حكومة تمسّحت بالدين، وانغلقت حول حساباتها الضيقة، فحوّلت البلد الكبير مساحةً، إلى زنازين وإلى مناطق وحواجز. تريد أن تفرض تصوراتها وأوهامها بالقوة والقسر على كل النسيج السوداني المتنوع والمتعدد والمختلف. وما مأساة دارفور، سوى دليل آخر على فشل هذه الحكومة، وعلى عدم جدارتها بأن تعتلي سدة الحكم في بلادها. فمأساة دارفور، ولولا انتباه الضمير الدولي لها، وإصراره على معالجتها، لكنّا حتى لم نسمع بها كعرب، وإن سمعنا فلا نهتمّ ولا نأبه.

أربع دول، تسيطر على الحكم فيها أو تتقاسمه قوى سياسية ذات طابع ديني أصولي، رأت أن تستبدل المشاريع الكليانية القوموية الآفلة، بعد أن فشلت هذه وسقطت تاريخياً، بمشروع كلياني شمولي أمرّ طعماً وأسوأ عاقبةً، وهو مشروع: تديين الدولة.
لكأنما كل ما سُفح من حبر الآخرين، ومن حبر بعض النخب العربية، ذهبَ سدى. ولكأنما كل تجارب الدول الأخرى، القريبة والبعيدة من أرض العرب، لا تعني العقل السياسي العربي في شيء.

فهو، هذا العقل، لا يريد أن يتعلّم لا من تجاربه هو ولا من تجارب أخوته في الإنسانية. سقطت أنظمة الحكم الشمولي في الإتحاد السوفييتي السابق وفي شرق أوروبا، وتغيّر المشهد العالمي برمته، إلا هو.. لم تصله رياح التغيير تلك، ولم يلتفت لها. بل مضى سادراً في بدويته وصحراويته، مصمماً على تأبيدهما، وعلى مواته، إلا أن يأتي ذلك، بيد عمرو، وحينها يخضع ويركع. أما أن يأخذ هو زمام المبادرة، فيبدأ في التغيير ولو تدريجياً، فكلا. ذلك أن هذا الصنيع _ التغيير، ليس من ثقافته في شيء. فهو تعوّد، هذا العقل السياسي، على التصدي لكل الرياح، حفاظاً على خصوصيته الجغرافية والتاريخية والاجتماعية. وبالفعل: أمام [ خصوصية التخلّف ] هذه سقط العالمُ العربي الكبير في عدة امتحانات للتاريخ، وليس في امتحان واحد.

فهو، ومنذ حصوله على استقلاله الوطني، كل بلد فيه على حدة، وهو يرى إلى نظام الحكم فيه، وبغض النظر أكان هذا الحكم ملكياً أم جمهورياً، كامتداد إلى تجارب الخلافة. فكل حاكم عربي، ملكاً كان أم رئيساً، هو في الحقيقة خليفة الله على الأرض وعلى الشعب، ولا يزول الخليفة، كما نعرف جميعاً، إلا بالموت مرضاً أو اغتيالاً. فلا توجد ومضات في تاريخنا كله، تشير إلى تجربة تداول السلطة بشكل سلمي، وإن وجدت فهي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة. فالحاكم العربي هو الحاكم العربي، قديماً وحديثاً، حاكم إلى الأبد، وحين يموت هو يورّث ابنه ونقطة.

لم يتغيّر شيء إذاً منذ فجر تاريخنا حتى يوم الناس هذا. فقط دخلتْ على المشهد الصحراوي ديانة غريبة نوعاً ما، أجبرنا العالمُ على الأخذ بطرفٍ منها، ولو على مضض، وهي ديانة الديموقراطية الغربية. هذا النظام السياسي الأقلّ سوءً في التاريخ، لا بأس من أن يجربه العرب المحدثون، والأصوليون منهم بالأخص، ما دام يُرضي العالمَ ويؤدي الغرض في آن: وهو وصول الأصوليات إلى سدة الحكم.

لم يسأل أحد نفسه، في ذروة الحماس المشروع للديمقراطية، إن كان هؤلاء الذين سيعتلون ظهرها مؤمنين بها حقيقةً أم لا؟ ربما لأنّ الجميع يعرف الجواب. ومع ذلك، ولأنه لا بد مما ليس منه بد، ذهبَ البعضُ إلى هذا الخيار.

ذهبوا إلى هذا الخيار فماذا كانت النتيجة؟ فازت وستفوز الأصوليات، فهي أقرب إلى الناس من غيرها، بحكم أنّ هؤلاء تربّوا في مساجدها وجوامعها وجامعاتها ومؤسساتها الخيرية الخدمية، وبحكم أنها جزء حيوي وعضوي من غالبيتهم الفقيرة الساحقة. إنها [أكثر أصالة ] من جميع القوى السياسية الأخرى. فهي من الناس وبالناس. تحيا معهم في أدغالهم السكانية، أما تلك القوى، فإما فشلَ مشروعها السياسي والاجتماعي أو هي محض نخب مثقفة معزولة عن نبض التيار الكبير.

هذا هو المشهد باختصار مخل، ودون تفاصيل أكثر. إذ لا حاجة لكل ذلك. وربما لا ينطبق هذا التحليل، على الدول الأربع، بل هو يختلف هنا عن هناك، قليلاً أو كثيراً، لكنْ الجوهر واحد: مشاريع أصولية تحكم أو تريد أن تحكم هذه الدول.

قوى لا تؤمن بأنظمة الحكم الحديثة، بل وتكفّرها في أدبياتها، تصعد للحكم عن طريق هذه الأنظمة بالذات، لتقول بعد ذلك بأنها حكومات الله على الأرض، وأنها حكومات ربانية لا يجوز حتى انتقادها ما دامت تحوز هذه الصفة!

قوى تصل بالانتخاب، وفي وعيها الظاهر والباطن، ثمة نموذج واحد للحكم، هو نموذج الخليفة والمستبد العادل [يا لها من خلطة!] وتريد أن تجرّب حظها، هي الأخرى، في (الفشل)، كما جرّبه القومويون مِن قبل، فلمَ لا؟ أليس هذا حقها المشروع، ما دامت جاءت إلى سدة الحكم بأدوات [ودعك الآن من المضامين ] مشروعة ونزيهة ولا غبار عليها؟

العراق ولبنان، فلسطين ولبنان، مع اختلاف خصوصية كل كيان على حدة، تجتمع جميعاً على مشروع ديني. ولو نجح هذا المشروع، المدعوم من إيران في كل من العراق ولبنان وفلسطين وربما حتى السودان، فلن تكون أمامنا سوى [إيران ] ملالية صغرى داخل حدود هذه الدول، في أفضل الأحوال، أما في أسوأها، فثمة طالبان، الأمر الذي لن يسمح به العالم والقوى الكبرى التي لها مصالح وغايات في المنطقة.
وعليه فسينشب الصراع لا محالة. فإن لم يكن من خارجٍ، فمن داخلٍ هذه المرة. أو من كليهما.
فهل تتحمّل هذه الدول، ببُنيتها الهشة، أمثال هذا الصراع الشرس؟

نترك الجواب للمستقبل، مع جنوحنا إلى التشاؤم، في أن يكون عام 2007 أو ما يليه من أعوام، هو عام الخوف على مصائر هذه الدول أو الكيانات ذاتها