قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الإيمان والتاريخ
ماهي العلاقة بين الإيمان والتاريخ؟
سؤال ربما يبدو غريبا، خاصة وإن التاريخ كعلم (وهناك من يشك أنه علم) يفتقر إلى مفاهيم صريحة تدور حولها نشاطه العلمي البحثي، الأمر الذي دعا كثيرين إلى القول بأن التاريخ يدخل في كل ميا دين المعرفة بشكل وآخر. ولا نقصد بالإيمان هنا حصرا الإيمان الإسلامي، حيث قد يتوهم ذلك بعضهم لأننا نريد معالجة معركة إسلامية متميزة، تلك هي معركة (أحد)، بل نقصد الإيمان بمعناه التصديقي العام، بصرف النظر عن هويته، وعن موضوعه، وبغض النظر عن مطابقته للعلم والواقع. فالاعتقاد بـ (حجر) أيمان، تماما، كما هوالإعتقاد بالله تبارك وتعالى، مع إهمال التفاصيل.
التاريخ لا يمكن أن يكون مصدر دليل على صحة أو زيف إيمان ما، ولكن التاريخ يشهد بأن الإيمان يصنعه، ويخلقه، ويتدخل في مساره، وقد رأينا من خلال قراءة بسيطة للتاريخ، أن لكل إيمان تاريخه الذي يسوقه إلى مملكة القناعة بانه إيمان خلاّق !!

لقد استطاع الإيمان المسيحي أن يحطم الإمبراطورية الرومانية، وأن يلجئها إلى الاعتراف بها ديانة رسمية حاكمة بعد عناء طويل، وبعد تاريخ من الدم، واستطاعت أديان وضعية، أديان لا تمت للغيب بصلة أن تنافح عن حقها بالحياة، حتى إراقة الدم وإزهاق الارواح بلا حساب، شاهدنا ذلك شهادة حس مباشر، وتعجَّب المؤمنون المسلمون كيف يضحي بشر في سبيل عقيدة فاسدة في ميزانهم وحسابهم !!
الإيمان يصنع المعجزات، يقصدون يصنع ما لا يخطر ببال ولا يطرا على ذهن، وقد صدق كلامهم، ولكن المشكلة التي تحير بعضهم كيف لإيمان بدائي، أو إيمان ذي موضوع جامد، ميت، ساذج... كيف يمكن لإيمان مثل هذا ان يصنع تاريخا !
لقد نسي هؤلاء أن العبرة ليس بموضوع الإيمان على صعيد موضوعيته أو على صعيد إشراقه، أو على صعيد قيمته العلمية، بقدر ما يتعلق الموضوع بذات الإيمان، أقصد الإيمان بحد ذاته.

وتتبلور المسألة ربما أكثر فيما أقرينا أن الإيمان قضية قلبية أكثر من أن تكون قضية عقلية على أقل تقادير عند بعض المؤمنين، فهؤلاء يموتون واقفين دفاعا عن موضوع لامس قلوبهم بانه حقيقة حية، فيما يعجزون عن جعله محل شك عقلي من أجل إثباته. لا بل قد يكون الإيمان عن طريق القلوب أكثر إستمالة للتضحية والفدا ء من إيمان العقول و المنطق والقياسات المألوفة لدى علماء اللاهوت من أصحاب النزعة العقلية.
لكل إيمان تاريخه، أقصد هنا التاريخ الذي يثبت دوره في تحدي الزمن، والظروف، والعنت والإضطهاد، مما يكشف عن دوره الفاعل في التاريخ.
لقد وقع بعض كتاب التاريخ الإسلامي بخطا كبير، عندما راحوا يستنجدون بالتاريخ لإثبات قدرة الإسلام على التحدي، وعلى التصدي، وعلى الإنتشار، فهذه الجموع التي كانت تلبي نداء الجها د، وكانت تضحي بالغالي والرخيص، إنما دليل تاريخي حازم على حيوية الدين الإسلامي، وعلى إمكانياته الهائلة على خلق روح الفداء والتضحية !!!

مقياس خاطي، وربما يربي العقل على طريقة تفكير سيئة للغاية، وبالفعل كان لهذا الفكر الطوباوي الأناني دوره العاطل، فقد يحكم المسلم على غيره بالجبن، أو بالخوف، أو بعدم القدرة على الثبات والصمود بسبب إيمانه المخالف، فيما وجدنا الشواهد تلو الشواهد على كذب هذا القياس.
التاريخ يقدم لنا مئات النماذج على أن كل إيمان يخلق تاريخا خاصا به، تا ريخا يشهد على عمق هذا الإيمان في نفوس أصحابه، وبالتالي، أن كل إيمان قادر على أن يكون له تاريخه الشاهد.
ولكن لماذا نذهب بعيدا، فنحن نصادف من يضحي بنفسه من أجل عقيدة علمية قد وصل إليها بالبحث والدراسة و التنقيب، وقد يثبت عدم صحتها فيما بعد، لقد قبل عالم أن يُحرَق جسدُهُ علنا ولم يتنازل عن رأيه العلمي، ونحن نلتقي اليوم بما يسمى (العقيدة العسكرية) فقائد عسكري يقاتل حتى الموت فيما قد لا يؤمن بالقضية التي يقاتل من أجلها، ذلك إنما يقاتل لأنه يؤمن بعقيدته القتالية بحد ذاتها ليس غير.
نقرأ في معركة (أحد) عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم دافعوا عن النبي الكريم (رجلا ثم رجلا، يُقْتَلون دونه...) / سيرة ابن هشام ص 53 /

ليس من شك أنها صورة وردية، صورة رائعة، فهناك أخلاص عميق، تضحية، ولكن هل هي الصورة الوحيدة في تاريخ الإيمان؟
ليس من شك أنها دليل على أن الإيمان الإسلامي يملك تاريخه الخاص به،التاريخ الذي يبرهن على أن هذا الإيمان سام، ومتعال، ورفيع، ولكن هي هي صورة يتيمة تلك التي استعرضناها قبل قليل؟ وهل عدم الإيمان الآخر مثل هذه الصور المشرقة؟
نقرا في سيرة إبن هشام (وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بني عدِّي بن النجّأر، قال : إنتهى أنس بن مالك بن، إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بايديهم، فقال : ما يجسلكم؟ قالوا : قُتِل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : فماذا تصنعون بالحياة بعده؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم، فقاتل حتى قُتِل، وبه سمِّي أنس بن مالك) / المصدر ص 54 /.

ليس هو (أنس) الوحيد في التاريخ، أي تاريخ الإيمان، بل هو نموذج لإيمان خاص، أسمه الإيمان الإسلامي، ولعله دون جاك دارك في تضحيته...
يقدم البعض سيرة أصحاب النبي الكريم بدعا في التاريخ، ويكتب بعضهم التاريخ الإسلامي وكانه شذوذ بامتياز، شذوذ على مستوى الخلق والعمل والإبداع والتضحية والعطاء والإخلاص والبذل، وهي كتابة مضرة ومسيئة، تخلق منظومة من قيم السخرية الداخلية في حق الآخر، ويحاول بعضهم صياغة معادلة تماهي بين بعض صور التاريخ الإسلامي والقيمة الذاتية للإيمان الإسلامي بصفتح حقا مطلقا، في حين هناك صور مخزية في التاريخ الإسلامي، حتى في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن أبرز الشواهد على ذلك هو موقف بعض الصحابة في معركة (أُحد).
نقرا في سيرة إبن هشام (وقاتلت أم عمارة، نُسيبة بنت كعب المازنية يوم أُحد، فذكر سعيد بن أبي زيد الأنصاري : أن أم سعد بن سعد بن الرّبيع كانت تقول... فلما أنهزم المسلمون، أنحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقمت أباشر القتال، وأذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارمي القوم عن القوس، حتى خلصت الجراح إليّ...) / المصدر ص 53، وهو دليل على الطاقة الكبيرة التي يخلقها الإيمان الإسلامي، ولكن هل عدم الإيمان الآخر مثل هذه البطولة؟


الإيمان ولغة الإنتهاب!
كان الاستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله مولعا بكتابة السيرة الذاتية للشخصيات العبقرية، أي الشخصيات التي تركت بصماتها على صفحات التاريخ، وقد كتب عن عبقرية النبي وصحابه الكبار، الصديق والفاروق والإمام، ومما عجبني في منهجه التدقيق بلغة الرواية، فضلا عن إعتماده الرواية ذات المغزى، بصرف النظر عن طول الرواية وقصرها، وقد صرح مرة بذلك. فقد يضيع الفهم، وتضيع علينا الكثير من الحقائق من خلا ل التعامل السريع مع الرواية، فيما التدقيق بكلمات وسياقات الرواية قد يكشف عن أسرار عميقة ومرامي بعيدة.

نقرا في مغازي الواقدي [... فلما إنهزم المشركون وتبعهم المسلمون، يضعون السلاح فيهم، حيث شاءوا حتى أ جهضوهم عن العسكر، ووقعوا (ينتهبون) العسكر، قال بعض الرواة لبعض : لِمَ تُقيمون ها هنا في غير شي؟ قد هزم الله العدوَّ، وهؤلاء أخوانكم (ينتهبون) عسكرهم، فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع أخوانكم... ] / المصدر ص 229 / وتستمر الرواية لتعرض لنا خلافا نشب بين المؤمنين الرّماة حول ذلك، فانقسموا إلى قسمين، وكان القسم الاكبر مع عملية الإنتهاب هذه (فلم يبق من الرُّماة مع أميرهم إلاّ نفر قليل، ما يبلغون العشرة...) / المصدر والصفحة /. ومن الجدير بالذكر أن عملية إعطاء الظهر للجبل والنزول لساحة (الإنتهاب) كان مخالفا لرأي الرسول الكريم حسب الوصية المدرجة في المصا در التاريخية، فقد أمرهم بالمكوث في مكانهم حال النصر أو الهزيمة !!!

يصف الواقدي عملية الإنتهاب وذلك على لسان أحد القريشين [... ثم إذا أصحابنا منهزمون، فدخل أصحاب محمَّد عسكرنا ونحن في الرِّحال، فأخذوا بنا، فكنت أوَّل من أُسر، و (أ نتهبوا العسكر أقبح إنتهاب)، حتى أن رجلا منهم قال : أين مال صفوان بن أمية؟ فقلت : ما حمل إلاّ نفقة، وهي في الرَّحل، فخرج يسوقني حتى أخرجها من العيْبة خمسين ومائة مثقال... ] / لمصدر ص 231 /
يصف هذا الرواية وهو الجاهلي الذي حسن إسلامه فيما بعد ـ نسطاس مولى صفوان بن أمية ـ يصف عملية الإنتهاب وكانها فرصة العمر !
الإيمان الإسلامي لا ينسجم مع أخلاق (الإنتهاب)، هناك تنافي، تضارب، الإيمان الإسلامي قوة أخلاقية جبارة، وبعضهم يعقد علاقة تأسيسية بين الإيمان الإسلامي والأخلاق، فيما بعضهم يعقد علاقة تأكيد وتعزيز وتعميد، ومهما يكن التفسير الصحيح، فإن الإنتهاب إذا كان لا يتضاد مع الإيمان الإسلامي بحسابه غنيمة، وربما بحسابه جزء طبيعيا من منظومة القيم في ذلك العصر، فإن مما لا شك فيه أن مخالفة وصية النبي الكريم مدعاة مبرمة ولا تقبل الشك للحكم القاسي على هؤلاء الرماة.

أن ما قام به هؤلاء الرماة ليس بدعا في تاريخ الإيمان بشكل عام، فإن من الخطأ الكبير أن نتصور أن الإيمان يخلق بعيدا عن مجمل الواقع الذي يعيش في كنفه الإنسان المؤمن، وكما أن الإيمان يؤثر في النفس الإنسانية بشكل ما، فإن النفس الإنسانية بكل ما تملك من مذخور وتاريخ تؤثر في طبيعة الإيمان، وفي مدى ثباته وزمن هذا الثبات.

إن الإيمان يمر عبر النفس، فتكون موطنه ومحالَّه، ومن العسير بل من المستحيل أن يظفر الإيمان بهذه النفس على نحو تجريدها من تاريخها كليا، ومن العسير بل من المستحيل أن يفلت الإيمان من خليط الذات بحلوه ومرِّه، هناك عملية جدل متبادل بين الإيمان كـ (فكر) ومشروع وتصور وبين البناء الداخلي للإنسان المؤمن، وبذلك يكون رائعا ما يروى عن النبي الكريم قوله الكريم (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام).
إن هؤلاء الرُّماة لم يخرجوا عن حيز الخليقة البشرية في المطا ف الآخير، ومن العيب أن نعامل الإيمان الإسلامي على ضوء تصرفاتهم ومواقفهم، فنحن لا نحكم على قيمة هذا الإيمان وعلى قوته بهذا الضعف الذي سيطر على هؤلاء الرًّماة، ليس هناك علاقة أزلية أو عليِّة بين الطرفين.
إن التعامل مع التاريخ الإسلامي وكأنه قطعة من نور متصل جريمة بحق التاريخ نفسه، فإن مثل هذا التعامل يجعل من التاريخ الإسلامي مستحيل التمثل، وينهي أي قيمة تربوية يمكن أن يرفدنا بها التاريخ المذكور.

إن معركة (أحد) قدمت لنا دليلا قاطعا أن الإيمان قد يتخلف، وقد يتضاده سلوك أهله، فإن زمن الإيمان ليس متصلا بالضرورة، فما أحرانا أن نقدم تاريخنا لأبنائنا وأجيالنا بأنه محاولة بشرية، وليس ترسيما إلهيا مسبقا و ممهوراً بقدر الإنتصار على كل حال.
معركة أحد...بين الإنتهاب والغنيمة !
فيما يروي الواقدي (مفارقة) الرّماة بلغة تكشف عن تراجع الإيمان، أو بلغة النفس العائدة إلى غريزتها الأولى، نجد صاحب السيرة لا يشير إلى مستحقاتها الغريزية هذه أبدا ! لقد وصف الواقدي (207) عملية ترك الجبل بلغة قاسية جدا، فهم في لحظة سريعة تحولوا من (حماة) إلى نهابين، فيما كان النبي الكريم قد أوصاهم أن يستمرو (حماة) على جبل (أُحد) حتى إذا خسر المسلمون الحرب ــ وسوف أعالج هذه النقطة فيما بعد بالتفصيل ــ بل إن الواقدي ينص بأن النبي أوصاهم بقوله (وإذا رأيتمونا غنمنا فلا تشركونا) / ص 229 /، أي هناك أمر صريح في ذات الغنم، فيما يروي ا لواقدي على لسان مؤمنين قبل أحد وبعد أحد أنه كانت هناك عملية (نهب) سيئة (وأنتهبوا العسكر أقبح إنتهاب)، كانت هناك معركة الكسب المادي في سياق مشهد يغري بالحكم على هؤلاء بأنهم نسوا أيمانهم، أو تحولوا إلى ذوات شرهة، وقد أدرج الواقدي اكثر من صورة تعكس لنا هذا الحيود السريع في القيم لدىهؤلاء الرّماة.

نص الواقدي دقيق ويحتاج إلى نظر دقيق أيضا، فهو على لسان النبي يذكر مادة (غنم) فيما وهو يتعرض لممارسة الرماة يسميها بـ (الإنتهاب) ! بل هي اللغة ذاتها على لسان الرماة (فقال الآخرون ـ بعض الرّماة ــ أدخلوا العسكر فاتتهبوا مع أخوانكم) / ص 229 / ولكن للأمانة العلمية أن نص الواقدي لا يعدم إشارة إلى تسمية العملية بمادة (الغنم) على لسان هؤلاء الرماة الذين قرروا النزول إلى الوادي ومشاركة أخوانهم المؤمنين هذا ا لكسب (قال بعض الرّماة لبعض : لِمَ تقيمون ها هنا في غير شيء؟ فاغنموا مع إخوانكم) / ص 229 /. فهل كان مفهومي النهب والغنم واحدا لدى الواقدي؟ أم انه إضطراب المؤرخ ليس إلا؟ أم ان الرجل أ راد بذلك معالجة الثغرة بين الإيمان والحيود عنه في لحظة مباغتة؟ على أن المقارنة بين الإستعمالين في نص الواقدي تكشف عن ميل لإستعمال مادة (نهب) أكثر وأعمق وأدق من إستعمال مادة (غنم).

الأمر يختلف في سيرة ابن اسحق، ففي قرائتنا للسيرة على لسان ابن اسحق نشاهد ما يلفت النظر في هذه النقطة بالذات، فهو لم يشر أي إشارة إلى هذه النقطة، لم يسمها لا نهبا ولا غنما ! ومن الغريب أن الذهبي (748) صاحب المغازي ينقل عن إبن هشام ما يشير إلى أن الرجل لم يعدم إشارة إلى ذلك بقوله [ وقال ابن اسحق : حدّثني حيي بن عبّاد بن عبد الله... إذا مالت الرُّماة إلى إلى العسكر حين كشفنا القومَ عنه يريدون (النَهْبَ) وخلوا ظهورنا...) / المصدر ص 179 / فيما المصدر لا يشير إلى كلمة النهب أبدا، فقد جاء فيه (إذ مالت الرُّماة إلى العسكر، حين كشفنا القومَ عنه وخلوا ظهورنا للخيل...) / ابن هشام ص 51 /، الأمر الذي يستدعي التدقيق في نقل الذهبي من الطبري، فإن ذكر هذه (المفردة / النهب) مع عدم ذكرها يثير الكثير من الإيحاءات والتصورات لدى القاري ودارس السيرة.

لقد جاء ابن اسحاق على حيود الرُّماة سريعا وبكلمة خاطفة، فيما عدم كل إشارة إلى عملية (النهب) هذه سواء بلغة النهب أو الغنمية ! فيما فصل بها الواقدي بأكثر من روا ية، وبأكثر من صورة، وبطريقة تجسيدية مذهلة، بل أكثر من كل هذا، لقد تطرق ابن اسحاق إلى خطة النبي بتنصيب الرماة بحديث مقتضب للغاية (فقال ـ النبي الكريم ـ أنضح / إدفع عنا الخيل بالنبل ـ وقوله لقائد الرّماة عبد الله بن جبير ـ لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا إو علينا...) / المصدر ص 43 / فلم يشر ابن اسحق إلى موضوع الغنم أو النهب، سواء على لسان النبي الكريم أو على لسان الرماة أو على لسان المشركين، نعم، يشير إلى أن الرماة خالفوا التعليم النبوي لا أكثر ولا أقل، دون ما إشارة إلى قصة النهب أو الغنيمة !!! وهي ملاحظة تثير الإنتباه حقا، ترى هل كان ابن اسحق في صدد تخفيف الأزمة أو الصدمة؟ ذلك أن هذا الاختلاف على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قاد إلى كوارث هزت الوسط الصحابي، فقد أدى إلى إختلاط بعضهم ببعض، ومن ثم قتل بعضهم بعضا، ثم قد أدى إلى جرح الرسول الكريم، وكسر رباعيته، وثلم شفته، الأمر الذي حمل هؤلاء الرماة مسؤولية أخلاقية ودينية كبيرة، بل موجعة ومؤذية، فهل كان إبن اسحق رواية تحفظي فيما كان الواقدي راوية إفتضاحي؟
الطبري (310) يتعرض لمعركة أحد بالتفصيل، ولكن كيف تعامل مع الخبر؟


يروي الطبري عن أبي أسحق عن البراء، قال (لما كان يوم أحد، ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين أ جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا بإزاء الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وقال لهم : لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا ظهرنا عليهم وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا، فلما لقي القوم خزم المشركين... فجعوا يقولون ـ الرماة ــ الغنيمة الغنيمة ! فقال عبد الله : مهلا...) / 3 ص 110 / فالطبري هنا يحرص على تسميتها غنيمة، وفي نص آخر يحرص على هذه التسمية بقوة (... قال الذين كانوا جعلوا من ورائهم بعضهم لبعض... ورأوا الغنائم : إنطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأ دركوا الغنيمة قبل يسبقونا إ ليها، وقالت طائفة أخرى : بل نطيع رسول الله...) / المصدر ص 111 / فهي غنيمة على لسان الطبري ولسان الرماة أنفسهم، وفي نص آخر تختلط المادتان معا، أي مادة (نهب، غنم)، فنقرا فيه [ فلما نظر الرماة إلى رسول لله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين (ينتهبونه) بادروا الغنيمة... ] / المصدر ص 112 /، وفي رواية عن الزبير يرويها نهبا بصريح الكلمة (إذ مالت الرماة إلى العسكر حين كشفنا القوم عنه يريدون النهب) / ص 115 /.
أما صاحب البلاذري فيقول عن المسلمين المقاتلين في الساحة (فأقبلوا يغتنمون وينتهبون) فيما عن الرماة يقول (وأخل الرماة، وهم خمسون ويقال اربعون، بمكانهم وأقبلوا ينتهبون)، ولكن النبي كان يسميها (غنائم) بالنسبة للمقاتلين في الميدان وليس الرماة، فهو كان يخاطب مقاتلي الميدان الذين تراكضوا وراء الغنائم بأن يلاحقوا العدو، فـ (الغنائم لكم) / المصدر ص 318 /
أما صاحب الكامل فيسمي العملية نهبا مع كلا الفريقين، المقاتلين في الميدان، والرماة (ودخل المسلمون عسكرهم ينهبون، فلما نظر بعض الرماة إلى العسكر حين إنكشف الكفّار عنه أقبلوا يريدون النّهب..) / المصدر 2 ص 153 /.

لا أريد أن أطيل بذكر مجموعة أخرى من الإسشتهادات، فهي بين هذا وذاك، وأحينا تأتي مختلطة في نص واحد، والذي أريد أن أخلص إليه هو أن النص التاريخي هنا، بل نص السيرة لم يفرق بين الإنتهاب والغنيمة، فيما لابد من فارق، وفارق جوهري، فإن الإ نتهاب حرام، فيما الغنيمة مصطلح فقهي له أحكامه الخاصة، وقد تكرس كمفهوم وأحكام في معركة بدر، ونزلت فيه أيات من سورة الأنفال ! ومن الصعب في مثل هذه الاختلاطات في فهم الكلمات والمصطلحات أن يقوم المورخ بعملية تقييم ناضجة لعمل هؤلاء الرماة في هذه النقطة بالذات، على أن ذلك يعني فميا يعنيه، إن تاريخ السيرة ملغم بالفهم الملتبس، وإلا كيف نخرج بنتيجة مطمئة لترسيم الموقف من هذه القضية؟ هل نحن بين يدي غنيمة تخضع للأحكام التي شرعت بخصوصها أم نحن بين يدي إنتهاب يعاب عليه الإنسان، ويدان أخلاقيا؟ !

معركة أ حد بين الزمني والمفارِق
قراءة السيرة البنوية الكريمة تكشف عن الكثير من المفارقات التي تحتاج حقا إلى عناية نظر، وتدقيق، وتقليب، لا أريد هنا أن اذكر نماذج من هذه المفارقات، وأقتصر على أحد شواهدها الصارخة في معركة (أحد) !
أن خبر هذه المفارقة عادي، يذكر بشكل طبيعي من مصدر لأخر، ولكن رغم كونه عاديا في التدوين، إلاّ أنه مثير على مضمونه، كما أنه مثير على صعيد المحاولات الخفية لتمريره على حاسة القا ري ا لمسلم بلا مشاكل وأسئلة محرجة.
الخبر يقع في البداية من موقع الحديث عن المعركة، كل المصادر التي تناولت معركة (أحد) تبدأ به، هو فاتحة النص في كل هذه المصادر، القريبة والبعيدة، المعتبرة والعادية.

تجمَّعت قريش لتأخذ بثأرها من محمد وأصحابه الكرام بسبب قتلاها في معركة بدر الكبرى، علم النبي بذلك ومعه هؤلاء الصحابة الكرام فقرورا إتخاذ الموقف اللا زم، موقف المواجهة بطبيعة الحال، لان قريش كانت مصرة على أخذ الثأر، وكان رأي الرسول الكريم أن يتحصنوا في المدنية، وقد علل النبي ذلك بأنه رأي رؤية لا يصح تاويلها إلا على هذا الأساس [... فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنّي قد رأيت والله خير، رأيت بقرا، ورأيت في ذُباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، فأولتها المدينة) ] / ص 41 /

لست أريد أن اتحدث هنا عن (الرؤيا) فذلك حديث أخر، ولكن بموجب هذا التأويل كما تقول الرواية حبذ النبي الكريم للمسلمين البقاء في المدينة وعدم التورط بمقابلة قريش في مكان آخر، وكان على ذات الراي ابن سلول. ولكن تقول الرواية (فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشّهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاته بدر : يا رسول الله، أخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنا جبنّأ عنهم وضعفنا...) / ص 41 /.
تقول الرواية أن خلافا حادا حصل بين الموقفين، الموقف الذي يدعو إلى البقاء في المدينة، وهو رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه ابن سلول وكبار الصحابة (وكان ذلك رأي الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار) / الواقدي ص 210 /، وكان رأي الحمزة مع رأي الذين يرون الخروج لملاقات قريش وليس من رأي الذين يرون التحصن بالمدينة (وقال رجال من اهل السنن وأهل النية منهم حمزة بن عبد المطلب، وسعد بن عبادة، والنعمان بن مالك بن ثعلبة في غيرهم من الأوس والخزرج :إنّأ نخشى يا رسول الله أن يظن عدوُّنا أَنا كرهنا الخروج جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم بدر في ثلثمائة رجل فظفَّرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير، وقد كنّا نتمنى هذا اليوم، وندعوا الله به، فقد ساقه الله إلينا في ساحتنا) / مغازي الواقدي ص 211 /

تقول الروايات أن القضية كانت محل أخذ ورد بين الرأيين حتى مل النبي الكريم من إلحاح الذين كانوا يصرون على الخروج فاستجاب أخيرا لإلحاحهم (فلم يزل الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين من أمرهم حب لقاء القوم، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته فلبس لأمته) / الهاشمية ص 42 /
الغريب أن نبي الله خالف الوحي، ذلك أن المعتقد الديني الذي نحن في كنفه وأجوائه يرى أن الرؤيا النبيوية وحي، فكيف خالف النبي الوحي؟
تقول الرواية إن بعض الصحابة كان منزعجا لموقف الرأي الثاني، أي الرأي الذي يرى الخروج من المدينة ومواجهة قريش خارجها، وفي نفس الوقت أن هؤلاء الملحين كانوا قد أستدركوا خطأهم بالندم ! فتنادوا بينهم (إستكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك) / المصدر ص 42، وأكملوا ندمهم بمخاطبة النبي الكريم (إستكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت ا قعد صلى الله عليك) / ص 42 / ولكن النبي أمضى قراراه بالخروج مجيبا على ندمهم (ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأ مته أن يضعها حتى يقاتل) / المصدر ص 42 /

ماذا يعني كل هذا المشهد؟
النبي الكريم يرى البقاء في المدينة عملا بالرؤيا... شبان متحمسون يريدون لقاء العدو خارج المدينة لعلهم يرزقون الشهادة التي فاتتهم في بدر كما تقول الروايات... أكابر من الصحابة على رأي رسول للبقاء في المدينة عملا بمنطق الوحي... الحمزة وسعد بن عبادة والنعمان بن ثعلبة مع الرأي الذي يقول بالمواجهة خارج المدينة لئلا يستجبنهم العدو وليس عملا بكسب الشهادة كما هي حجة الشباب...
لم يكن قرار النبي الأخير بالخروج من المدينة سهلا، كان الأمر محل حوار حاد كما يبدو، ومعقد إلى حد ما (... يا رسول الله ما كان لنا أن نخالفك فاصنع ما بدا لك... فقال : قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، ولا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه) / الواقدي ص 214 / وقد دخل في حومة الحيثيات العقدية، فهذا سعد بن معاذ وأسيد بن خضير يقولان للذين أصروا على الخروج (قلتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلتم، واستكرهتموه على الخروج، والامر ينزل عليه من السماء، فردُّوا الأمر إليه، فما أمركم فافعلوه، وما رأيتم له فيه هوى أو رأي فأطيعوه) / مغازي الواقدي ص 214 /.

قد يتصور بعضهم أنها مفارقة بسيطة، وهي ليست بسيطة، فإن مما يحير المؤمن هنا أن يخالف شبان مؤمنون إمضاء النبي الذي هو إمضاء الله (وما لنا أن نستكرهك، والأمر إلى الله، ثم إليك) / الواقدي ص 214.
هل هو حماس عقدي حقا؟
أم هو طمع بغنائم كما غنم آخرون في بدر؟
إن كسر الإرادة النبوية بهذه الحدة مرفوض حتى وإن كانت الغاية هي الشهادة، هناك نقص إذن في الوعي الديني الإيماني، أم أن هناك شيئا خفيا يعتمل في نفوس البعض؟
كيف يمكن أن نفهم ظاهرة الوحي لدى هؤلاء وفيهم مثل الحمزة بن عبد المطلب؟ وفيهم كبار من المؤمنين الذي عايشوا النبي وعُجنت روحهم بالتوحيد؟

مسالة ليست سهلة، وتوجب التعامل بدقة مع تاريخ السيرة النبوية، بل توجب التعامل بدقة من قضية الإيمان بحد ذاته.
افتراق الزمني عن القدسي لم ينحصر بهذه الحالة في معركة (أحد)، بل هناك ما هو أخطر وأدعى للقراءة الدقيقة، تلك هي قضية الرّماة.
فهؤلاء إرتكبوا أكثر من خطا موجع، لقد خالفوا أوامر رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم، وغلبَّوا الغريزة على المعنى، وتسببوا في قتل أخوانهم، وأحرجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان هناك حوار لم يستسلم لموجبات وإفرازات الوحي، لم يكن هناك حضور للوحي في نفوس هؤلاء الشباب المتعطشين للقتال، رغم أنهم إلى جانب من ينزل عليه الوحي، وكان هناك تمرد على تربية الوحي، على أوامر الوحي، فهؤلاء الرّماة غاب في نفوسهم وفي ضميرهم الوحي، لقد أمرهم الوحي عبر نبيه الكريم أن يمكثوا في قمة الجبل، مهما كانت الظروف، خسارة أو ربحا، ولكن الذي فاز في النتيجة الاخيرة هي الغريزة وليس الوحي.
إن تدبيج العصر النبوي بدرجات عالية من المفارقة الزمنية، والإرتفاع به إلى مستويات خارج المادة أمر أضر في قراءة التاريخ، وأسس لصنمية صحابية جاسية على الفكر، تمنعه من التسلح بالنقد، وغياب النقد يولد منظومة من قيم التبرير وقيم ا لتسقيط، وقد تدخل في الإثناء عملية التأويلات البعيدة عن الواقع، مما يضر كثرا في ا لتعامل مع الواقع بحيوية ونشاط ونضوج.