قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

توفي عضوان من مجلس (الشعب كذا؟) في حلب، هما عبد العزيز الشامي وهلال زين الدين، فما كان من المجلس إلا ومن خلال انتخابات (نزيهة!!) أن عين بدل الأبين ولدين صنوان، يشبهان الوالدان في كل شيء، كما وصف (ساندبرجر) حين دعي في يوم لتعيين رئيس دولة عربية، فقالت مجلة الشبيجل الألمانية يومها، إنه يشبه أباه في كل شيء، فهو يحب السيارات السريعة والنساء الشقراوات وقبض العمولات، ولكنه لا يفقه في السياسة حرفا.
والذي دعاني للكتابة حول هذا الموضوع رسالة انتشرت أيضا عبر الانترنت عمن سيخلف مبارك إذا طار أو مات أو خنس أو انشل وأصيب بداء باركنسون كما حصل لرفيقه بورقيبة، فجاءت لجنة فحكمت على خرفه وعجزه، وقفز إلى السلطان والصولجان من رباه، كما جاء في قصة باسيل سائس الخيل وميشيل الثالث في حكم بيزنطة.
وهي قصة سوف أسردها في نهاية هذه المقالة..
وقد ينفس الإنسان عن نفسه بعبارات، ولكن الواقع يبكي للواقع العربي، فعمق المهانة والتردي والفوضى هائلة، والانحسار عن العالم يزداد على نحو متسارع، فلا يعقل أن تتحول الجمهوريات إلى مملوكيات تذكر بأيام الملك سعيد جقمق من المماليك البرجية، أو قلاوون الألفي بدون ألف..
وهذا إن دل على شيء فهو غياب الأمة والمؤسسات، ولذا كان مصير الدول العربية اليوم بأحد اتجاهين أحلاهما مر: الديكتاتورية أو الفوضى، ونموذج العراق واضح..
وأي بديل دموي كما يقول المؤرخ (ديورانت) فهو يعمم الفقر والفوضى أكثر، ولذا كان لابد من التدريب على المقاومة السلمية العقلانية في جو لم يبق فيه عقل..
وقبل مصير العراق رأينا ذلك في مصير الصومال، وقلنا يومها أن طيران (البري) لن يعني أو وضع الصومال سيدخل ديمقراطية سويسرا، بل التفسخ والصراع الأهلي ربما إلى قرن آخر، واليوم بعد أن نفق (زياد البربري) لم تزدد الأوضاع في الصومال إلا خسفا أو مسخا أو ريحا حمراء..
فإلى أين تمضي الأمور؟؟
يبدو أن العالم العربي جثة ميتة تتفسخ تدريجيا كما يحدث في عالم القبور، فالجثة كما نعرف من التشريح الجنائي في علم الطب، تتفسخ تدريجيا بحيث أن كل حلقة من التفسخ تبدل الوسط الكيماوي إلى لون جديد يتهيأ للافتراس من ضواري الجراثيم والفطريات الخطيرة، فإذا انقضى الأجل فالتهمت حصتها هيأتها لما بعدها من دورة التفسخ، وهذا يحدث للأمم وعلى أجيال، وأنا من جيل البعث الخايب الذي أدخلنا نفقا جهنميا، ولكن البعث لم يبعث من فراغ بل هو حالة من حالات موت الأمة، وليس كما تصورها عفلق أنها رسالة الأمة العربية، بل هي رسالة الموت المؤجل..
تشبه الجملوكيات في الأنظمة الثورية، ما جرى في القرن التاسع الميلادي، فقد اعتلى عرش (بيزنطة) القيصر (ميشيل الثالث) بعد أن أطيح بحكم أمه (ثيودورا) من خلال مؤامرة حاكها عم الملك المدعو (بارداس).
وكان الأخير مثقفاً ذكياً، يحسن التصرف في أمور المملكة.
نفيت (ثيودورا) بعد ذلك إلى دير تقضي بقية عمرها فيه، بعد أن قتل الرجل الذي أحبت (ثيوكتيستوس).
وهكذا خلا الجو للملك الجديد، ولكن ميشيل الثالث كان قد تعلق قلبه بصديق له جمعت به الصدف على غير موعد، فقبل سنتين من اعتلائه العرش، كان في زيارة لإسطبل الخيل في القصر الملكي؛ فأعجبه حصان رشيق غير مروض؛ فلما اقترب منه هاج هيجاناً عظيما، لولا أن أسرع له شاب يوغسلافي مفتول العضلات تصدى له فأنقذ حياته.
شكره ولي العهد، وأمر من فوره بترقيته، من خادم في الإسطبل إلى رئيس عام حظائر القصر الملكي، وسرعان ما لمع نجم صاحبنا (خادم الإسطبل) المدعو(باسيليوس) في القصر بروحه المرحة وتواضعه.
زاد تعلق الأمير به، حتى أصبح وسائس الخيل القديم لا يفترقان؛ فأصبح نديمه في شرابه، وخليله في ترحاله، وموضع أسراره، حتى اعتلى ميشيل العرش، وتسمى بميشيل الثالث، وبدأ يبحث عن مستشار خاص له، يعينه في تدبير أمور المملكة؟
وكانت بيزنطة لؤلؤة الشرق تلك الأيام؛ فمالت عاطفة الملك باتجاه نديمه في الشراب، وهكذا رسا الرهان على خادم الإسطبل السابق باسيليوس؛ فلم يقرب عمه أو من يفهم في الإدارة والحكم والسياسة، بل صديقه الذي كان يتقن تسريج الخيل، أكثر من إدارة شئون المملكة، أو معرفة خفايا السياسة.
وفي ليلة واحدة أصبح سائس الخيل، واحداً من أشد المقربين من السلطان، وأكثرهم حظوة وامتيازاً وسطوة.
وكانت هناك مشكلة مع باسيليوس؛ فلم يكن حدود لطمعه وجشعه ودراهمه. فأغدق عليه الملك من المال القناطير المقنطرة، فأفلست خزائن الدولة، حتى جاء اليوم الذي أوحى للملك أن عمه بارداس يتآمر عليه؟
قال له: أيها الملك هذا عمك بارداس يحيك المؤامرة للإطاحة بك؛ فمن أتقنها مرة، لم تعجزه ثانية؟ قال له وماذا أفعل؟ قال وهل جزاء الخيانة إلا القتل؟ مذكرا إياه بالإطاحة بوالدته ثيودورا؟ قال له ومن سينفذ ذلك؟ قال أنا لها إن شئت؟
ذهب باسيليوس في يوم مزدحم من سباق الخيل، فطعنه بخنجر على حين غفلة من أهلها فقتله، وبعد قليل طلب باسيليوس من الملك ميشيل ترقيته إلى رئيس القوات المسلحة الملكية، بعد أن أدى الأمانة، وأنقذ العرش.
أحسن إليه الملك ورفعه، ثم زوجه أجمل بنات القصر (أويدوكسيا انجرينا)، وزاد من عطائه إلى ثلاثة أضعاف.
ثم دارت الأيام دورتها حتى جاء ذلك اليوم الذي وقع الملك في ضائقة مالية، بعد أن صفر الهواء في صناديق المملكة، بسبب البذخ والإنفاق على سائس الخيل السابق، فطلب من صديقه القديم الخادم المكدوني أن يرد له شيئا من المعروف الذي أعطاه؟
نظر إليه باسيليوس بتخابث، ورفض إعطاءه المال، وكان أثناء هذا قد أصبح رئيس الجيش، وبنى علاقات مع القوات المسلحة، ورجال القصر، والمجلس الاستشاري، بل وأصبح أغنى وأقوى من نفس القيصر.
بدأ ميشيل يصحو على حقيقة مرة، أن من صنعه بيديه، أصبح قابضاً على مصيره،حتى واجه ساعة الحقيقية بعد أسبوعين؛ عندما اقتحم رجال الحرس الإمبراطوري القصر الملكي، وأحاطوا بالملك المذعور؟
سأل صديقه باسيليوس التفسير؟ وكان مشرفاً على العملية؟ أجابه ببرود وهل أتيت لأشرب القهوة عندك؟
ثم التفت إلى الجنود وقال: لهم قوموا بواجبكم يا شباب، فطعنوه بالحراب، ثم احتزوا رأسه؛ فوضعوه على رأس رمح، ثم طافوا به شوارع بيزنطة، وهم يهتفون بحياة القائد إلى الأبد:
بالدم بالروح نفديك يا باسيليوس.

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونيه