قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

بين فتوي مفتي الديار المصرية الدكتور علي جمعة بجواز ترقيع غشاء البكارة للبنت التي فقدت غشاءها بالاغتصاب أي من دون ارادتها، وإصدار العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز أمرا بالعفو عن العقوبة التعزيزية لفتاة القطيف، خبران وحملة خجولة. الخبرالأول، مصريون يشكلون مجموعة إلكترونية لتوسيع بنطلونات البنات علي موقع الفيس بوك.. تديرها فتاة لا تنتمي لأي تيار ديني. والخبر الثاني، سعودية تهدد بطعن نفسها بعد quot;مناصحةquot; من هيئة الأمر بالمعروف.. اعترضت على أسلوب النصح بسبب ملابسها غير المحتشمة. أما الحملة الخجولة فتتمثل في مناهضة جرائم الشرف ومنع ممارسة قتل النساء بذريعة quot; غسل العار quot;، إذ أن قتل المرأة بدافع الشرف ليس جريمة عندنا بل هو رفع للعار!
في كل الأحوال فإن جسد المرأة هو محور الخبر والصخب واللغط والخطأ، و الهم الشاغل لرجال الدين والسياسة والقضاء والصحافة، في هذه البقعة الساخنة من العالم، ووصل الأمر بأن طالب بعض الفقهاء في اندونيسيا وماليزيا مؤخرا بضرورة ارتداء المرأة لحزام العفة عند خروجها من منزلها لأي سبب كان، وهو شئ شبيه بما كان يحدث في العصور الوسطي أو المظلمة ndash; كما ينعتها البعض - حيث كان الرجل إذا ما دعته الظروف إلي الغياب عن منزله فترة طويلة بسبب السفر إلي تجارة أو الذهاب إلي الحرب كان يغلق علي فرج إمرأته بسلسلة وقفل ويحتفظ بمفتاحه معه، حتي إذا رجع يفتح القفل ويطمئن أن ذكرا لم يمس فرج إمرأته.
وهو ما يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، ان quot; الجاهلية quot; وquot; العصور المظلمة quot; ليست مراحل تاريخية فحسب وإنما هي حالة ذهنية وبنية عقلية في المقام الأول، قد تتكرر في أي زمان ومكان، طالما توافرت شروط وجودها. وأن المرأة في مجتمعاتنا، رغم كل الجهود المخلصة والنوايا الطيبة، لاتزال أسيرة في سجن كبير من المفاهيم الجاهلية المستقرة في قاع عقولنا، وان مفاهيمنا عن الخطأ والخطيئة والشرف والكرامة مرتبطة بشكل أساسي بجسد المرأة، وإن شئت الدقة، مرتبطة بما بين ساقي المرأة تحديدا، حيث كانت تئد البنات مخافة ان يتلوث شرف القبيلة ان هي هزمت وسبيت نساؤها واعتدى على شرفهن.
ساهم في تكريس هذه المفاهيم المغلوطة والمتخلفة، البنية البطريركية (الأبوية الذكورية) السائدة في المجتمع العربي، وشيوع ثقافة الأستبداد والأستعباد علي مدي قرون طويلة، حسب هشام شرابي. في هذه الثقافة التراتبية الرأسية يستبد الأعلي بمن هو دونه، الحاكم بالمحكوم، السيد بالعبد، الكبير بالصغير، الرئيس بالمرؤوس، الرجل بالمرأة، القوي بالضعيف، الغني بالفقير... والقائمة تطول.
علي العكس تماما من المجتمعات الديموقراطية الحديثة التي تحكم نفسها بنفسها، وحيث تسود ثقافة الحرية والمسئولية والمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، ويصبح الصدق والأمانة والشجاعة والإخلاص والتفاني والوفاء بالوعد والعهد، هي مفردات الشرف والكرامة، التي لا تفرق بين حاكم ومحكوم، رجل أو أمراة، صغير أو كبير.
قبل سنوات، تابع العالم عبر الميديا قضية التحرش الجنسي التي رفعتها مونيكا لوينسكي علي بيل كلينتون الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية، وكان السؤال الأساسي هو: هل فعلها أم لا؟.. لأن الصدق قيمة عليا، وليس من الشرف أن يكذب الإنسان، فما بالك برئيس أكبر دولة في العالم؟.
وهو ما يثير جملة من التساؤلات المشروعة: لماذا لا نخاف الخطأ ولكن نخشي فقط افتضاح أمره؟!... لماذا نستمريء الكذب والغش والخداع في حياتنا؟... هل من الشرف أن نكذب حتي علي أنفسنا؟... هل من الشرف أن نقهر إنسان فقط لأن جنسه أنثي؟ هل من الشرف أن نسلب المرأة حقوقها حتي علي جسدها؟
المفارقة التي نحياها اليوم، أوبالأحري، نحن شهودها، هي تواجد هذه البنية العقلية الجاهلية التي تنتمي لعصور موغلة في التخلف والقدم، في صلب الألفية الثالثة التي شهدت تحولات هائلة تغير معها العالم ببنيته ومشهده، بأدواته ومؤسساته، بمفاهيمه وقيمه، فضلاً عن إيقاعه وزمنه.
ففي عصر يزداد فيه العالم ترابطا وانكماشا في الوقت نفسه، بدأت الروابط التراتبية والرأسية في الانحلال، بفعل انتشار أدوات النقل الثقافي الأفقي وتعددها، وأصبح الإعلام اليوم من قنوات فضائية وأنترنت وأتصالات عبر الأقمار الصناعية، عصب عملية النقل الثقافي الأفقي. إذ أحضر العالم كله أمام مرمي ومشهد الجمبع، وحفز الشعوب والأفراد علي مقارنة أوضاعهم وأحوالهم بأوضاع وأحوال الآخرين بإستمرار، وهو ما فتح الباب أمام الإنسان ليحلم أحلاما تفوق قدراته، ويحبط أحباطا يفوق احتماله. والواقع ان المسافة بين الخيال والواقع، بين الرغبة وقلة الحيلة، هي الميدان الذي تبرز فيه هذه الظواهر الجديدة في مجتمعاتنا، وحالة التمفصل quot; العقلي ndash; الزمني quot; تلك.
وأشير هنا إلي ظاهرتين فقط، تلخصان المشهد والمأزق، الأولي: هي إلحاح الإعلام، من خلال الإعلانات والفيديو كليب وبرامج المنوعات، علي صورة معينة للأجسام كفكرة طبيعية، وهو ما بدأ يغير نظرة الكثيرين (من الرجال والنساء، ومن مختلف الأعمار) إلي أجسادهم، وولد وعيا صحيا ورياضيا وجماليا وجنسيا جديدا، كما فجر رغبة جامحة لدي شرائح عديدة من المجتمع العربي لأستهلاك أنواع معينة من السلع والأدوات والأشياء.
من هنا وجدنا انتشارا لظاهرة نوادي الجيم في البلدان العربية، وصناعة الأدوات الرياضية، وأنواع جديدة من أدوات التنحيف وليس rdquo; التخسيس rdquo; لان التخسيس من الخسة، ونفخ العضلات، ومراكز جراحات التجميل وشفط الدهون، وزرع الشعر وإزالته أيضا، ومراكز متعددة لتصميم الملابس التي تبرز مفاتن الجسد، وأخري من أجل إخفاء كل ذلك، لكن في كل الأحوال أصبح الجسد هو محور أهتمام الجميع، شاءوا أم أبوا.
الظاهرة الثانية هي الميل المتنامي لإلغاء الفروق بين الجنسين عند الشباب، سواء في الزي أو العري، وهو تطور جديد لم يدرس بعد. فالملابس كما قال rdquo; هيجل rdquo; هي اللحظة التي يصبح فيها المحسوس (الجسد) دالا، وبالتالي حاملا لعلامات خاصة، لذا ضربت الامثال تاريخيا في العلاقة بين الجسد والملبسrlm;: فالملبس يصنع الانسان (مثل يوناني). في وطني أعرف بأسمي وفي الخارج أعرف بملبسي (عبري). ومن نعرفه ننظر إلي فضائله، ومن لانعرفه ننظر إلي ملبسه (صيني). لبس البوصة تبقي عروسة (مصر).ليس الراهب بثيابه (فرنسي). من ساء ملبسه ساءت سمعته (ايطالي).
اليوم أصبح الجسد ndash; الملبس يفقد تمايزه، نتيجه لتحرر الجسد من الملبس، فقد كانت وظيفة ربطة العنق quot;الكرافت quot;، تاريخيا، هي إخفاء العنق، وهو ما أصبح قاصرا علي الرسميات والمناسبات والأماكن الخاصة. لكن العنق يتحررالآن وتفتح قمصان الشباب الكاجوال، وبالعودة إلي هيجل فإن هذا الغياب المقصود لمفهوم الملابس ودلالاتها، وأيضا لتشابهها عند الجنسين، فإن الجسد نفسه يصبح دالا، لا ما يرتديه من ملابس.
ان ظواهر من هذا النوع يصعب معالجتها وفق تصورات ومفاهيم تنتمي للعصور الوسطي، كما انه لايجدي التعامل معها في ضوء ثقافة التعتيم علي الجسد، التي تخلط بين الجسد والجنس، وهي الثقافة التي مورست طويلا وعمرت أكثر مما ينبغي.

أستاذ الفلسفة جامعة عين شمس
[email protected]

اية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه