قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

تألقت سارة بالين، المرشحة الجمهورية لنيابة الرئيس في الانتخابات الأمريكية الوشيكة، واضطر من كانوا يتوقعون كارثة في مناظرتها مع منافسها الديمقراطي للاعتراف بأنها 'اجتازت الامتحان'، وهو أقل ما يقال، إذ أن أداءها كان شديد التميز، سواء سياسيا، أو في الهدوء، والخلق السياسي. لقد أثبتت رغم صغر سنها، وعدم طول خبرتها السياسية، عدا عامين كحاكمة لولاية آلاسكا، بأنها تتمتع بقدرة فائقة في سرعة التعلم، وكسب الخبرة، بينما منافسها جون بايدن، مرشح أوباما لنائب الرئيس، يمتلك خبرة 30 سنة في العمل السياسي، لذلك فالمباراة السجالية الأخيرة برهنت على أنها كانت متعادلة مع بايدن، وهذا التعادل، بحد ذاته، يعتبر انتصارا لبالين.
الملاحظ أن وسائل الإعلام الأمريكية المنحازة لأوباما قد شنت على سارة حملات منتظمة منذ أن اختارها ماكين، بل إن الحملة عليها صارت أضعاف الحملة على الأخير، مما يدل بحد ذاته على حسن الاختيار، وخشية الديمقراطيين من أن تكسب قطاعا كبيرا من جمهور الناخبات، والناخبين. إن السيدة بالين ليست بمستوى تجربة هيلاري، التي خذلها حزبها بكل خفة، ولكنها، رغم ذلك، مرشحة متميزة، فضلا عن دورها كأم لخمسة أفطال أكبرهم دون الثانية عشر عاماً، وخلقها العالي، وتواضعها الجم.
إن الحملات السياسية على المرشحين، وفي كل الانتخابات الغربية، ظاهرة متداولة، ولكنها اليوم تخطت حدود الأدب السياسي، وانحدرت لمستوى غير أخلاقي، فآلة الدعاية المعادية لسارة بالين قد انحدرت لمستوى مؤسف بعد المناظرة، لتركز على محاولة تجريدها من دورها كسياسية ناجحة، إلى عرضها كرمز للجنس، ولحد وضع رأسها على جسد امرأة عارية، وإن بعض قنوات التلفزيون الفرنسي أعادت المشهد إذ قد قررت سلفا الانحياز المرشح الديمقراطي. أكثر من ذلك، فإن مخرجا سينمائيا قرر العمل لإنتاج فيلم عن بالين بهذا المنحى، وكل ذلك في سياق حملة الانتخابات، التي يستخدم فيها الحزب الديمقراطي كل ما لديه من وسائل للتشنيع بالخصم، وتشويه صورته، حاله حال الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي يمتهن هذا النهج، ولا يعرف معنى المعارضة العقلانية، الهادئة، والموضوعية. نعرف أن استخدام الوسائل البذيئة ضد الخصم السياسي في الغرب ليس بظاهرة نادرة، ولكن هبوط الحملة على بالين لهذه الدرجة أمر مقزز، ويدل على الإسفاف السياسي، لاسيما وهي امرأة وأم، وذات عائلة، يمكن لهذه الأساليب البذيئة أن تخدش مشاعر زوجها، و أولادها.
نلاحظ أن اليسار الغربي، هو الذي يلجأ غالبا لهذه الأساليب، أي التشهير الشخصي، لا السياسي، والحزب الديمقراطي الأمريكي ومشايعوه هم من هذا النمط. لنأخذ مثلا الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، فاليسار، والاشتراكيون بالتحديد، وصحف الإثارة المحسوبة عليهم، قد لجئوا لاستخدام مختلف طرق التشهير الشخصي، والسياسي بسركوزي، وبزوجته اللاحقة ،كلارا، لحد إعادة عرض صورها بملابس شفافة جدا حين كانت عارضة أزياء، والتعريض بها في كل مناسبة خلال الانتخابات، في حين لم يتعرض الحزب الحاكم بشيء من هذا للمرشحة الاشتراكية سيغولين رويال. أما التشهير السياسي، فوصل في الصحافة اليسارية لوصف سركوزي بالخطر الفاشي، وعميل بوش، حتى أن بعض الكاريكاتيرات رسمته على دراجة وهو يلبس قميصا من صنع أمريكي، وعليه العلم الأمريكي.
سارة بالين إذن تخاطب العقل بتقديم الفكرة بعد الأخرى، وفقا لبرنامج ماكين الانتخابي، وعندم جاء موضوع الحرب على العراق سألت مناظرها كيف يتخذ اليوم موقف أوباما من العراق في حين أنه هو قد أيد قرار الحرب في حينه. أما عن إيران، فقد انتقدت موقف أوباما الداعي لمفاوضات مباشرة وغير مشروطة مع إيران، علما بأن مجلس الأمن، ومنظمة الطاقة الذرية، والاتحاد الأوروبي، يشترطون جميعا أن توقف إيران التخصيب أولا.
ربما تكون بالين في اجتماعات سابقة لها قد قست قليلا على أوباما، فقد أشارت مرة، وهي تستند لمقال في نيو يورك تايمز، المناهضة للجمهوريين، والمؤيدة لترشيح أوباما، إلى علاقة أوباما القديمة بأحد العناصر الإرهابية الأمريكية، بيل أيبرز، الذي كان قد أسس مجموعة متطرفة باسم [ويذر أندر غراوند]، تبنت مسؤوليتها في حينه عن عدد من التفجيرات التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الحرب مع فيتنام، ومن ذلك اعتداءات على البنتاغون، ومقر الكونجرس، ولكن أيبرز قد تخلى فيما بعد عن هذا النهج الإرهابي من العمل السياسي المعارض. بالين علقت على علاقة أوباما القديمة هذه، عندما كانا يعملان في منظمة خيرية، بقولها إن أوباما 'يصاحب إرهابيين'، وفي هذا الحكم نوع من الشطط.
أما في الموضوع الاقتصادي، فقد كررا مواقف ماكين، وأوباما، أي العموميات، دون تقديم برامج تفصيلية دقيقة، وقد اضطر أوباما نفسه للموافقة على خطة بوش لمعالجة الأزمة المالية، والعقارية المستفحلة، التي انفجرت بعد شهور من بدأ الحملة الانتخابية، لا قبلها.
إن موضوع هذا المقال ليس عن الحملة الانتخابية بحد ذاتها، ومن سيفوز، رغم قناعتنا بأن ماكين هو الأجدر بالرئاسة في ظرف تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات خطيرة، من التصعيد الروسي، فالقنبلة الإيرانية، وإلى أفغانستان، والعراق، ناهيكم عن المصاعب الاقتصادية الراهنة، ومشكلة الرعاية الصحية، وغيرها، إذ مهما تكن نتيجة الانتخابات، فإن بالين قد برهنت على جدارة عالية، وشخصية نسائية فريدة، تستحق الاحترام، والإعجاب، وليس التحامل الفج، والتجريح الشخصي من قبل وسائل الإعلام المتحيزة للديمقراطيين ضد بالين. كما أن المناظرة ذاتها برهنت، ومن الجانبين المتناظرين، على علو في مستوي الأخلاق السياسية، وآداب السجال، واحترام الرأي الآخر.
لقد كانت بحق مناظرة رفيعة المستوى، أين منها معارك برلماننا العتيد، وتهديدات رئيسه النواب بالحذاء، والاعتداء على عضو برلماني داخل البرلمان نفسه!!
أجل، كانت مناظرة تؤكد مجددا مدى رسوخ الديمقراطية الأمريكية.