قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

(2)
من مفكرة سفير عربي في اليابان
لقد أنهكت الخلافات والحروب منطقة المينا منذ قرون، ويأمل البعض الرجوع لحكمة الحوار، للتعامل مع الخلافات بطرق سلمية، بعد أن أصبح العالم قرية صغيرة، وتحولت تحدياته لتحديات عالمية في الاقتصاد والمال وزيادة السكان والتلوث والتغيرات الحرارية، ونقص الطاقة والمياه والمواد الغذائية، بالإضافة لتحديات البطالة والرعاية الصحية والتعليم. وتحتاج معالجة هذه التحديات لرؤية عالمية جديدة، وتناغم مشترك للعمل الدولي، ورفض التطرف والعنف، ومقاومة دبلوماسية عدم التحدث مع الأعداء. وقد أكد باراك أوباما بضرورة الحوار المباشر مع الأعداء وبدون شروط مسبقة. فقد تفهم هذا الشاب الماسي التي جلبتها دبلوماسية واقعية العنف، ووعى أهمية الحوار المباشر مع الأعداء للاستفادة من مهارات الذكاء الاجتماعي في تطوير التواصل الإنساني وإذابة جليد الخلاف، وللاعتماد على الذكاء العاطفي للسيطرة على انفعالات العداء والحقد والكراهية، وعلى الذكاء الروحي لفرض الاحترام على الاختلاف وتفهمه وتحويله لفرص للنجاح. والسؤال لعزيزي القارئ: هل ستستفيد دول المينا من حكمة باراك أوباما، لتبدأ الحوار في تجمع إقليمي لإيجاد صيغ مناسبة للتعامل مع القضايا العالقة؟
لقد صرح أهود أولمرت بأن الخلاف الفلسطيني الإسرائيلي أصبح، quot;المنشور الدموي الفاقد الأملquot;، الذي من خلاله ترى الدبلوماسية الأمريكية العالم، ونصح الرئيس الأمريكي الجديد بضرورة مراجعة الحلول التي طرحها الرئيس السابق بل كلينتون. وأقتنع بأن أسطورة إسرائيل الكبرى لم تعد واقعية، ووافق على المبادرة السعودية بشروط. وأكد اهود باراك بأن القيادة الإسرائيلية تناقش بجدية خطة السلام السعودية وبأن: quot;هناك فرصة لطرح خطة إسرائيلية مكملة للخطة السعودية لتكون أساس لمناقشة خطة سلام شاملة للمنطقة.quot; وصرح صائب عريقات بأن المبادرة السعودية هي خير إستراتيجية عربية قدمت كحل للقضية الفلسطينية منذ 1948. كما كرر الفلسطينيون استعدادهم ليس فقط للحوار على مشروع الدولتين، بل أعلنوا: quot;دعونا ننشئ دولة ديمقراطية، متعددة الأديان والأعراق، ولن نهتم بحدود 1967.quot; وصرح الرئيس الإيراني أحمد نجاد في مقابلة مع السي إن إن بنيويورك، بأن الحل لهذه المعضلة هي في تحول فلسطين لدولة ديمقراطية يعيش عليها جميع قاطنيها بحرية ومساواة، لينتخبوا برلمان وحكومة شرعية. فهل حان الوقت لأن يتوقف الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي في لحظة تأمل، ليتساءلا: ما هو المستقبل الذي سيحققونه لأبنائهم من سعادة ورخاء بعد ستة عقود من الصراع؟ وهل حان الوقت لتحقيق ما تمناه إسحاق رابيين: quot;بأن الإسرائيليين والفلسطينيين سيجمعون ربيع جميع مواردهم الروحية العظيمة، ليغفروا للمعاناة التي سببها بعضهم لبعض، وسينظفون الألغام التي فرقتهم لسنوات طويلة، وسيزرعونها بأراضي الرخاء.quot; وهل سيراجع حكماء إسرائيل مقولة العالم اليهودي ألبرت اينشتين حينما قال: quot;أتمنى اتفاقية معقولة مع العرب على أساس مشاركة العيش بسلام، بدل إنشاء دولة يهودية، بحدود وعسكر وبقوة معاصرة مهما تكون متواضعة، للخوف بأن الروحانية اليهودية ستعاني من قصر نظر مفهوم القومية الضيق.quot; فهل فعلا حدث ما توقعه أنتشتين؟ وهل من الممكن أن يتحقق ما تمناه رابيين؟
كتبت صحيفة هارااتز في بداية هذا العام تقول: quot;حذر أولمرت بأن العالم سيفرض على إسرائيل الحل الجنوب أفريقي إذا لم تنشئ الدولتين. فها هو يعترف بأن التوسع الاستيطاني زاد من أظهار إسرائيل كنظام عنصري. فهل من الممكن إيجاد رابيين آخر، قادر على توقيف بناء المستوطنات، ليترك للفلسطينيين مساحة كافية لبناء دولتهم؟quot; نلاحظ كيف تغير الفكر الصهيوني من فكرة إسرائيل الكبرى وأرض بلا شعب لشعب بلا أرض، لما تطرحه اليوم أشهر صحيفة إسرائيلية. فهل سيستفيد العرب من هذه التطورات بحكمة، بعيدا عن الانفعالات العاطفية والتزمت الديني، وبنظرة إنسانية تجمع بين الواقعية والمثالية وتتوسطهما الأخلاقيات، لإيجاد خيارات عادلة ومرضية لجميع الأطراف؟
لقد عانى اليهود قرونا من الاضطهاد والتفرقة كللتها النازية بالمحرقة، واستفاد المستعمر من مأساتهم لزرع الاستيطان الصهيوني، والذي واجه العرب بحروب متكررة شغلتهم عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية. وحينما وعى العرب لواقع تخلفهم، وتوجهوا لطاولة المفاوضات، تسلمت القوى الشعبية الصغيرة المتناثرة هذه المواجهة، وحولته من ساحات الحرب إلى أزقة المدن، واستفادت من تكنولوجية المعرفة. وقد عبر عن ذلك ديفيد هاول الوزير البريطاني السابق بقوله: quot;عصر الميكروشبس، بعثر القوة والمعلومة... فالصغير أصبح قاتلا، والكبير أصبح مترهلا ومعرضا....ولم يعد يسير العالم من واشنطن وبرسل.quot; فرسالة الوزير البريطاني رسالة مهمة، يجب ربطها بالتوازنات الاقتصادية والسياسية العالمية الجديدة المترافقة بدخول الصين والهند والبرازيل في المعادلة الدولية، والتطورات المستقبلية للمثلث الكوري الصيني الياباني، مع بروز القوى الغربية واليهودية المضادة لسيطرة اللوبي الإسرائيلي. وقد تحولت إسرائيل من قوة رادعة إستراتيجية ضد المد الشيوعي، لأن أصبحت عالة على الغرب، وسببا لعدم استقراره الأمني، بانتشار الإرهاب المكلف لاقتصادياته وحقوقه المدنية. ويقترح البعض بأن يستفيد العرب من هذه الفرصة لتوحيد صفوفهم، والعمل ضمن دول المينا، الغنية بمخزون الطاقة العالمي، للحوار مع إسرائيل لتغير سلوكها، وبإغرائها بالمشاركة في إنشاء سوق اقتصادية إقليمية، ومنطقة للصناعات التكنولوجية المتقدمة. لتلعب هذه المنطقة دورها من جديد في التوازنات الدولية، ولتتفرغ لتنميتها الاقتصادية والاجتماعية، وقد أثبتت التجربة الأوربية بأن التعاون الاقتصادي بين أعداء الماضي، تقي من حروب المستقبل وتحقق الاستقرار والرخاء.
فلنتدارس عزيزي القارئ خيار الدولة الفلسطينية الإسرائيلية الديمقراطية الموحدة، والتي تعيش فيها جميع الأديان والأعراق بعدالة وسلام وأمان. وكما قالها الأمير سعود الفيصل، quot;بأن الشرق الأوسط يمكنه أن يصبح واحة ينعم فيها جميع أبناء إبراهيم عليه السلام بحياة طبيعية ومزدهرة وآمنة ومتحررة من الخوف.quot; فلنتفحص كتب التاريخ ونتساءل: هل مر العرب واليهود بتجربة الدولة الموحدة؟ لنقراء عزيزي القارئ ما كتبه الصحفي الإسرائيلي اوري افيناري: quot;عاش يهود اسبانيا عصرهم الزاهر تحت الحكم الإسلامي، فكانوا وزراء وشعراء وعلماء، وترجم علماء اليهود والمسلمين والمسيحيين معا المؤلفات العلمية والفلسفية الإغريقية... وحينما سيطر الملك فرناند عام 1492 على اسبانيا...وقرر اليهود الرحيل منها، استقبلهم العرب بالأحضان في دولهم الإسلامية.quot; كما كتبت المؤرخة البريطانية كارن ارمسترونج تقول: quot;في الدولة الإسلامية في الأندلس، تمكنت الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام العيش معا بتناغم نسبي تجاوز الستة قرون.quot;
وقد أعلنت وثيقة إنشاء إسرائيل بأنها بنيت على أساس الحرية والعدل والسلام....وبأنها ستدعم العدالة الاجتماعية والسياسية لجميع المواطنين، بدون أية تفرقة دينية أو عرقية أو جنسية. ووعدت بالحقوق العادلة لجميع الموطنين العرب في دولة إسرائيل. فهل استطاعت إسرائيل تحقيق مبادئها؟ لنستمع لما كتبته كيرن ارمسترونج في كتابها، المعركة لأجل الإلهة: quot;نجح الصهاينة بأهدافهم المحدودة والواقعية والمعاصرة من أنشاء دولة اليهود العلمانية، ولكن ورطوا شعب إسرائيل في صراع لا يبدوا بأنه سينتهي.quot; وتؤكد تجارب التاريخ بأنه لن ينتهي هذا الصراع ببطش آلية إسرائيل العسكرية، بل يحتاج لحل عادل للشعب الفلسطيني التواق للحرية. فهل يتعظ الصهاينة بمقولة جون كندي: quot;القوة المؤثرة اليوم ليست الشيوعية ولا الرأسمالية ولا حتى الصواريخ الموجهة، بل هي رغبة الإنسان للحرية.quot;
ومن خير ما قرأت لحل هذا الصراع هو مقولة الكاتب الفلسطيني أدام صبرا: quot;الفلسطينيون هم جميعهم أعضاء في أمة واحدة لا يمكن أن تتجزءا، إن كانوا يتكلموا العربية أو العبرية.quot; وقد أكد الكاتب الإسرائيلي ألين بابيه في كتابه، التطهير العرقي للفلسطينيين، بأنه: quot;يجب أن تعتذر إسرائيل للفلسطينيين، بإرجاع اللاجئين، وبالتنازل عن فكرة الدولة الصهيونية وبأغلبية يهودية.quot; فمن الواضح بأن عالم الألفية الثالثة لن يقبل باحتلال شعب لأرض شعب آخر بحجة وعود أسطورية، بل ستحتاج لحل إنساني قريب للحل الذي اعتمدته الأمم المتحدة في التعامل مع نظام التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، وذلك بأن تكون أرض فلسطين أرض ديمقراطية يعيش فيها الجميع بسلام ومساواة. وقد يقترح البعض بأن هذه التسوية تحتاج لمرحلة انتقالية لخلق الثقة، وذلك بالاعتراف بدولة لشعب فلسطين أولا، يتبعها بفدرالية مشتركة، لتنتهي بتوحيد الدولتين في دولة ديمقراطية. والسؤال لعزيزي القارئ: هل سيستفيد العرب من فكرة أوباما بالحوار مع الأعداء، لإيجاد صيغ إنسانية عادلة لحل هذا الصراع والوقاية من شبح حرب نووية، لتتحول منطقة المينا لواحة للسلام والإزهار من جديد؟
سفير مملكة البحرين في اليابان