لمدة نصف قرن كان (آلن سانديج Allan Sandage 72 عاماً) يعيش حالة الإلحاد ويمارس طقوسه ويريد أن يثبت عبثية الكون؟
وقد استطاع الرجل في رحلته العلمية أن يحدد عمر الكون في رقم يتراوح حول 15مليار سنة (الأرقام الأخيرة 13,7 مليار سنة)، وبلغ من شغف الرجل بعلم الكوسمولوجيا أن أطلق عليه زملاءه لقب (سيد الكون) أو مستر كوسمولوجيا؟
والآن يعترف هذا الرجل الأشيب الذي اشتعل رأسه شيبا ووهن العظم منه بأن:quot; إن بحث الكون أظهر لي أن وجود المادة بحد ذاته معجزة لا يفسرها إلا ما هو فوق مادي؟quot;
أدلى سانديج بهذا الاعتراف في المؤتمر الذي عقد في بركلي من كاليفورنيا، حول (العلم والبحث الروحي)، حيث اجتمع كوكبة علمية من عباقرة العلوم في الفيزياء والبيولوجيا..
وفي هذا اللقاء الذي تم عام 1998م لم يكن سانديج الوحيد في هذا اللقاء الذي ضم 300 عالما من جهابذة القوم، بل كان فيه رجال من نوع (شارلس تاونس Charles Townes) الذي أخذ عام 1964م جائزة نوبل على أبحاثه في تطوير فكرة الليزر من الضوء العادي؟
وفي هذا المؤتمر قال تاونس:quot; حسب قوانين الكون المعروفة لا يمكن فهمها بدون تدخل كائن عاقلquot;
وكان الملياردير الأمريكي (تمبلتون) هو من رعى هذا اللقاء، وهو يمنح سنويا جائزة تفوق جائزة نوبل في قيمتها للأبحاث الروحية ولكن الناس لم تسمع بها..
لغز الدماغ عند الدكتور بنفيلد الكندي!
وما فعله الين سانديج وصاحبه تاونس أو الليزر، قام به آخر من كندا وهي رحلة بيولوجية في تلافيف وقشر الدماغ، تلك التي قام بها الطبيب الكندي (وايلدر بنفيلد Wilder Penfield) ـ الذي سمي شارع في مونتريال في كندا باسمه ـ حين قام بعمل استغرق نصف قرن ليثبت أن الدماغ لا يزيد عن مادة، وان الفكر لا يزيد عن إفراز كيماوي من الدماغ، وقام بإجراء تجارب مذهلة على ألف من المرضى وهم في حالة وعي كامل، بإدخال مسابر في غاية النعومة والنحافة إلى داخل جماجمهم؟ في محاولة لدراسة جغرافية الدماغ؟ ومعرفة مكان الروح والإرادة والشخصية؟ وقد وصل إلى رسم خريطة الدماغ كما فعل ماجلان في كروية الأرض، فعين كما عين الجغرافيون القارات وأنهر الملاحة والجزر النائية والممرات الحيوية وعرض المحيطات وقيعان البحار.. لقد فعل بينفيلد ما يشبه ذلك في أدمغة البشر، وخرج على الناس بعد هذا العمل العلمي الملحمي في كتاب بعنوان (لغز الدماغ Mystery of Mind) يقول فيه أن الشخصية والإرادة والروح ليس مكان في قشر المخ و(كرة أرضيته) وأن الفكر ليس مادة، وأن الروح لا تلاقي الفناء كما في المادة المخية، وحين يموت الإنسان ينفك منه شيء مختلف فيرجع من حيث جاء، فأثبت الديانة من حيث أراد نقضها..
وهو ما يذكر بقول الصوفية عن الروح وهو شعر قرأته فوق قبر في أحد مقابر الصوفية في حي الميدان في دمشق:
دفن الجسم بالثرى ليس بالجسم منتفع
إنما النفع بالذي كان بالجسم وارتفع
أصله جوهر نفيس وإلى أصله قد رجع
المعاهد الروحية
وقصة الملياردير الأمريكي (سير جون تمبلتون SIR JOHN TEMPELTON ) تعود إلى وقت سابق، فبعد أن قضى ردحاً من الزمن يضارب في البورصات، هجع عنده الجشع إلى المزيد من المال، وانقدحت في ذهنه أفكار جديدة خارج ميدان تكديس المال، وصفقات البيع والشراء؛ فجلس في جزر البهاما الهادئة يعيد ترتيب حساباته، وقد أشرف على التسعين، فكتب مجموعة من الكتب بعناوين شتى، مثل (مائتا قاعدة روحية خالدة) و(الاقتراب الخاشع) خلط فيها أفكاراً شتى، واستعار بعضها من الكونفوشوسية، وكان أهمها (قوانين الحياة على امتداد العالم) وفيها وضع فلسفته وخبرته من الحياة في مجلد بـ 500 صفحة خلط فيها أفكاراً شتى، استعار بعضها من حكمة الشرق، ويمتاز الكتاب كما وصفه المعجبون بأنه يتمتع بالحكمة العميقة أكثر من الدقة العلمية، أما خصومه وحساده فاستهزئوا به أنه مازال يضارب على نفس طريقته القديمة، هذه المرة بالأفكار.
معهد تمبلتون للعلم والبحث الروحي
(TEMPELTON FOUNDATION)
حرر تمبلتون جهده في كتبه التي وضعها في مجال العالم الروحي ولماذا لا يكتشفه العلم بدقة ويقين؟zwj;! ولكنها خطوة لم تشبع نهمه لفكرته؛ فرأى التحرك بنشاط لهذا الإلهام الطارئ، فقام باستنفار طاقة فطاحلة العلم في العالم، بإغراء مالي للبحث في الأزمة الروحية عند الإنسان، بعد أن تيبست مفاصله، واشتعل الرأس شيباً، ودلف إلى الشيخوخة؛ فعمد إلى تأسيس معهد خاص يختتم بها حياته تحت اسم (علاقة العلم بالمعرفة الروحية SPIRITUAL KNOWLEDGE) في صورة جديدة لاكتشاف جدلية (العلم والإيمان) يحمل اسمه (معهد تمبلتون للأبحاث الروحية) تحت إدارة عالم ضليع في علم الفلك (الكوسمولوجيا COSMOLOGY) هو (شارلز هاربر CHARLES HARPER).
وفي شهر يوليو من عام 1998 م أقام المعهد مؤتمراً دولياً، تحت عنوان (العلم والبحث الروحي SCIENCE amp; SPITITUAL RESEARCH) حضره علماء جهابذة من كل أنحاء العالم من جنسيات شتى في بركلي (BERKELEY) في كاليفورنيا، في ميادين معرفية من البيولوجيا والكوسمولوجيا والفيزياء، وكان بعضهم من حملة جائزة نوبل.
وخصَّص عملاق المال (تمبلتون) ثلاثة ملايين دولار لهذا اللقاء العلمي، ووضع جائزة سنوية بقيمة تزيد عن مليون دولار مما يجعلها أكبر من جائزة نوبل مالياً، لأفضل بحث اكتشافي في الدين والعلاقات الإنسانية وعالم الروح وخلود النفس وآيات الله في الآفاق والأنفس، ووضع تحت تصرف المحطة الفضائية (P.B.S.) مبلغ 190 ألف دولار للإجابة عن أي سؤال حول علاقة العلم بالله.

الانفجار العظيم وفكرة الخلق الإلهي!
ثم قفزَ العجوز (تمبلتون) باتجاه توزيع 15 مليون دولار سنوياً للأبحاث الإيمانية في كل العالم، في كل ما يعمق مفهوم (المعرفة الروحية)..
وكان ممن حظوا بالتشجيع المالي العالم الفيزيائي (باول ديفيس PAUL DAVIES) الذي قام بمزج مفهوم الانفجار العظيم (BIG BANG THEORY) بفكرة الخلق الإلهي؛ فحسب رأيه أن كل عمل يحمل توقيع صاحبه، والانفجار العظيم وبقايا الإشعاع الأساسي، الذي مازال يتقد بدرجة حرارة 3,5 فوق الصفر المطلق، كلها آيات لاشك فيها من التوقيع الإلهي على هذا الخلق البديع إن صح التعبير؟!!
وللبرهنة على فكرة الانفجار العظيم استطاع عام 1965م عالمان من شركة بيل للاتصالات اللاسلكية في أمريكا هما (ارنو بنزياس وروبرت ويلسون) أن يرصدا أثر بث منتظم لإشعاع خلفي للكون في كل الاتجاهات، مازال يعمل وبدرجة حرارة منخفضة للغاية فوق الصفر المطلق (كالفن ناقص 273,15 ـ ) بـ 3,5 درجة، مما خولهما لنيل جائزة نوبل للفيزياء على عملهما لاحقاً...
وفكرة الانفجار العظيم تخلق أمام التصور ضرباً من الاستحالة، عندما تطلب منا أن نتخيل انهيار كل قوانين الكون الأساسية؛ فلا وجود مطلقاً للمادة أو الطاقة، ولا أثر للزمان أو المكان، وليس هناك عمل للقوانين بتاتاً؟zwj;!
كأننا أمام فيلم بدون شريط، كل شيء فيه متوقف غير مرئي، ثم من نقطة (رياضية)... أكرر رياضية وليس مادية، ينفجر الكون من حيز أصغر من بروتون واحد، ليتشكل عالم المجرات، ويبدأ الزمن في التوقيت، والمكان في الوجود، والقوانين بالحركة، والطاقة بالعمل، والمادة بالتشكل؟!!
قصة أشبه بالخيال غامضة أكثر من السحر، ولكنها هي التي ترويها الكتب المقدسة بصورة مختلفة عن كون تم خلقه بعد أن لم يكن موجودا بكلمة (كن فيكون).
إن فكرة الانفجار العظيم تتقاطع عندها (الفلسفة) مع (العلم) و (الدين) ولهذا هرع الفاتيكان في خطوة ليست حكيمة للغاية، بتبني نظرية الانفجار العظيم، وتطبيقها على منظور الإنجيل للخلق؛ فلم يعي الدرس تماماً من قصة نظرية (بطليموس) في الفلك وانقلابها على يد (كوبرنيكوس) وتراجيديا غاليلو السابقة.
المبدأ الإنساني (HUMAN PRINCIPLE)
تقول العالمة (باوليني رد PAULINE RUDD) من جامعة أكسفورد (OXFORD) والخبيرة في علم (الجزيئات الحيوية MOLECULARBIOLOGY) أنها اشتغلت على هذه العلاقة بين العلم والإيمان لسنوات طويلة، في أسئلة يسكت العلم الحالي عن تعبئة شواغرها، حتى وجدت التعاطف مع أفكارها في هذا المؤتمر.
وكان من جملة المشاركين في المؤتمر العالم اللامع (شارلز تاونيس CHARLES TOWNES) الذي نال عام 1964 جائزة نوبل في الفيزياء عن أبحاثه في الليزر (LASER) كما ذكرنا، وكان يردد في هذا اللقاء: الحقائق الكوسمولوجية تقترب يومياً من تأكيد حقيقة وجود عقل مطلق خلف قوانين هذا الكون.
الشيء الذي جاء في المؤتمر في صدد الأفكار السابقة ليس جديداً؛ فالفيزيائي (فريمان دايسون FREEMAN DYSON) من جامعة برنستون (PRENCETON) يرى أن الوجود يخضع للمبدأ الإنساني، فكل المؤشرات توحي أن هذا الكون لم يخلق باطلاً وعبثاً، أو أنه بغير هدف، وبغير برمجة، أو يمشي بغير خطة مرسومة إلى قدرها فمستقر فمستودع.
بل الكون يخضع لقانون مرسوم يحركه، وغاية يمشي باتجاهها واليه المصير.
يقول (دايسون) لو اضطربت ثوابت الجاذبية قيد شعرة؟
لو مالت مؤشرات طاقة الفحم مقدار ذرة أو أصغر من ذلك أو أكبر لانهار العالم وما بزغت الحياة الإنسانية.. كما جاء ذلك في بحث في بحث فوضى الكوانتم (GOTT IM QUANTENCHAOS ) الذي نشرته مجلة دير الشبيجل الألمانية ( DER SPIEGEL ) في عددها 31 \ 1998م

الماركسية وروح القوانين
إن أعظم تحدي يواجه علاقة العلم بالإيمان، هي كيفية فهم قوانين الكون ضمن الإرادة الإلهية، إلى درجة أن المفكر المصري العقَّاد ذكر في كتابه (الله في القرن العشرين) أن مؤمني وملحدي القرن السابع عشر كانوا ينطلقون من فكرة (قوانين الكون الثابتة) ليصلوا إلى نتيجتين متناقضتين: إذا ثبت أن الأرض تدور بموجب قوانين فلا حاجة لوجود الله؟!!
المؤمنون بتصور اختفاء الإرادة الإلهية إذا وجدت القوانين الناظمة، والملحدون بعدم الحاجة للخالق لوجود القوانين، في استحالة ربط القوانين بكون منظم على قوانين خلقها رب رحيم.
إذا وجدت القوانين وجب حذف الإرادة الإلهية، وهي نفس الورطة التي وقع فيها (الماركسيون) عندما فسروا حركة التاريخ بـ (القوانين الحتمية) فأخطئوا مرتين بـ (الحتمية DETERMINISM) حيث ثبت أن الذي يحكم قوانين الوجود القوانين (الإحصائية الاحتمالية) وأن الحتميات موجودة فقط في أدمغة الرفاق الشيوعيين، ولكنهم أصابوا في نصف الفكرة التالية عندما أبصروا (روح القوانين) في حركة المجتمعات وهذا صحيح، ولكن الخطر الداهم فيه هو نفس مطب ملاحدة القرن السابع عشر، أن وجود القانون يعني إلغاء فكرة الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى.
ومن الملفت للنظر أن القرآن أصر بدون ملل على فكرة القانون (السنة) وهو عندما أبرزها وتبناها وشيَّد منها عقلاً سننيا، كان لا يتكلم عن القوانين الفيزيائية الكيمائية بل النفسية الاجتماعية، فسبق الجميع ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولكن العالم الإسلامي كان قد تحول أثناء هذا إلى حمار اليهود الذي يحمل أسفارا!!
تأمل الآية العجيبة عن معنى حمل الحمار لكل أسفار العلم بدون فائدة منها؛ فهي على ظهره وهو لا يحمل آلة الفهم، بمعنى أن المشكلة ليست في الكتب، فقد يولد إنسان في بيت عالم مليء بالكتب فلا ينتفع مما فيه بشيء؛ فالمشكلة معلقة كما نرى بالأداة المعرفية التي بموجبها يتداخل الإنسان إلى بطن الأشياء، وعندما يرى الجراح مصابا وليس معه أدواته الجراحية لن يستطيع أن يتقدم له بأي إسعاف؛ إلا بقدر الأدوات المتوفرة (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين ) سورة الجمعة الآية رقم 5

ابن خلدون وساطع الحصري
ونفس المطب وقع فيه الباحث القومي (ساطع الحصري) فبقدر ما كان معجباً بتألق عقل ابن خلدون في تعليقه على المقدمة، بقدر ما كان يتعجب من (تذييل) ابن خلدون لكل بحث بآية قرآنية، واعتذر بالنيابة عن ابن خلدون، بأنها طبيعة العقلية الغيبية التي كانت تسود العصور الوسطى؟
كتب (ساطع الحصري) في بحثه عن (دراسات عن مقدمة ابن خلدون) ما يلي:
(ولقد لقيت من يقول إن ابن خلدون ينهي كل فصل من فصول مقدمته بذكر الله وبالرجوع إلى علم الله؛ إنه يكتب في آخر كل بحث من بحوثه تقريبا.. (والله أعلم بالصواب) أو (والله يعلم وانتم لا تعلمون) أو (وفوق كل ذي علم عليم) فكيف يمكننا أن نوفق بين مثل هذه العبارات وبين (نزعة الأبحاث العلمية) التي يجب ألا تستند إلى شيء غير (الدلائل العقلية؟)
ثم يمضي (الحصري) فيعتذر نيابة عن ابن خلدون، عن هذا الخطأ الفاحش، على انه من ظلمات القرون الوسطى قبل ما يزيد عن خمسة قرون فيجب توقعها؟؟
(أما أنا فأقول لهؤلاء يجب أن ألا ننسى أبداً أن كاتب هذه المقدمة من رجال القرن الرابع عشر للميلاد؛ فيترتب علينا أن نتساءل إلى أي درجة يحق لنا أن نؤاخذ هذا المفكر ونلومه على ما كتبه حول هذه الأمور، وفي هذا الصدد قبل مدة تزيد عن خمسة قرون ونصف؟)
كذلك رأى الحصري شيئا قريبا من هذا عن المؤرخين فقال:
( ويجوز لنا ألا نستحسن الخطة التي سار عليها ابن خلدون في الإشادة بعلم الله وقدرة الله في آخر كل فصل من فصول المقدمة غير أنه يترتب علينا ألا ننسى أبدا بان عددا غير قليل من المفكرين في أوربا عملوا مثل ذلك).
فات الحصري أن اجتماع هذا بذلك ممكن، وأن افتراض القانون لا يعني إلغاء الله.
إن الله منظم ودقيق ويحب الجمال أكثر مما نتصور، في عقل لانهائي مطلق.
هذه الفكرة دشنها مؤتمر بركلي حين قال:
quot;لقد بدأ العلم ينقل مواقعه من علم النظر عن بعد إلى علم الدين (FROM TELE-LOGY TO THE THEOLOGY).
فكرة القانون والحرية
إن من أعظم المشاكل العقلية التي تواجه علاقة الإيمان بالعلم فكرة القوانين!
إذا كان الكون يقوم على القانون في كل مستوى أو بتعريف القرآن (السنة) فهل تحول الكون بهذه الطريقة إلى ساعة عملاقة ضخمة كما رآها نيوتن العقل الفيزيائي الجبار؟
أو كما رآها العالم (سيمون لابلاس) الذي كان في حملة نابليون على مصر، وكان أول من كتب عن (الثقوب السوداء BLACK HOLES) في موسوعته الضخمة عن الأجرام السماوية، حينما أجاب نابليون بالنفي عن سؤاله عن الله في نظامه الذي وضعه؟!
أو هل الكون مبني على محض الصدفة واللا قانون والاضطراب كما يتصور البعض ممن لمن يستوعب (ميكانيكا الكم QUANTEM PHISYIC) حيث يحكم قانون (الارتياب أو اللا تعيين UNCERTAINITY PRINCIPEL)؟
أو على الشكل الذي وضعه المؤرخون تحت قانون (أنف كليوباترة) فجمالها سلب قلب (انطونيوس) فتغيرت أحداث التاريخ من وراء أنفها الساحر، إلى درجة أن مجموعة من المؤرخين عكفوا على دراسة هذه الظاهرة فوضعوا كلمة (لو)، وهكذا حذفوا شخصيات تاريخية مهمة مثل بسمارك ونابليون ولينين وحاولوا تصور زخم الأحداث واتجاهها لو لم يأت هؤلاء الأفراد الذين غيروا التاريخ، كما يدرس تصرف الإلكترون في طوافه حول الذرة هل هناك ناظم أو قانون للتاريخ؟

تفاعل (السلاسل السببية)
هل التاريخ ينعطف بأحداث فردية أم يتبع قوانين ثقيلة لا نعرفها على وجه الدقة؟ بكلمة تالية هل هناك قانون ينتظم مستويات الوجود سواء الذرة أو المجرة؟ الفيزياء أو تغير المجتمع؟
وإذا كان كذلك فأين الإرادة الإلهية في كومة هذا الأحداث المعقدة المتشابكة؟
هذا السؤال مصيري ويشكل نقطة تقاطع الفلسفة مع الفكر العلمي مع الأديان، وستكون هذه النقطة تعانق وزواج أو طلاق وفراق؟!
وهذه المعادلة هي أهم بما لا يقارن مع معادلة آينشتاين حول علاقة الطاقة بالمادة، وفي اللحظة التي يصبح العلم والدين وجهان لعملة واحدة ويمتزجان؛ فلا نفرق بين الأول والثاني؛ ستكون أعقد وأخطر نقاط التحول الإنساني تم حلها، وهي جدار لا يقوى على تسلقه أحد حتى اليوم تماماً، على الأقل بسهولة.
وربما كنت في كل كتاباتي وطموحي، أن أجمع في نقطة واحدة ذات محرق تركيز عالي بين هذه العوالم الثلاث، بحيث نجمع بين عمق الفلسفة وزخم العلم وروحانية الدين، في نشيد واحد بين القلب والعقل.

نقطة تقاطع الفلسفة والعلم والدين
هذه محاولة قديمة حاولها العديدون. وفشل فيها الأكثرية لضخامة المهمة وتشابك العلاقات، وتأخر العلم الإنساني عن التكنولوجي..
فمثلا حاول نديم الجسر عبور جسر من هذا النوع عندما كتب (قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن).
وحاول معهد (تمبلتون TEMPELTON) حل هذه الإشكالية بطريقة مختلفة؛ فمن عمق الرحم العلمي يحاول فهم جدلية القانون والإرادة...
تعانق الضرورة والحرية
لو حلت هذه المشكلة لانقلب العالم إلى شكل مختلف تماماً، وهذا ما حاول حله العالم (جون بولكينج هورن JOHN POLKINGHORNE) العالم بفيزياء الجزيئات دون الذرية وميكانيكا الكم، عندما نظر إلى الوجود باعتباره نظاماً غير ثابت (INSTABILE) يتضمن متغيرات (متكافئة متزاحمة) تفترض تطوراً في الأحداث لا يمكن التكهن به، في مملكة للفوضى وآليات خفية من الصدفة والسبرنيتية، على حد تعبير الفيزيائي (ليونارد راستريغين THIS CHANCY, CHANCY CHANCY WORLD by L. RASTRIGIN) فبقدر اليقين بنزول قطعة النقد المعدنية التي ألقيها في الفراغ إلى الأرض ثانية، بقدر غموض الوجه الذي ترسو عليه، في جدلية تركيب الكون وتشابك الأحداث، وهي نفس المسلمة التي خرج بها الفيزيائي الألماني (فيرنر هايزنبرغ) سابقاً باكتشافه مبدأ اللايقين، العمود الفقري لميكانيكا الكم وصناعة الالكترونيات الحديثة، حينما قال إننا لا نستطيع أن نعرف وفي اللحظة الواحدة مكان وسرعة الإلكترون؟!
إذا عرفنا السرعة طارت من يدنا إمكانية تحديد الموضع، والعكس بالعكس؟!

لا منطقية العلم؟
إن الكون يقوم على علاقات سببية في سلسلة لانهائية عند تأمل أي حدث! أنا عندما أسير في الطريق بسبب، ولكن عندما تصدمني سيارة تقوم هي بسببها الخاص بها، ولكن لا علاقة واضحة بين سيري وصدمه لي؟!
هذه المسألة ناقشها بعمق أيضاً باقر الصدر في كتابه فلسفتنا!!
وعندما شن هتلر الحرب، أو عندما اجتاح صدام الكويت، هل كان خاضعاً لعمل عقلاني تماماً؟؟
هناك لا منطقية في التاريخ والعلم على ما يبدو؟!
وعند هذه النقطة بالذات حاول مؤتمر بركلي حفر أرض المعرفة هنا، واكتشاف طوبوغرافيا وجيولوجيا المنطقة العلمية؟؟
ويزعم (بولكنج هورن) أنه وضع يده على الموضوع بمزج فكرة القانون مع التدخل الإلهي، وحل العقدة المستعصية القديمة في الجمع بين كون مبرمج، وراءه عقل مطلق لانهائي، رفيع الدرجات ذو العرش، وبين قوانين ثابتة ينتظم الكون من خلاله في نبضات موحدة ماضية إلى أجل مسمى.
إن الكون يقوم على سنة الله في خلقه، وهناك تدافع لانهائي من السلاسل السببية، ولكن سير الأحداث يتم من خلال هذه الإرادة اللطيفة غير المرئية، التي تغلب احتمالاً على آخر ضمن السلاسل السببية؟!

قانون الحب وقانون الرياضيات
هذه النتيجة التي وصل إليها عالم الجزئيات دون الذرية، لا تعني أنه أجاب على الأسئلة اللانهائية للعالم الذي نعيش فيه، ولكنه حاول الاقتراب ـ كما يقول المعهد ـ من فهم الكون، ليس على صورة رياضيات جامدة وقوانين عمياء؛ بل الله الخبير العليم يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، رحيم بعباده يغفر الذنوب، في صورة عالم يمتلئ بالخير والرحمة والمعنى ويحتوي مشاعر الإنسان.
حاول معهد (تمبلتون) أن يقوم بتطبيقات ميدانية على تكريس هذا الاتجاه؛ فعمد إلى دراسة موسعة خصص لها مائة ألف دولار عن التسامح في الجماعة (FORGIVNESS) تقدم إليها 29 مرشح بورقات بحث تحمل عناوين من نوع (كيف تتفاعل الشمبانزي مع الأحداث السلبية؟) و (تنشيط آليات التسامح في نشاط الدماغ عند ضحايا العنف) و (الجماعة والتسامح تحليل نظري) وأجمل دراسة قام بها أحد رجال معهد (العقل ـ الجسم) من جامعة هارفارد هو (هربرت بينسون HERBERT BENSON) الذي نشر كتاباً عن (الصلاة والشفاء) وقام بدراسة أثر الدعاء عند المرضى، بتسجيل آلاف الحالات لأناس دعوا لغيرهم من المرضى بدون ملاحظة المريض، وأخذت هذه الدراسة الموسعة سنوات من الجهد وسيعلن عن نتائجها.
ويكفي أن نقول في نهاية البحث كلمتين الأولى: جدية الأبحاث الروحية الناشطة في العالم لاكتشاف العالم خارج المادي، والثانية: ورد في الحديث أن الدعاء له ثلاث صور استجابة: استجابة فورية أو متأخرة، أو تحفظ له، أو يدفع بها عنه من الشر ما يكافئه.
ولكن هل فهمنا الإنسان حقاً؟
ومع هزيمة كاسباروف لاعب الشطرنج الدولي أمام الكمبيوتر (الأزرق العميق DEEP BLUE) خامرت بعض العقول أفكاراً في إمكانية إيجاد الذكاء الإنساني في الآلة الصماء، بل وحتى التقدم لقيادته، ولكن أبحاث الذكاء تثبت مع كل جولة أن الإنسان وفهمه أعقد بكثير مما يخطر على بال، وأن تصور الدماغ الإنساني على أنه كمبيوتر عضوي فيه الكثير من التبسيط والسطحية، ومع اختراق كل فضاء معرفي جديد، يتم كشف جزيرة صغيرة في بحر لجي متلاطم لا عمق لقعره ولا حدود لشواطئه؛ فمع بزوغ فجر الفلسفة أمكن وضع اليد على بعض المفاتيح البسيطة، وعندما تم تطوير نظرية فراسة الجمجمة (الفرينولوجيا) ظن المشرح الألماني (جال GALL) أنه وضع يده على الكنز المخفي، ولكن الذي ثبت أنه كان يبحث في حجرة فارغة، ثم تقدم علم النفس بمدارسه المختلفة لدراسة تصرفات الانسان من الخارج، فاعتبرت المدرسة السلوكية العقل أعمى، وكرامة الانسان خرافة، وحريته وهم، ودرسته على شكل نموذج الجرذ والحمام، وعند مدارس النفس التحليلية درس على شكل شحنة غريزة أو نموذج الآلة، بالكشف عن المنعكسات الشرطية (CONDITIONED REFLEX).
ولكن الانسان ليس جرذاً، وهو أعقد من آلة صماء، وأرفع من بخار الغريزة.

الصعود على ظهر شعاع الشمس؟
وراهنت علوم الأعصاب (NEUROLOGICAL SCIENCES) على فهمه كيمائياً وفيزيائياً من الداخل، بواسطة تسخير علوم شتى من تصوير نشاط الخلايا العصبية وتفاعلاتها الداخلية بالنشاط الالكتروني والحقل المغناطيسي، ولكنهم كرروا قصة العميان الأربعة مع الفيل. ويراهن علماء الذكاء الاصطناعي أن يفهموا نموذج عمل الدماغ بتقليده بواسطة الكمبيوتر، وهناك مشاريع خرافية الآن للتقدم في هذا الطريق، من نوع الجبل المعرفي في مشروع سايك CYC - PROJECT للعالم دوج لينات (DOUG LENAT) الذي شحن فيه كمبيوتر متقدم بثلاثة آلاف حقل معرفي، من خلال تغذية استمرت عشر سنوات لم يكشف عن نفسه إلا أنه جهاز ميت أكثر من أهرامات خوفو العملاقة؟!
وتراهن العالمة (روزاليند بيكارد ROSALIND - PICARD) على دمج التحليل العقلي مع العواطف، وإدخال كل ذلك إلى بطن الكمبيوتر؛ حتى يتحول بزعمها إلى كائن ذكي، ولكنها مثل الذي راهن على الصعود إلى السطح على ظهر شعاع شمس، وهو يقول: شولم شولم سبع مرات كما ورد في قصص كليلة ودمنة، فوقع ودقت عنقه؟.

تسخير العلم للايديولوجيا؟
وحاولت مدارس اختبارات الذكاء المراهنة على كشف الذكاء الداخلي الخفي، عن طريق ابتكار نظام أسئلة سهل، بالتعاون مع مستشفيات الأمراض العقلية لتحديد نسبة الذكاء، فكان مثلها كالأعمى الذي يقود أعمى، فكانت النتيجة أن الاثنين وقعا في الحفرة، وهكذا وقعت هذه المدرسة في النهاية في حفرة قاذورات العنصرية والتفوق العرقي، عندما زعمت أن الزنجي يحمل عقلاً طفلياً لا يتجاوز ثلاثة عشر عاماً.
وتحاول المدرسة المعرفية (COGNITIVE SCIENCE) الآن المراهنة على دمج مجموعة كبيرة من العلوم للاقتراب بشكل أفضل من فهم الانسان، كما حدث في المظاهرة العلمية الضخمة في مؤتمر تاكسون في أريزونا، عندما احتشد عشرين ألف عالم من حقول معرفية شتى، من الفلاسفة وعلماء الالسنيات وعلماء النفس والمعلوماتيين وأطباء الأعصاب والروحانيين وعلماء الأجناس وخبراء الذكاء الصناعي، بدون القدرة على وضع الإجابة عن سؤال بسيط من يكون أنا؟ لأن الجواب على هذا السؤال يعني الدخول إلى نواة المعرفة والكنز المخفي والعلم المستتر ومفتاح فهم الخليقة.

حماقة جحا
هل يعني هذا أن المعرفة مستحيلة والإنسان كومة ألغاز؟
والجواب إن العلم يحرز انتصارات على جبهات شتى من خلال مبدأ الحذف والإضافة، ولكن المشكلة التي يتعامل معها معقدة في مستويين: تعقيدها الخاص وطبيعة الدينامية النامية فيها، فهو في الوقت الذي يضع يده على بعض الأسرار، يفعل بأشد من حماقة جحا، عندما يفتح على نفسه مزيداً من الأسئلة والأسرار، كما في فتح ثقب في جدار سور، يحجز بحيرة معرفية لانهاية لها، في حركة جدلية لانهاية لها على ما يبدو، ولكن ضعف وقوة وذكاء وحماقة الانسان كلها تختصر في هذه النقطة..
وكان الانسان أكثر شيء جدلاً.
التحام الحرية بالضرورة واندماج القانون بالارادة
إن (الكوانتوم) ميكانيكا الكم (QUANTUM PHYSIC) تقرب إلينا فكرة الدمج بين الحرية والضرورة، وتعانق القانون والإرادة، وفكرة النسبية (RELATIVITY THEORY) قربت إلينا فكرة الخلود من خلال توقف الزمن، وتطور السلاح النووي ( NUCLEAR WEAPON ) أدخلنا عصر السلام من حيث لا نشعر، في تناقض محير ومخرج غير متوقع عكس ما أريد له منه، تحقيقاً لدعوة إبراهيم عليه السلام، لقلب السنة كلها أشهراً حراماً لا يسفك فيها دم الانسان، وتحويل الكرة الأرضية إلى كعبة كبيرة حرما آمنا..
وتطور أجيال الكمبيوترات الفظيع (COMPUTER GENERATION) قرب إلينا معنى كتابة الأعمال وإحصاءها (مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة الا أحصاها)...
وفكرة الانفجار العظيم (BIG BANG THEORY) وانطلاقها من نقطة رياضية متفردة، حيث تنهار كل قوانين الكون الفيزيائي البيولوجي الذي نعرفه فلا مادة ولا طاقة، لا زمان ولا مكان ولا قوانين، ثم ينفجر الكون في كرة نارية هائلة، في أقل من سكستيليون من الثانية (واحد على عشرة قوة 36 واحد من مليار مليار مليار مليار (مليار أربعة مرات) من الثانية) في حيز أقل من بروتون واحد، في انفجار يفوق ويعطل كل تصور، تقرِّب فكرة الخلق الإلهي ولا تعنيها على وجه الدقة والتحديد.
ومن علم الأرض (الاركيولوجيا والباليونتولوجيا وحفريات الجينات علم الباليوجينيتيك PALEOGENETIC) أمكن استنطاق الأرض والمستحاثات والعظام والجماجم فحدثت أخبارها، وتكلمت بلغة بينة بدون شفة ولسان، وأمكن استنطاق الشجر فباحت بأسرارها فعرفنا عمرها وسنوات العجاف والجفاف التي مرت بها ومحن الطبيعة التي عاصرتها. ومن أبحاث علم الانثروبولوجيا علم الانسان (ANTHROPOLOGY) وتقدم علم الالسنيات (LANGUISTICS) وتدشين علم جديد في دراسة (الميتوكوندريا MITOCHONDRIA) في الخلية أمكن معرفة وحدة الجنس البشري، وأن أمنا حواء جاءت من شرق أفريقيا، قبل أن تنتشر قبل 65000 خمس وستين ألف سنة إلى الشرق الأوسط، وقبل 35000 سنة في أوربا، قبل أن يصل انتشار وزحف الجنس البشري إلى أمريكا عبر مضيق بهرنج، قادماً من آسيا مخترقاً ألاسكا، ثم كلا الأمريكيتين قبل 12000 سنة..
ومن تقدم علم التشريح والنسيج ومعرفة كم الترابط الفلكي المرعب بين خلايا الدماغ العصبية (النورونات NEURONS) الى ما فوق الجوجول (عشرة قوة فوق مائة 100) الذي يفوق عدد جزيئات كل الكون (عددها عشرة قوة 88) يقرب من فهمنا معنى الكمالات ( كمونياً POTENTIAL) المرشح لها التقدم الإنساني وزيادة الكم المعرفي بأفضل من صراع التماسيح وعراك الديكة، التي نراها في الصراعات الإنسانية أفغانستان وجورجيا والعراق والبوسنة..
إنها صفحات مخجلة في التاريخ الإنساني..