قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فكرة quot;نهاية التاريخquot; ولدت في أعمال quot;نيتشهquot;، في المسافة التي تفصل الجزء الثاني من quot;خواطر في غير أوانها.. في منفعة التاريخ للحياه وضرره quot; عام 1874، عن مجموعة مؤلفاته التي بدأها بعد ذلك ببضعة أعوام: بquot; إنساني، إنساني جدا quot; عام 1878، والتي تضم quot; فجر quot; عام 1880، ثم quot; العلم المرح quot; عام 1882.
ففي quot;خواطر في غير أوانهاquot; يطرح نيتشه للمرة الأولي قضية quot;التبعيةquot;، أو ذلك التطرف في الوعي التاريخي الذي يحاصر الإنسان، ويمنعه في الوقت نفسه من ابتكار أي تجديد تاريخي حقيقي. (1).
وهو يشير إلي التضخم quot; التاريخي quot; أو حمي التاريخ التي أصابت ألمانيا في القرن التاسع عشر، بسبب ذيوع النزعة التاريخية التي أعلت من شأن فكرة التطور. ويعيب نيتشه علي رجال التاريخ quot; الذين يعتقدون أن معني الوجود يتجلي شيئا فشيئا خلال التطور، في كونهم لا يلتفتون إلي الوراء إلا لكي يفهموا الحاضر انطلاقا من التطور السابق. إنهم لا يعلمون أنهم بالرغم من معرفتهم التاريخية، فإن أفكارهم وأعمالهم بعيدة عن التاريخ quot; (2).
إن quot; التبعية quot; تمنعهم من امتلاك أسلوبهم الخاص، إلي درجة أنها تقصرهم علي استلهام كل شئ من الماضي، الذي تحول بالنسبة لهم إلي مخزن كبير للملابس المسرحية. وهو ما يصفه نيتشه بالمرض التاريخي الذي يصعب الشفاء منه.
بيد أن كتابه quot; إنساني، إنساني جدا quot; هو الذي أحدث تبدلا عميقا في موقفه من quot; المرض التاريخي quot;، فإذا كان في كتابه quot; خواطر في غير أوانها quot; عام 1874 كان يرقب بفزع (إنسان عصره) وهو يعود للماضي ويجتر أساليبه اجترارا، فإنه في بداية عام 1889 كتب واحدا من الخطابات الهاذية التي بعث بها إلي صديقه الفيلسوف الألماني quot; بوركهارت quot;، يقول فيه: quot; في واقع الأمر، أنا كل أسماء التاريخ quot; (3).
ورغم أن هذا التصريح قد جاء أثناء الانهيار النفسي الذي لم يشف نيتشه منه حتي وفاته عام 1900، فإنه يضئ موقفه الجديد تجاه التاريخ منذ كتابه quot; إنساني، إنساني جدا quot; عام 1878. ففي هذا الكتاب الأخير يطرح نيتشه تصوره لما يمكن اعتباره شفاء من المرض التاريخي بصوره جديدة ومبتكرة للغاية، أو فلنقل نهاية quot; الحداثة quot; ونهاية تصور التاريخ المرتبط بها، وذلك بتحليل الاتجاهات والعناصر التي تتشكل منها.
فإذا اعتبرنا أن الحداثة تتميز بأنها حقبة التجاوز والجدة التي تهرم مع الوقت وتترك مكانها لجدة أكثر حداثة منها، في حركة لا تنضب، تثير اليأس أمام كل طاقة خلاقة بإصرارها علي فرض quot; الحداثة quot; علي انها الإنموذج والشكل الوحيد للحياة، فإن الخروج من دائرتها عن طريق quot; التجاوز quot;، يصبح أمرا مستحيلا.
لذا رأي نيتشه أن quot; التجاوز quot; فكرة حداثية أصيلة، لا تستطيع أن تخرجنا من الحداثة، التي لا تتأسس فقط انطلاقا من فكرة التجاوز الزمني: بمعني تتالي الظواهر التاريخية والأحقاب والمراحل الزمنية، والتي يعيها الإنسان من خلال أكداس الكتب التاريخية، وإنما تتأسس أيضا عن طريق تسلسل شديد الصرامة من خلال فكرة quot; التجاوز quot; النقدي ذاتها. (4).
من هنا فإن قرار quot; نيتشه quot;: إجراء نقد للقيم الكبري عبر quot; الجنيالوجيا quot; أسفر في النهاية عن quot; تحلل quot; قيمة quot; الحقيقة quot; ذاتها، ذلك لأن الاعتقاد بتفوق الحقيقة علي اللاحقيقة أو quot; الخطأ quot;، هو اعتقاد مبني أساسا علي قناعة بأن الإنسان يستطيع معرفة الأشياء في ذاتها، لكن quot; الجنيالوجيا quot; تكشف عن انها محض سلسلة من الاستعارات والتأويلات، مما يجعل مجرد إدعاء المعرفة مستحيلا.
وعن طريق تحلل مفهوم quot; الحقيقة quot;، يصبح قول نيتشه: quot; موت الإله quot; في الشذرة (125) من كتابه quot; العلم المرح quot;، هو المحصلة النهائية لبلوغ التحليل آخر مداه. وحسب quot; هيدجر quot;: quot; فإن فكرة quot; موت الإله quot; لا تنصب علي الإله المسيحي، ولا علي آلهة الأديان بوجه عام، بل ان المقصود بها هو (عالم ما فوق المحسوس) وعالم الميتافيزيقا والمثل بوجه عام quot; (5).
فهو في عبارته الشهيرة: أن الله قد مات، لا يعبر عن موقفه الشخصي في الإلحاد فحسب، بل يعبر عن اعتقاده بأن العالم الآخر، بكل صوره الفلسفية، فقد دعامته وإنهار من أساسه. وبفضل هذه النتيجة quot; العدمية quot; يمكن الخروج ndash; حسب نيتشه ndash; من quot; الحداثة quot;، مادام مفهوم quot; الحقيقة quot; لم يعد قائما، ومادام قد زال كل أساس للاعتقاد في quot; الأساس quot;، وتم إلغاء البحث عن quot; الأساس quot;، فلن نستطيع الخروج من الحداثة بتجاوز نقدي، وإنما يجب البحث عن مخرج آخر.
هنا بالتحديد سنعثر علي (لحظة ميلاد ما بعد الحداثة) في الفلسفة، وهي اللحظة التي لم ندرك بعد كل مدلولاتها وأبعادها.... والتي سنتوقف أمامها طويلا في المقال القادم.
هوامش:
1- جياني فاتيمو: نهاية الحداثة ndash; الفلسفات العدمية والتفسيرية في ثقافة ما بعد الحداثة، ترجمة: فاطمة الجيوشي، منشورات وزارة الثقافة بالجمهورية العربية السورية، دمشق 1998، ص: 184.
2- المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
3- المرجع نفسه، ص: 185.
4- المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
5- فؤاد زكريا: نيتشه، سلسلة نوابغ الفكر الغربي (1)، دار المعارف، 1956، ص: 39.