قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تطورت في العراق حركة ثقافية نشطة كان من بين اهدافها الرئيسية تكوين ذاكرة تاريخية عراقية تكون مصدر الهام لأي عملية تطور وتقدم وتحول ديمقراطي ومناهضة للهيمنة الاستعمارية والتمهيد لقيام مجتمح حديث ونظام اجتماعي وسياسي جديد يحمل ذهنية اصلاحية متفتحة، وذلك لان النخبة الحاكمة التي ارتبطت مصالحها بالاستعمار البريطاني بقيت بعيدة عن بلورة خطاب ثقافي يعكس التعدد والتنوع في تركيبة المجتمع العراقي، مما دفع الحركة الوطنية بصورة عامة والطبقة المثقفة بصورة خاصة الى التفكير في محتوى الذاكرة التاريخية وابعادها في معالجة القضايا المصيرية. وقد دفعتهم التساؤلات الى الغوص في اعماق التاريخ العراقي القديم والمتوسط والحديث ودراسته والتنقيب عن مكامن القوة والضعف فيه ليستمدوا منه الالهام والقوة واخذ عدد كبير منهم يعيد قراءة التاريخ والتراث من جديد. وقد لعبت مجلة سومر دورا هاما في نشر عدد مهم من البحوث العلمية حول كنوز العراق الاثرية وكذلك مجلة كلية الآداب ومجلة المثقف والثقافة الجديدة في العراق وغيرها من المجلات التي كانت تصدر في بغداد والموصل والنجف وغيرها وكذلك مجلة الاداب في بيروت والمجلات المصرية في نشر احدث الابداعات في الفكر والادب والفن. كما اخذ ادباء وشعراء وفنانون ومفكرون يقرأون التراث العربي- الاسلامي من منطلق علمي ونظرة معاصرة ويحاولون ربط التراث بالمعاصرة في وحدة جدلية.

ومن الناحية السياسية رفعت الاحزاب الوطنية والقومية والديمقراطية شعارات الوحدة الوطنية والتآخي بين القوميات والاديان والطوائف وكذلك تحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق توزيع الثروات بعدالة والدعوة الى اصلاح نظام الملكية وتطبيق الاصلاح الزراعي وتشريع قوانين عمل تقدمية لتحقيق رفع الفوارق الطبقية ورفض التعصب القومي وتوزيع العدالة الاجتماعية. غير ان خطاب وعمل الحركة الوطنية والقومية عموما كان قد عجز عن تطوير قاعدة شعبية حقيقية ومتينة وتحويلها الى ممارسة واقعية وتخطيط وتنظيم يهدف الى تحول ديمقراطي حقيقي يساعد على قيام نظام سياسي مدني يمثل جميع الفئات والاثنيات والطبقات والطوائف الاجتماعية.

كما واكبت حركة اعادة كتابة التاريخ والذاكرة العراقية حركة تجديد ثقافية زاخرة بالمنجزات الفكرية لعبت دورا هاما في عملية التغير والتغيير الاجتماعية والسياسية والثقافية ولاقت منذ منتصف الاربعينات صدى واسعا بين المثقفين والمتعلمين وتضمنت عناصر في غاية الاهمية من حيث التجديد والتحديث، رغم بقاء العلاقات الاجتماعية والسياسية التقليدية دون تغيير يذكر.
ومثل العديد من حركات التجديد الثقافية والادبية والفنية الرائدة التي هدفت الى تغيير المجتمع كله، حملت حركة التجديد الشعرية في ثناياها ثورة على الشعر العربي العامودي وقواعد العروض امتدت الى بقية الدول العربية وكذلك ثورة على التقاليد والاعراف، مثلما حملت رؤى مستقبلية شاملة لمجتمع تعددي تستطيع فيه كل الفئات ان تعبر عن نفسها ثقافيا، منطلقة من رؤى نقدية تتخطى الشكل الى المحتوى وتطال الموروث الثقافي والاجتماعي وتتحدى المسلمات السائدة، التي قامت على ايدي الرواد الأوائل نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي وغيرهم.كما استمرالشعراء العراقيون الكبار كالجواهري والرصافي والشبيبي وغيرهم على مواصلة عطائهم.

وكان لدار المعلمين العالية قصب السبق في نشر الفكر الحديث وذلك لانها كانت، الى جانب دورها التربوي والتعليمي، مركزا فكريا واجتماعيا وثقافيا جمع منابع التراث مع المعاصرة ولقحهما معا، مثلما تأثر بالحركات والمدارس الفكرية الجديدة في الغرب من جهة، وفي العالم العربي من جهة اخرى، وقد اعقبتها كلية الآداب بدور تعليمي وثقافي ريادي.
كما كان لمعهد الفنون الجميلة منذ مطلع الخمسينات دور بارز في النهوض بالحركة الفنية في العراق.حيث تطورت الفنون التشكيلية والمسرحية الحديثة وظهرت حركات وجمعيات فنية وفرق مسرحية من بينها جمعية التشكيليين العراقيين في بغداد التي اسسها خالد الجادر وجماعة الرواد التي اسسها فائق حسن وجماعة بغداد للفن الحديث التي اسسها جواد سليم والانطباعيين التي اسسها حافظ الدروبي وفرقة المسرح الحديث التي اسسها يوسف العاني وغيرها، التي قدمت فنونا انسانية راقية ومتنوعة تناسبت مع التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية آنذاك.
اما في مجال الموسيقى فقد تطورت في معهد الفنون الجميلة مدرسة بغداد للعود التي أسسها الشريف محي الدين حيدر، التي احدثت ثورة في تقنيات العزف على العود لم تكن موجودة في العالم العربي، وهي تطبيق لتقنيات الآلات الوترية الغربية على العود، التي تعطي العازف امكانية السيطرة على نوعية وعمق النغم الذي يريده العازف من ذلك النغم. وقد انتجت هذه المدرسة جيلا جديدا من الموسيقيين كسلمان شكر وجميل بشير وغيرهم. كما تأسست في بغداد أول فرقة سمفونية في الشرق الاوسط عام 1948 في مجال الموسيقى الغربية الكلاسيكية وتكونت من اساتذة الموسيقى في معهد الفنون الجميلة من اجانب وعراقيين.
وقد دخلت منجزات الحداثة الى فنون العمارة والبناء التي بدأت بانجازات قحطان عوني واحسان فهمي ومحمد مكية ورفعت الجادرجي وسعيد علي مظلوم وغيرهم في محاولاتهم الجادة للمزاوجة بين التراث والمعاصرة وخلق جمالية فنية تمزج الخبرة والتجربة بنزعة استلهام الموروث العراقي القديم والاسلامي للعصر الوسيط، وخاصة مدرسة بغداد في فن المنمنمات التي وضع اسسها الواسطي.

كما كان لكليات جامعة بغداد وبخاصة كلية التربية وكلية الحقوق والآداب والعلوم دورا رياديا في رفد الحركة العلمية والثقافية والسياسية بجيل من المفكرين والكتاب الكبار.
وكان للعراق قصب السبق في تطور وسائل الاتصال والاعلام الحديثة في العالم العربي حيث تأسست اذاعة بغداد عام 1936. كما تأسست في بغداد أول محطة للبث التلفزيوني في الشرق الأوسط عام 1954.

لقد ظهرت نتائج تلك التحولات في تعميق حدة الوعي الوطني والثقافي والسياسي وفي تحفيز المثقفين على البحث عن اساليب فنية جديدة وعوالم رمزية ومعايير جمالية حديثة تأخذ بنظر الاعتبار الواقع الاجتماعي والسياسي من جهة، وما افرزته الحرب العالمية الثانية من تغيرات، من جهة أخرى.
كما انتجت تلك التحولات فضاءات ثقافية جديدة كان من مظاهرها تحول المقاهي العراقية الى مراكز للنشاط السياسي والثقافي الى جانب دورها الاجتماعي، حيث ارتبطت مقاهي معروفة باسماء شعراء وادباء عراقيين كمقهى الزهاوي ومقهى الرصافي ومقهى الجواهري، الى جانب المقهى السويسرية والمقهى البرازيلية ومقهى حسن عجمي ومقهى الشابندر وغيرها. تلك المقاهي التي تحولت الى بؤر ثقافية لمناقشة الاتجاهات الادبية والفنية الحديثة ونشر الوعي والمشاعر الوطنية بحيث تحولت الى فضاءات فكرية عمومية لمختلف فئات المجتمع العراقي.

كما كان للصحف والمجلات دور بارز في اذكاء الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي، وبصورة خاصة جريدة الاهالي، الى جانب دور الاحزاب والمنظمات الشعبية في التحضير لفكرة الجبهة الوطنية ودورها في الحياة السياسية التي ظهرت بعد انتخابات 1954 وكذلك جبهة الاتحاد الوطني التي تشكلت في شباط 1957 وكانت تهدف الى التخلص من حكومة نوري السعيد وحل البرلمان والانسحاب من حلف بغداد وتبني سياسة عدم الانحياز، اضافة الى اشاعة الحريات الديمقراطية في البلاد.
وكان لباكورة الخريجين من الجامعات الغربية التي ارسلتهم الحكومة العراقية على دفعات متتالية منذ عام 1927 وحتى عام 1957 للدراسة والتخصص في مختلف العلوم الطبيعية والانسانية دورا تأسسيسيا ورياديا كبيرا في تكوين انتليجنسيا عراقية عملت على نشر مفاهيم الحداثة والتقدم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
وقد اخذت جامعة بغداد، بعد تأسيسها عام 1956 بالتوسع والازدهار والتفتح علي جميع التيارات الاكاديمية في العالم، الفكرية والعلمية والتقنية، خصوصا بعد رجوع اعداد كبيرة من المتخصصين في العلوم الطبيعية والانسانية الذين تخرجوا من الجامعات الغربية الرصينة وعملوا في الجامعات او في الوظائف الحكومية العليا. وكان التعليم مختلط في الجامعات ومن جميع الاثنيات والاديان والطوائف والمحافظات.

كما انتشرت السينمات والسارح والجمعيات الاجتماعية و النوادي الثقافية في كل مكان، بحيث كونت بغداد نموذجا لمدينة تتعايش فيها شتى الاديان والاقوام والاجناس وانفتحت على تعددية ثقافية بحيث كان لعلماء الدين حرمتهم ومكانتهم ولهم دورهم في المجتمع والثقافة. وبالرغم من ان بعض رجال الدين كانت لهم آراء وتصورات في السياسة والبعض الاخر كانوا محترفين في العمل السياسي، الا انهم كانوا يعبرون عن آراءهم كمواطنين وليس كسياسيين، وكان هناك تقسيم عمل اجتماعي حيث لكل ميدانه الخاص فالسياسة للسياسيين والدين لعلماء الدين، انطلاقا من مقولة ان quot;الدين لله والوطن للجميعquot;.
كما حفلت تلك الفترة بقوى خلاقة عبرت عن ارهاصات جيل ما بعد الحرب مع اتجاهات حداثية ريادية كونت نقلة نوعية وشكلت تحديا لكل القيم والمعايير التقليدية، بل وثورة على التقاليد اثارت القلق والتساؤل والنقد الذي افرزته الحداثة من جهة، والحركات الاجتماعية والثقافية من جهة ثانية، والانتفاضات الوطنية التي اخذت تطالب بحقوقها بدون كلل من جهة ثالثة. واذا اتخذت الحركات الوطنية طابعا عنيفا مرة ومسالما مرة أخرى، فانها كانت متسامحة في اغلب الاحيان، بالرغم من ردود الفعل العنيفة من قبل السلطة الحاكمة انذاك.

أما سنوات الستينات والسبعينات فكانت امتدادا لحركة الانتليجنسيا العراقية التي ازدهرت في الخمسينات، وكونت حركة ثقافية تأثرت برياح الحركات اليسارية في أوربا، التي وعت روح العصر والتي كان جوهرها التمرد على الالتزام السياسي ونقد افرازات الحداثة واستكمالها وتمثلت بحركات الطلاب والشباب في اوربا ضد النظام الصناعي وآيديولوجيته، وحاولت الانتقال بالثقافة الى حالة جديدة، خصوصا بعد سقوط حكم البعث الأول عام 1963 والانفراج النسبي الذي اعقبه والسماح بشىء من التعددية الفكرية والسياسية دون صراعات دموية. كما احدثت هزيمة حزيران 1967 صدمة سايكولوجية عميقة أثارت الدهشة والتساؤل ودفعت الى وعي جديد لنقد العقل العربي المهزوم وكذلك حركات التحرر الوطنية. وقد امتدت تلك الحركة الى الشعر والقصة والرواية والفنون التشكيلية وغيرها.
واذا كان رواد الخمسينات اصحاب قضية، فان رواد الستينات مثلوا جيلا جديدا متمردا صاخبا تأثر بالافكار الوجودية والسوريالية واشتغلوا على حداثة النص الادبي القصصي والشعري، وكان من بينهم محمد خضير وفاضل الربيعي وعبد القادر الجنابي واحمد خلف وغيرهم.