قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

quot;مقاومة الغزو الثقافيquot; من أكثر التعبيرات تكراراً على ألسنة المثقفين والمسئولين في السنوات الأخيرة، فما هو الغزو الثقافي الذي نجزع منه، وهل نحن فعلاً بحاجة إلى مقاومته، أم أن العكس هو الصحيح، وأننا بطبيعتنا منخفضو القابلية لتقبل أي ثقافة جديدة، وأن المطلوب هو حل تلك الإشكالية، لنكون أقدر على فهم عصرنا والحياة فيه؟
العولمة (في نظر البعض) هي أس البلاء الذي تأتينا منه تهديدات الغزو الثقافي، رغم أن العولمة بتكنولوجيتها هي التي أتاحت لنا بث قنوات تليفزيونية فضائية، تصل عن طريقها ثقافتنا إلى كل أركان الأرض، ولم نقصِّر في استغلال تلك الإمكانية، وأنشأنا عشرات من القنوات العربية رسمية وأهلية، بعضها يأخذ طريقه ليعد ضمن المنابر الرصينة، ويعد نافذة نطل منها على الغرب ويطل منها الغرب علينا، والبعض الآخر نبث منه ما يأخذه عنَّا أو علينا العالم، لترتد علينا مادته في أشكال نعتبرها إساءات لنا ولمقدساتنا، وبعضها يعد من أدوات جهادنا التخريبي للعالم وحضارته، نقتل ونذبح فيها باسم الله البريء من جرائمنا، والعجيب أن نفس المسئولين والمثقفين الذين يطالبون بإيصال صوتنا وصورتنا الصحيحة إلى العالم، هم ذاتهم الأعلى صوتاً في المطالبة بصم آذاننا عن صوت العالم، تحت راية quot;مقاومة الغزو الثقافيquot; التي صارت مقدسة، ضمن قائمة طويلة من المقدسات نصر على الحياة في ظلها.
الثقافة الوافدة تأتينا عن طريق التكنولوجيا الحديثة، التي أتاحت سهولة المواصلات والاتصالات، كما أن التكنولوجيا نفسها تأتي معها عن طريق الأجهزة التي نستخدمها في حياتنا اليومية بالثقافة التي أنجبتها، فاستيراد التكنولوجيا بدون تلك القيم بمثابة quot;زواج من جثةquot;، كأن تستخدم السيارة والطائر بعقلية وثقافة راكب الجمل، وأن تستخدم الكومبيوتر في نظام بيروقراطي يعتنق ثقافة الكاتب المصري الجالس القرفصاء، ما يؤدي إلى تعقيد المعاملات وليس تسهيلها، وهو ما نلاحظه الآن جميعاً (في إدارات تراخيص السيارات على الأقل)، فكثيراً ما تذكرني استخدامات الدواوين المصرية للكومبيوتر، بالقروي الذي نبهوا عليه أنه عندما يذهب للمدينة ينبغي عليه أن يأكل بالشوكة والسكين، فصار يمسك الطعام بيديه ليضعه في الشوكة أولاً، ثم يتناوله بفمه بعد ذلك.
إذا كنا قد قررنا ndash;برضى أو بسخط- التعامل مع العالم في العلاقات المادية، فإننا لابد ونحتاج قطاعاً في ثقافتنا نشترك فيه مع الآخر خارج حدود بلادنا أو كهوفنا، ولكي يصل العالم إلى قطاع من الثقافة المشتركة فإن هذا يتطلب من جميع الأطراف الاستعداد للتنازل عن الأفكار والعادات والتقاليد التي تعيق التفاهم المشترك، أما ما لا يتصل منها بدائرة الأعمال المشتركة، وإنما هو من صميم الخصوصية، سواء الفردية أو القومية، فبالتأكيد لا أحد يريد تغييره، أو حتى يكلف نفسه الاكتراث به، وفي هذا الجزء من الثقافة المشتركة من الطبيعي أن تكون ثقافة من ابتكر الأجهزة والعلوم هي السائدة، لأنها الأكثر مناسبة لطبيعة الحضارة الراهنة، فحضارة quot;قفا نبك ذكرى حبيب ومنزلquot; وquot;السيف أصدق أنباء من الكتبquot; لن يكون لها مجال هنا.
حديثنا عن الجزء المشترك الضروري في عصرنا الراهن لا يعني أن ثقافتنا السائدة ليس فيها ما يمكن أن يكون مفيداً داخل الدائرة المشتركة للبشرية، فنحن بلا شك نمتلك إرثاً تاريخياً في علاقات التعاون وقبول الآخر، وفي إقامة ارتباطات مثمرة معه، بمعنى أن دخولنا دائرة المشترك لن يعني مسيرة للتنازل على طول الخط، لكننا نركز على أن معيار التقييم هنا لا يكون مصدر الثقافة، وإنما مدى فائدتها العملية ومردودها على كافة جوانب حياتنا، فمن يتشبث بما يعوقه بدعوى أنه هكذا وجد آباءه وأجداده يفعلون، لا يفعل بنفسه إلا الحكم عليها بالتخلف أو حتى الفناء.
الثقافة إذن ليست رفاهية مثقفين يمكن لهم أن يختاروا ما يشاءون من أفكار، إنما هي ضرورة حياة لشعوب تحتاج لأن تعيش العصر وتتقن توظيف أدواته وآلاته والاندماج في علاقاته، فمن التناقض الصارخ أن من يتحدثون عن تحديث المنطقة وحل مشاكلها الحياتية، يصرون في نفس الوقت عن المناداة بمقاومة الغزو الثقافي، الذي يؤدي لنتيجة واحدة هي الانعزال عن العالم في أحسن الأحوال، وإلى معاداته في أسوأها، ليكونوا كمن ينادي بإنارة مكان وهو يغلق نوافذه، ويكفينا هذا لننسب إلى هذا القطاع من الصفوة مسئولية تعثر مسيرة الإصلاح، التي يتشدقون بتكريس أنفسهم لها.
المشكلة الحقيقية الأولى بسادتنا النخبة الاهتمام بها هي ما يبدو ضعفاً في قدرتنا على التغيير والتطور الثقافي، ويتمثل هذا الضعف في رفض الجديد، وفي مظهرية التحديث بالتوقف عند المظاهر والعجز عن الوصول إلى الجوهر، ويرجع رفض الجديد لميراث سيكولوجي وثقافي يتوجس مما هو قادم، نراه في أمثال شعبية مصرية على نمط quot;من فات قديمه تاهquot;، وسيادة النمط الأبوي أو البطريركي للمجتمع، والذي يكون فيه الكبار أو رجال الدين هم المرجعية، حيث يكون على الشباب الصالح أن يتقن الاستيعاب عن الآباء والأجداد، لكي يمشي على آثار أقدامهم قدماً بقدم، وإلا عُد مارقاً أو فاسداً أو فاشلاً، ونجد مثلاً شعبياً مثل quot;إللي مالوش كبير يشتري له كبيرquot;، وهنا نلحظ طوفان الأسئلة التي تتطلب آراء أو فتاوى من رجال الدين، وغالباً ما تكون في أمور لا علاقة للدين بها، وإنما إجاباتها مسئولية الإنسان الشخصية، في العثور على ما يناسبه وظروفه، لكنه الخوف من تحمل المسئولية، المرتبط عضوياً بالالتزام بتعاليم الأجداد، حتى نكون أبرياء من كل استحداث وحداثة.
الوجه الآخر من العجز عن التغيير هو مظهرية النقل عن الآخر، ونذكر هنا مثالاً واحداً، فقد ارتدت الفتاة البنطلون الجينز مقتدية بالفتيان وبما يحدث في الغرب، لكن الكثيرات لم يفطن باقتران ذلك بنزول المرأة للعمل، وما يقتضيه من اعتناق الجدية في الأداء العملي، وبمبارحة عقلية وسيكولوجية الحريم، وباعتناق قيم العمل والإجادة، وليس مجرد التباهي بمجاراة الموضة، ومثل هذا فعله الفتيان أيضاً، فأين منهم حب المغامرة والجدية في العمل وإتقانه، وأين قدرتهم على الابتكار والتجديد في الحياة الذي يتجاوز الملابس وسماع الموسيقى الصاخبة؟!
أشد ما تحتاجه بلادنا وشعوبنا أن نطور من قدرتنا على استيعاب روح العصر وثقافته، لا أن نحاربها ونحص أنفسنا منها، هذا إن كنا قد ضقنا من الماضي وضاق بنا.
[email protected]