قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

تثير أعمال نجيب محفوظ بعض التساؤلات حول العلاقة بين الأدب والعلم والسياسة: هل الأدب مرآة لمجتمعه ووعي عصره، أم أنه رؤية استشرافية للمستقبل أيضا؟. وهل يحتاج الإبداع لمسافة من الزمن حتي يكشف عن مكنونانه، أم أن المجتمع بحاجة للتطور حتي يستوعب كوامن الإبداع؟.
ما دفعني إلي إثارة هذه التساؤلات هو رواية quot; ثرثرة فوق النيل quot; التي صدرت طبعتها الأولي سنة rlm;1966، بعد نشرها مسلسلة في جريدة الأهرام، وما صرح به المنظر الأمريكي الياباني الأصل فرنسيس فوكوياما عن التوظيف السياسي للتكنولوجيا الحيوية rlm;والأخلاق، فما الذي يجمع بين الرجلين؟
عقب اطلاق فوكوياما لفرضية quot; نهاية التاريخ quot; عام 1989، ثم كتاب quot; نهاية التاريخ والإنسان الأخيرquot; عام 1992، نشر مقالا في مجلة quot; ناشيونال انترست quot; عام 1999 بعنوان (نهاية الانثروبولوجيا) يشرح تطبيقات التوظيف السياسي للعلم، من خلال دوائين شهيرين هما quot; ريتالين quot; و quot; بروزاك quot; يستخدمان في العلاج النفسي والتأثير علي الحالة المزاجية للإنسان. حيث يؤثر البروزاك علي مستوي السيروتونين في الدماغ، ويرتبط بالمشاعر الخاصة بالثقة بالنفس وبتقدير الذات.
الأهم من ذلك أن فوكوياما يربط بين تأثير البروزاك وبين نظرية الفيلسوف الألماني quot; هيجل quot; المتعلقة بسعي الانسان واجتهاده من أجل نيل الاعتراف والتقدير. حيث يري أن حبه دواء واحدة كفيلة بجلب الرضا عن النفس وتقدير الذات، وتلغي بالتالي ضرورة سعي الانسان وكفاحه من أجل تحقيق الذات وانتزاع الاعتراف المستحق من المحيطين به.
ومع ظهور الخريطة الجينية الكاملة للإنسان، صرح فوكوياما بأن فرضيته عن quot; نهاية التاريخ quot;، التي هوجمت كثيرا شرقا وغربا، ودحضها غريمه quot; هنتنجتون quot; بنظريته عن quot; صدام الحضارات quot; عام 1993، أيدتها الاكتشافات العلمية الحديثة في مجال البيولوجيا.
ففي كتابه quot; مستقبلنا ما بعد البشري quot; عام 2004، يتحدث فيه عن بداية التاريخ ولكن هذه المرة سوف يكون للجينات الدور المحوري، ذلك ان اكتشاف quot; الجين quot; المسؤول عن (الصراع) في الإنسان - علي حد قوله - ومعرفة تركيبته وكيفية عمله وطبيعه نشاطه، سوف يمكننا من انهاء الصراع في العالم، وانتاج نوع جديد من البشر المدجنين، وبذلك تكون التكنولوجيا الحيوية هي quot; حصان طرواده quot; في تحقيق السلام العالمي، بعدما فشلت كل الفلسفات والمعتقدات والإيديولوجيات في تحقيقه.
ولكن ما علاقة نظرية فوكوياما الجديدة بquot; نجيب محفوظ quot; وروايته ثرثرة فوق النيل؟.. أن محفوظ في كثير من أعماله الإبداعية كان أسبق من معظم المحللين والكتاب السياسيين في مصر، خاصة في عقد الستينيات حيث لم يكن أحد يجرؤ علي الحديث في السياسة بشكل صريح أو مباشر، ولكن في هذه الرواية تحديدا ابتكر محفوظ حيلة جديدة قديمة، أفرغ بها ما في جعبته من انتقادات واحباطات وهموم، حيث تجد أبطاله من المثقفين يتعاطون المخدرات يوميا في العوامة، وينفثون الصراحة وبجرأة متناهية مع دخان الجوزة في سماء القاهرة ووسط نيلها الهادئ.
وهو ما أغضب المشير عبد الحكيم عامر الذي هدد وتوعد بإنزال العقاب بنجيب محفوظ بسبب ما جاء في الرواية من نقد عنيف لسلبيات قائمة في المجتمعrlm;، وسمع البعض المشير وهو يقولrlm;:rlm; نجيب زودها قوي ويجب تأديبه ووقفه عند حدهrlm;، كما يقول رجاء النقاش في مقاله quot; عبدالناصر يقرأ ثرثرة فوق النيل quot;.
ولم ينقذ محفوظ من الغضبة العارمة للمشير ومعه صلاح نصر رئيس المخابرات وقتئذ وشمس بدران وغيرهم، إلا جمال عبدالناصر شخصيا الذي قرأ الرواية بتمعن وأبرأ نجيب محفوظ من سوء النية تجاه الثورة، لأنه ينقد الثورة من داخلها وليس من خارجها، حسب رواية سامي شرف - سكرتير الرئيس عبد الناصر الشخصي للمعلومات - لرجاء النقاش.
فالمخدرات تجعل الوعي يخبو واللاوعي يطفو، وفي هذه الحالة يكون الانسان غير مسئول عن أفعاله، ناهيك عن أقواله، وبتغيب العقل الواعي المسئول عن الرقيب الداخلي الذي زرعته الثورة في نفوس وعقول الجميع، يفلت اللاوعي بلا أي رقيب أو حسيب.
فمحفوظ كان أكثر عمقا ومصداقية، ففي الوقت الذي يريد فيه فوكوياما تغييب عنصر الصراع، نجد محفوظ يستحضره، وبينما يلغي فوكوياما الوعي واللاوعي معا، يخدر محفوظ ظاهر الوعي كي يحرر الوعي نفسه واللاوعي معا.
ان فوكوياما يريد تدجين الإنسان الجديد بفعل الثورة العلمية، في الوقت الذي يحث فيه محفوظ علي الحرية والتحرر من القيود، ومن الرقيب الداخلي الواعي، أو قل الخوف القابع فينا.
صحيح ان التكنولوجيا الحيوية سوف تقدم لنا من الآن فصاعدا تقنيات هائلة، قد تغري بالسيطرة علي تصرفات البشر وأفعالهم من جانب قوي معينة، ومن الممكن أن يتغير، في المستقبل المنظور، مفهومنا عن الشخصية الانسانية والهوية والذاتية... فهل سيظل الأدب معبرا عن أعمق أعماق تجربتنا الإنسانية أم ستتغير وظيفته في المستقبل؟