قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

-1-nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;nbsp;
أدهشني في الفترة الأخيرة عرضان مُسلّيان، من عروض السيرك السياسي اللبناني. والسيرك السياسي اللبناني، رغم تفاهته وسطحيته، إلا أنه من أمتع العروض السياسية العربية المضحكة، بما يحمل كل يوم، أو حتى كل ساعة من جديد مثير. في حين أن العروض السياسية العربية الأخرى، مملة وباردة ومتكررة، ولا تحمل جديداً، ولا طعم ولا لون ولا رائحة لها. ولعل ما يدفع بالحرارة والحيوية في عروق السيرك السياسي اللبناني، تعدد الآراء واختلافها بتعدد الطوائف الثماني عشرة وأطيافها. وهو ما أوجد ما يُطلق عليه اللبنانيون quot;الديمقراطية التوافقيةquot;. وهي الديمقراطية الفريدة في لونها، وآلياتها، ونتائجها، والتي اخترعها ونشرها اللبنانيون داخل لبنان، ولم تعرفها القواميس السياسية، بدءاً من quot;جمهوريةquot; أفلاطون، وانتهاءً بكتابات أشهر فيلسوف سياسي معاصر كيورغن هابرماس. وهي ديمقراطية تصلُح للبنان وحده بطوائفه المختلفة، ولا تصلُح في أي مكان آخر غير لبنان، إلا إذا وُجدت فيه ثماني عشرة طائفة، كما هو الحال في لبنان، ووُجد فيه زعماء سياسيون كنبيه بري، وحسن نصر الله، وإميل لحود، وآل الجميّل، وآل فرنجية، وآل جنبلاط، وآل ارسلان، وغيرهم.

-2-nbsp;nbsp;
العرض الأول، الذي أدهشني في الفترة الأخيرة، من السيرك السياسي اللبناني، ظهور كافة الزعماء السياسيين كالطواويس المنفوشة الريش، على شاشات التلفزيون، يرددون باجترار ممقوت وأبله، ويعلنون بكل فخر وكذب وخوف، بأن لا سلام الآن مع إسرائيل، وأن لبنان سيكون آخر دولة عربية توقّع سلاماً مع إسرائيل (كما ردد ويردد رئيس الوزراء السنيورة في الماضي، وفي الحاضر). وكأن لبنان بذلك، أصبح أكبر قوة من مصر، وأكثر عروبة من الأردن، أو كأن لبنان أصبح دولة عظمى في العالم، أو دولة عظمى إقليمية، وهي ترى أن دولة quot;عظمىquot; إقليمية كسوريا، صاحبة أكبر شنب في المنطقة العربية الآن، تتهافت على توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، وترجو وتتمنى من أمريكا، أن تكون راعية ومباركة لهذا السلام، وإلا فلن يتمَّ السلام.
وفي واقع الأمر، فإن لبنان أكثر حاجة من مصر لمعاهدة السلام مع إسرائيل. فمصر لديها عدة منافذ برية وبحرية ونهرية، فإن غضبت عليها جارة من جاراتها (كما حصل مع ليبيا الملكية القذافيّة، المماثلة لسوريا الملكية العلويّة)، فلن يؤثر هذا على زراعتها، وتجارتها، واقتصادها، وسكانها. والأردن كذلك الحال. في حين أن المنفذ البري الوحيد لمنتجات لبنان الزراعية والصناعية إلى العالم الخارجي هو سوريا، التي تقبض الآن مع إيران وquot;حزب اللهquot; على الرقبة اللبنانية، وتكاد تخنقها بإغلاق الحدود والمنفذ البري الوحيد للبنان من حين لآخر، لكي تُتلف منتجاته، وتُلحق الأذى باقتصاده وأهله.

-3-
والساسة اللبنانيون، لا يستطيعون التفوّه بحرف واحد، يخالف سياسة أو خطط أو مزاج quot;حزب اللهquot;. فرغم أن الأخ الأكبر (سوريا) يستطيع التفاوض مع إسرائيل عارياً (ملط) حيناً، أو مرتدياً الشروال والطربوش حيناً آخر، طالباً بصراحة، وبشبق سياسي عنيف، وبأعلى صوت، الرعاية الأمريكية لمباركة هذه المفاوضات، فإن لبنان (يخنس) ساكتاً ولائذاً بالصمت كالأرنب، رافضاً التفاوض الآن مع إسرائيل، خوفاً من بطش quot;حزب اللهquot;، ولكي يبقى تحت رحمة القبضة السورية، كلما دقَّ الكوز اللبناني بالجرة السورية، واختلف الفريقان. والسبب المباشر، هو الخوف من quot;حزب اللهquot; وبطشه، بعد أن أثبت quot;حزب اللهquot; لكل اللبنانيين، وللعرب، وللعجم، أنه باستطاعته احتلال بيروت في ست ساعات فقط. لذا، فقلوب السياسيين اللبنانيين مسكونة بالرعب الحزبي الإلهي وصواريخه التي تُعدُّ بالآلاف، إلى درجة أن لا سياسي لبنانياً، يستطيع ذكر اسم حسن نصر الله، دون أن يُسبقه باللقب الديني التبجيلي (السّيد)، دلالةً على أن حسن نصر الله ينحدر من سلالة أسياد آل البيت- كما يدّعي - الذين كانوا فيما بعد، من الأسباب الرئيسية في انشقاق المسلمين إلى فرقتين وطائفتين (السُنَّة والشيعة) متنازعتين، منذ أربعة عشر قرناً حتى الآن، كما نشهد ونشاهد الآن.

-4-
والحال، هل سيكون لبنان آخر دولة عربية توقّع اتفاقية سلام مع إسرائيل، لو أن quot;حزب اللهquot; لا يمانع، ولا يرفض أية محادثات مباشرة أو غير مباشرة بين لبنان وإسرائيل في أي وقت، أسوةً بما تفعله quot;الشقيقة الكبرىquot; سوريا الآن، وما ستفعله غداً شقيقات أخريات، ينتظرن دورهن بفارغ الصبر، في فراش المفاوضات الدافيء؟
فلماذا السلام مع إسرائيل بالأمس حلال زلال على مصر والأردن، وغداً على سوريا، وبعد غد على كل الدول العربية، وحرام على لبنان؟
في رأيي المتواضع، أن كافة الزعامات والقبضايات السياسية اللبنانية من موالاة ومعارضة، ترحب - في الباطن والخفاء - باتفاقية سلام مع إسرائيل اليوم قبل الغد، وفي الغد قبل بعد الغد، لأن هذا هو طريق المستقبل اللبناني، وهو الذي سيفكُّ الرقبة اللبنانية الطريّة من القبضة السورية الحديدية، ويفتح الطريق البري للبنان إلى العالم، خاصة وأن لبنان هو أقرب الدول العربية إلى إسرائيل بعلمانيته، وتعدد طوائفه، وحرية صحافته، وحرية إعلامه، وديمقراطيته التوافقيّة، التي نريدها مستقبلاً ديمقراطية خلافيّة لا توافقيّة، كباقي ديمقراطيات العالم الحر.

-5-
لم يكن في تقديري، أن هذا العرض سيأخذ كل هذه المساحة المسموح بها لمقالنا، لذا سنؤجل الحديث عن العرض اللبناني المدهش الثاني (وهو قصة الطوافة العسكرية اللبنانية، التي قتل quot;حزب اللهquot; قائدها اللبناني سامر حنا) إلى يوم الخميس القادم، فإلى لقاء.
السلام عليكم.