أزداد ألما ومعاناة كلما أرى وأستعرض، أولا بأول، ما يجري اليوم في العراق.
عراق اليوم ورث تركة ثقيلة ومرعبة جدا من النظام الصدامي: تمييزا طائفيا وعنصريا، ونهبا للثروة الوطنية، وظلما مستفحلا ودمويا، وإن ما حدث، ويحدث، منذ سقوط صدام، هو خراب مضاعف، وتكرار للمآسي، بدلا من محاولات التصحيح، والسعي للحكم السديد النزيه، تحت مظلة الوطنية العراقية.
أنظر بحزن وغضب لما يجري، نظرة يراها بعض الأصدقاء سوداء، وأراها أقرب لواقع الحال. فما يجري فعلا، هو غالبا غير ما يعلن، وما يصرحون به غير ما يبطنون، والفساد والبطالة والفقر ومشاكل ملايين الأرامل والأيتام، ومأساة الخدمات- كلها مشاكل حقيقية لا تزال تنتظر الحلول العاجلة، فيما القيادات تتصارع وتتجاذب، وكل من الزعماء يتشبث بعباءة السيد علي السيستاني، الذي يعتبره بعض الكتاب quot;كابحاquot; للانحرافات السياسية! كما أن كلا منهم يركض إلى إيران طالبا الدعم!!
أسمع بفرح عن عودة سوق المتنبي، ونظافة المطار ونزاهة العاملين فيه، مثلما أسمع بألم عن استمرار تراكم الأوساخ في بغداد نفسها. يقال إن المتطرفين هم الذين كانوا يفرضون الحجاب، ولكن في وزارة التربية العراقية نفسها لوحة تقول بوجوب الالتزام بالحجاب، وتضيف: quot;وقد أعذر من أنذرquot;! ولنا، ولله الحمد، وزير تربية عبقري، تنويري، جاء لباريس ليفرض الحجاب على تلميذات صغيرات في المدرسة العراقية الباريسية. وفي البصرة، فرض للحجاب ومنع للخمر، وقرار بتطويل لحى الموظفين، واستعمال للنقض (الفيتو) على قرارات المركز. في الحلة نرى آلاف الخريجين بلا عمل، فيما مجلس المحافظة يقرر زيادة مرتبات أعضائه. وفي كركوك دوامة الصراعات المزمنة، والمسيحيون من ضحاياها. إن الظواهر المؤلمة لا تعد، وما هو إيجابي قليل.
أستعرض، وفي كل مرة، أراني، في الوقت نفسه، واقفا، باعتزاز وإعجاب وحب، أمام رموز شاخصة ثلاثة، رحلت بالأمس، وتركت وراءها صفحات مجيدة، جديرة بالاسترشاد في وضعنا المأساوي الراهن.
النظر للوراء هو للتذكير والتفكير، وليس لإعادة ما لم تعد ممكنا إعادته، فنحن نسعى للأفضل فالأفضل.

أما الأول، فهو رمز فكري، وأما الثاني والثالث فهما حاكمان، لم يعرف عراقنا الحديث مثيلا لهما في حب العراق والشعب، والحرص على مصالحهما.
الرمز الفكري هو العلامة علي الوردي، ذلك الباحث المتعمق الفذ، الذي خاض في أعماق الشخصية العراقية، وشخص نقاط القوة والضعف في المجتمع، وأثرى المكتبة الفكرية، العراقية والعربية، بتراث غني ووقاد. وأما الحاكمان، فهما فيصل الأول، المتوفى في 1933، وعبد الكريم قاسم، الذي اغتيل، مع ثورته التموزية، في شباط 1963.
ما الذي يجمع بين الثلاثة: مفكر لم يحكم بل همه البحث والاستقصاء والتنوير؛ وملك عربي غير عراقي، أحب العراق حبا عميقا راسخا؛ ورئيس جمهورية قامت على هدم الملكية، كان هو الآخر عاشق العراق وشعب العراق، وبكل نكران ذات؟
هذا ما سأحاول تناوله، في حدود الممكن، لأن الموضوع متشعب، لاسيما مع تعدد الاجتهادات والخلافات حول تقييم كل من هذه الرموز الثلاثة، وأعني أولا عهدي فيصل وقاسم. فهناك من يصف العهد الملكي كله بالسوء والعمالة، وحكامه بالخيانة، وهناك من يتهمون ثورة 14 تموز بكل ما حل بالعراق بعدها من نكبات، مع أن عبد الكريم، وهو عسكري، ساس العراق كمدني وبحكومة ائتلافية، ولم يقم نظاما شموليا كما فعل عبد الناصر.
إن ما يجمع بين الثلاثة، كما أرى، هو الحس الوطني، ورفض الطائفية والتمييز العرقي، والتطلع للتقدم بالعراق ليلحق بموكب الحضارة الحديثة، ويلبي الحاجات الأساسية للشعب - المفكر بفكره وقلمه، وفيصل وعبد الكريم ببذل كل الجهود والطاقات، ووضعها تحت خدمة الشعب وتقدم الوطن وسعادة المواطن، ولبناء دولة راسخة عادلة. كل منهم كان يدعو للمساواة والعدل، والأخذ بيد المرأة، والدفاع عن الأقليات العرقية والدينية، وإدانة أفكار التخلف واستغلال الدين لمآرب سياسية و للتحكم في عقول المواطنين.
عن الوردي، هناك دراسات تحليلية قيمة، في العراق والبلاد العربية، وقد حيا العديد من مثقفينا ذكراه في تموز المنصرم. ومما يثير الأمل والغبطة أن مؤلفاته هي اليوم في مقدمة مبيعات الكتب في بغداد، برغم هيمنة الأحزاب الدينية، والتدخل المستمر لرجال الدين في السياسة، وما تبثه قنوات ووسائل إعلام عراقية وعربية، وأئمة جوامع، من أفكار متخلفة، وتشجيع للعصبيات الدينية والمذهبية، وما نشاهده من انفلات التقوقع العرقي.

أما عبد الكريم قاسم، فقد عاد لينتصف له حتى لفيف من أعدائه بالأمس، وحظي بدراسات باحثين عراقيين متميزين، منها، مثلا، كتب ودراسات الدكاترة عبد الخالق حسين، وعدنان الظاهر، وعقيل الناصري، وغيرهم. ولا يمكنني أن أضيف هنا كثيرا لما قدموه من نتاج موضوعي ومتعمق وموثق.
يبقى فيصل الأول. إن التاريخ ومصالح العراق تستدعي إيلاء مزيد من اهتمام الباحثين إليه، لتقييمه بعمق، مع أخذ ظروف عهد ذاك بالحسبان، بل أرى وجوب تفكيك النظام الملكي كله، أي قراءة محطاته بموضوعية وحياد، بعيدا عن اتهامات ووصفات أمس. وهذا موضوع حساس، وقد أحاول إبداء رأي أولي فيه في مناسبة ثانية.
إن عبد الكريم قاسم وفيصل كانا مثال التسامح الديني والمذهبي، وحاول كل منهما تقديم أكبر الخدمات الممكنة للشعب والبلاد. ولكن كلا منهما واجه عشرات الصعوبات والعراقيل، وقوى الأخذ والرد، والتيارات المتصارعة، والضغوط المكثفة، في بلاد محاطة بقوى معادية.
عبد الكريم لم يبق في السلطة إلا قليلا بعمر الزمن، وبذل جهوده الوطنية المستميتة في وجه تآمر قوى خارجية عديدة، وقوى سياسية داخلية متصارعة، وواجه حركة كردية مسلحة، ومقاومة قوى التزمت والتطرف الدينيين. كان أكثر الساسة في زمنه بعد نظر واعتدالا، والأكثر حماسا في الدفاع عن حقوق المرأة، ولكنه كان يوضع أحيانا أمام مواقف وإجراءات سلبية، تفرض عليه فرضا، وبرغم إرادته، كما أنه انتهى تدريجيا إلى درجة من الانفراد بالقرارات المهمة.

أما مهمة فيصل الأول، فقد كانت- كما أرى - هي الأكثر صعوبة وتعقيدا. فهو أولا غير عراقي، وهو ثانيا مستدعى من دولة غربية يعتبرونها كافرة، وكأنها فرضته فرضا، رغم أن لفيفا كبيرا من الساسة، من شيعة وسنة، كانوا من المطالبين بتنصيبه. كان فيصل الأول يواجه الضغوط البريطانية، وضغوط المعارضة الوطنية والمقاومة الدينية المتشددة، والمنافسات والمنازعات والخلافات داخل صفوف الحكم؛ كما أنه واجه تمردات مسلحة. ويظهر مدى وضعه الصعب في السعي لبناء دولة مستقرة من معارضة المرجعية الشيعية لإجراء أول انتخابات للمجلس التأسيسي، واعتبار المشاركة في الانتخاب كفرا، وتحريم دخول الشيعة لوظائف الدولة، [**اقرأ الهامش].
لكن أكبر الصعوبات أمام فيصل الأول كانت في أنه ورث مجتمعا شديد التخلف، يحرّم فيه رجال الدين تعليم الفتيات، وقراءة الصحف، وحتى ركوب القطار، باعتبار ذلك كله بدعا من الكفار! إذ حذر أحد رجال الدين الناس في فتوى مشهورة نصها: quot;أتتركون حمير الله وتركبون الشمندفر- أي القطارquot;. وألف رجل دين آخر كتاباً بعنوان: (السيف البتار في الرد على الكفار ومن يقول أن المطر من البخار). وورث فيصل شعبا غير متماسك، منقسما على نفسه بفعل العصبيات التي أشعلتها سياسات العثمانيين، لاسيما بين السنة والشيعة، وتولى أمر شعب كان- على حد تعبيره - quot;هلامياquot; مقارنة بالشعوب المتماسكة. فلنقرأ في مذكرته الشهيرة التي وزعها قبل وفاته على قلة من رجالات الدولة المقربين:
quot; إن البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية؛ ذلك هو الوحدة الفكرية والملّية والدينية. فهي، والحالة هذه، مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت، أقوياء مادة ومعنى، غير مجلوبين لحسيات أو أغراض شخصية، أو طائفية، أو متطرفة، يداومون على سياسة العدل، والموازنة، والقوة معا، وعلى جانب كبير من الاحترام لتقاليد الأهالي، لا ينقادون إلى تأثرات رجعية، أو إلى أفكار متطرفة، تستوجب الرد.quot;[عن الجزء الثالث من تاريخ الوزارات لعبد الرزاق الحسني، من ص 300 وما بعد]. كما، أنه دعا للأخذ بمبدأ اللامركزية للمحافظات، [quot;الألويةquot; كما كانت تدعى]، ليساهم كل العراقيين بحمية في بناء العراق.
شعب هلامي، وتقوقعات مذهبية وعرقية، وها نحن وقد أعاد البعث الصدامي وحكام اليوم، وقوى التدخل الإقليمية، شعبنا لحالة مشابهة ارتجاعية: من انفلات العصبيات وعزلتها القوقعية.
وقد شخص فيصل الأول ظاهرة التمييز نحو الشيعة، الموروثة من العهد العثماني، فعمل على مكافحتها، لكن العمر لم يسعفه لإتمام رسالته في التسامح وبناء الدولة المستقلة الرصينة. وفي الوقت نفسه، انتقدت المذكرة دور العديد من رجال الدين الشيعة، الذين كانوا يحرضون ضد الوضع، ويؤججون الكراهية نحو الدولة، وبذلك يسهمون في تحجيم دور الشيعة في الدولة. وقد دعا، في الوقت نفسه، لاحترام كل الشعائر الدينية، سواء للسنة والشيعة، أو للأقليات الدينية العراقية. وجدير بالذكر، أن العهد الملكي في معظم فتراته احترم المراسيم الشيعية، وخصوصا مراسيم الأربعينية الحسينية، وكانت المواكب الحسينية تجول في شوارع بغداد بكل حرية، ما عدا فترة قصيرة من وزارة ياسين الهاشمي في أواسط الثلاثينات. كما أن مركز رئاسة الوزراء، انفتح جزئيا وتدريجيا أمام الساسة من أبناء الشيعة، وإن ظلت، في الغالب، مغلقة أمامهم، كانغلاق المراكز العسكرية والأمنية الحساسة.
عبد الكريم قاسم هو الذي شجع كل ما يقوي التآخي العربي الكردي، ووضع في العلم العراقي ما يرمز للشعب الكردي. وهو الذي ألقى خطبته الشهيرة في كنيسة، وهو الذي عين عالما صابئيا مندائيا رئيسا لأول جامعة عراقية، في وجه معارضة المتعصبين القوميين والدينيين. وأوصى آمر كلية الأركان بعدم التمييز الطائفي والعرقي في قبول الضباط الشيعة وغيرهم فيها.
أما فيصل الأول، فلنستمع لفقرات من خطابه في السليمانية في 11 حزيران من عام 1931: quot; لا يخفى عليكم أن الدين لله والوطن للجميع، ولا فرق ولا تمييز عندي بين سكان بلادي المحبوبة، والوطن لنا جميعا.فهذه الجبال، وهذه الوديان الجميلة، هي ملك لباقي سكان ألوية [محافظات]، البلاد العراقية الأخرى، كما أن كل شبر في تلك الألوية ، لسكان اللواء حق فيه. أقول أكثر من ذلك: كل قطرة من دم سكان هذا اللواء هي من دم العراقيين جميعا، وكلهم أخوان في الوطن، لا يؤخرهم عن خدمته شيء، وأما الدن والمذهب، فهو لله، ويلزم أن يبقى بين الرب وعبده في حدود الجوامع والكنائس.quot;
يا لها من دروس قيمة لمن يريدون التعلم من بين علماء الدين والساسة العراقيين، وحيث صار رجال الدين اليوم يتدخلون في أدق تفاصيل السياسة والدولة، وإليهم يرجع الحكم والحكام- في تطبيق عملي لما يشبه دولة الفقيه.
وأخيرا، فليقرأ حكام اليوم وزعماء السياسة هذه المقاطع، فليقرئوا - لو عندهم شوية وقت!!:-يقول لهم فيصل:
quot; إنه لمن المحزن والمضحك والمبكي معا أن نقوم بتشييد أبنية ضخمة بمصاريف باهظة، وطرق معبدة بملايين الروبيات، ولا ننسى الاختلاسات والتصرف بأموال هذه الأمة المسكينة، التي لم تشاهد معملا يصنع لها شيئا من حاجاتها، وإني أحب أن أرى معملا لنسيج القطن، بدلا من دار حكومة، وأود أن أرى معملا للزجاج بدلا من قصر ملكي.quot;
نعم: ما أروع حقا! فأين هذه النزاهة وعشق خدمة الشعب والبلد من قصور صدام الذهبية في كل مكان، ومعظمها بنيت إثناء الحصار الاقتصادي على العراق، وهدره ونهبه الأموال! وأين هذا من القصور التي صار الكثيرون من المسئولين اليوم يحتلونها، وهي للدولة وبعضها للمواطنين؟؟ أين هذا من ضياع المليارات والفساد الذي جعل العراق رمزا للفساد على الصعيد الدولي؟! ألا يذكرنا فيصل هنا بذلك الزعيم النزيه المتقشف عبد الكريم قاسم،، الذي اغتيل دون أن يترك وراءه أموالا وعقارا، فيما نحن في عراق الركض وراء الامتيازات والرواتب الخيالية، وتهريب النفط ، ونهب المليارات؛ في عراق لهاث الزعماء، من مختلف المشارب، وراء الراعية الحنون: إيران!!


[ ** الهامش: في نوفمبر 1922 نشر المجتهدون الشيعة الكبار فتوى عن الانتخابات ورد فيها: quot; صدر منا تحريم الانتخاب في الوقت الحاضر لما هو غير خفي على كل باد وحاضر، فمن دخل فيه، أو ساعد عليه، فهو كمن حارب الله ورسوله، وأولياءه، صلوات الله عليهم أجمعين.quot; وإمعانا في فتوى التحريم، صدرت فتوى أخرى تحرم على من ينتخب زوجته وزيارته، ولا يجوز رد السلام عليه، ولا يدخل حمام المسلمين!!!
خاص بإيلاف - 12 أكتوبر 2009