قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

في مقال أخير نشرته إيلاف في قسم جريدة الجرائد لاحظ الكاتب السيد ياسين: quot;لم تنتج المجتمعات العربية -باستقلال عن الغرب- ابتكاراً علمياً واحداً، ولا عالما بارزاً واحداً، ولا تطبيقاً تكنولوجياً عالمياً جديداً، أو حتى منتجاً صناعياً جديداً بشكل تام.quot; ولتفسير هذا الفشل يكفي التذكير بان المصدر الأول للابتكارات يتمثل في الجامعات البحثية والمراكز التابعة لها، وهي مؤسسات لا وجود لها في العالم العربي.

المعروف إن بعض الدول العربية ورثت لدى استقلالها جامعات وطنية في مستوى الجامعات الغربية، إذ تم إنشاؤها في معظم الأحيان بالشراكة مع هذه الأخيرة كما هو الحال بالنسبة لجامعة الخرطوم وباقي الجامعات في دول الشرق مثل مصر وسوريا والعراق. وكان بالإمكان تطوير البحث العلمي بهذه المؤسسات بتحسين المناهج وانتداب أساتذة باحثين وإنشاء مراكز بحثية متخصصة تابعة لها، لكن ما حصل منذ الاستقلال في عقد الخمسينات من القرن الماضي هو العكس تماما، حيث تراجع مستواها وتلقت ضربة قاضية مع محاولات إدارتها على طريقة إدارة باقي مؤسسات القطاع العام الأخرى، بالتوازي مع انهيار المستوى العام للتعليم نتيجة الإهمال ونقص الموارد وسياسات تعريب التعليم، التي أدى إلى انعزال هذه الجامعات عن التطورات العالمية. وهنا فشلت الدول العربية حتى مقارنة بدولة فقيرة مثل الهند التي وجهت جزءا من مواردها المحدودة لإنشاء معاهد تكنولوجية بناء على نموذج quot;معهد ماساشيوسيتس للتكنولوجياquot; الأمريكي، مما ساعدها على تبوئها مرتبة متقدمة في مجال البحوث التطبيقية، وهو ما يفسر بروزها على الساحة العالمية كأحد اكبر الدول المطورة لبرمجيات الكمبيوتر وصناعات الأدوية، على سبيل المثال.

مع انهيار جامعات القطاع العام وانفتاح الدول العربية على العولمة، تم السماح للجامعات الخاصة التي تعتمد المناهج الغربية (حوالي 35 جامعة في مصر و11 في سوريا...). وتم إنشاء مقر جديد للجامعة الأمريكية في القاهرة بتكلفة تفوق 220 مليون دولار. لكن لن يكون بالإمكان التعويل على مثل هذه المؤسسات في مجال البحوث والابتكارات لأنها ببساطة ليست مؤسسات بحثية. ولا خيار أمام الدول العربية إلا العمل على تخصيص الموارد اللازمة لإنشاء جامعات بحثية جديرة بهذا الاسم، كما بدا ذلك بالفعل مع جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا التي تم افتتاحها مؤخرا بالمملكة العربية السعودية.

و قد يكون من المفيد أيضا إنشاء معاهد أو مراكز بحثية متخصصة تركز على الدرجات العليا للماجستير والدكتوراه والبرامج البحثية التطبيقية التي يمكن تمويلها من طرف الشركات الصناعية الخاصة، بناء على نموذج معهد quot;وايتزمانquot; الذي أنتج نوبل الكيمياء لسنة 2009 الإسرائيلية وهو الصرح العلمي الشهير الذي قضى به العالم المصري احمد زويل سنة كاملة كباحث زائر. كما يمكن الاستفادة من نموذج المركز الكوري للعلوم والتكنولوجيا الذي لعب دورا مركزيا في تطوير صناعات وطنية رائدة في في عدة مجالات. ويمكن لهذه المعاهد البحثية العربية الاستفادة أيضا من الشراكة من المناطق الحرة المتخصصة في دبي، مثل مدن دبي للانترنت والبيوتكنولوجي والتعهيد وواحة دبي للسيلكون المتخصصة في تطوير صناعات رقائق الكمبيوتر. لكن وكما أشرت في عنوان هذا المقال توجد إمكانيات أخرى لتطوير الابتكارات والاختراعات من خلال العمل التطبيقي داخل مجمعات تكنولوجية متكاملة بما يسمى (Technological Clusters).

خلافا للمناطق الصناعية (حتى المتخصصة منها) المتواجدة حاليا في الدول العربية، تقوم فكرة quot;الكلاسترquot; على أهمية تطوير شبكة من التواصل بين المؤسسات المتواجدة بنفس المنطقة، بما في ذلك تبادل المعلومات حول أفضل طرق الإنتاج المتبعة والشراكة في مجال تطوير المنتجات، مما يخفض من التكلفة ويعزز العائد. وتساعد البيئة المؤسسية مثل الحاضنات التكنولوجية وشركات رأس المال المغامر (Venture Capital) والجامعات البحثية المتواجدة في الدولة على رفع درجة نجاح هذه المناطق. على سبيل المثال، حسب بعض التقديرات فان نفس الأموال المخصصة للبحوث والتطوير التي تنجح في إنشاء شركة جديدة واحدة في مجال البيوتكنولوجي في فرنسا قد تنجح في إنشاء 5 شركات من نفس المستوى في الولايات المتحدة الأمريكية، أي إن إنتاجية رأس المال في مجال البحوث والابتكارات في أمريكا تساوي 5 اضعاف مستواها في فرنسا! وهو فارق من المهم إن تنتبه له الدول العربية إذا ما أرادت إنشاء مناطق تكنولوجية متكاملة داعمة للابتكارات.

كاتب المقال محلل إيلاف الاقتصادي وخبير سابق بصندوق النقد الدولي
[email protected]