(اذبح المربوط يخاف السايب)
ذكرتني مشاهد العنف الجزائري المصري المتبادل بعد موقعة المريخ، وحالة الرعب والغضب التي تملكت الجميع من الجميع، بقصة المثل الشعبي (اضرب المربوط يخاف السايب)، والمرتبط في أحد تأويلاته بكيفية تربية القرود وتدريبها على الطاعة العمياء لمن يقوم بسحبها في الأسواق لأداء بعض الحركات المحفوظة منذ آلاف السنين، وحتى لا أطيل عليكم في عالم القرود سأسرد عليكم الطريقة، وهي بسيطة للغاية ومكررة بشكل جعلني أتعجب من انخداع طائفة القرود بنفس الآلية طوال تلك السنوات.
وهي كالآتي: يحبس القرد في غرفة فارغة وحيداً، ثم يقوم مدربه بربط أربعة من الحيوانات المختلفة في كل ركن من أركان الغرفة، وفي اليوم التالي بعد أن يألف القرد على النزلاء الجدد، وتنشأ بينهم علاقة صداقة وحميمية، يقوم المدرب بتوجيه حديثه إلى أحد تلك الحيوانات وهو ممسك بسكين، ويأمره بأن يقوم برقصة من رقصات القرود الشهيرة، وبالطبع لن يفعل، فيعيد الطلب فيقوم المدرب (القرداتي يعني) بأدائها أمامه أكثر من مرة، وفي النهاية ونتيجة لعدم فهم الحيوان طلب المدرب، يذبحه أمام عين القرد، الذي يتملكه رعب كامل، ويأخذ في الصراخ. ويقضي القرد ليلته الأولى أمام جثمان صديق الأمس. وتتكرر المأساة في اليوم التالي برقصة جديدة تعلمها القرد من جثة جديدة. وهكذا إلى أن يأتي الدور عليه، وفي هذه اللحظة بالذات يكون الخوف هو المعلم الأول، ويتمكن القرد من القيام بكل ما يطلبه منه مالكه للأبد، ومشهد الدماء والجثث ماثل أمام عينية عندما يسمع أمر سيده، فيصبح قردأ مبدعاً في الرقص، ولكن على دماء الأخريين.
المستفيد الوحيد من هذه المذبحة الجماعية هو السيد، الذي سوف يجني الكثير من رقصات القرد، والأهم أنه قد سيطر كلية عليه مدى الحياة، فقد ترسخ في ذاكرة القرد أن العصيان ثمنه الموت، والغريب أنه لم يمس بسوء مطلقاً، ولكن مفهوم الخوف هو الغالب على تفكيره ليس إلا. فالموضوع كله مجرد خدعة من السيد انطلت عليه وأصبح أسيراً لها لأخر يوم في حياته.
دائماً يوجد مروض للحيوان، يقنعه تماماً بأنه مالك لحياته، ولابد من وجود ضحايا حتى يظل الحيوان طيعاً، الفوضى الدموية هي التي علمت القرد النظام والإنصياع، استمرار الإستفادة المباشرة من قبل سيده. فدائماً هناك فريقين أحدهما يُذبح والأخر يتعلم أن يحافظ على رقبته.
ففي مرحلة ما من تاريخنا العربي كانت مصلحة الأنظمة تجاوز كل الخلافات والاختلافات، والبحث بمنكاش عن أي شئ نتفق عليه، الدين أو اللغة أو القضية، أي شئ المهم أن نظل متوافقين ولو على مستوى الظاهر، توحد وهمي للذات لتحقيق مصالح الهيمنة والقومية. لم يكن الهدف في تلك الأزمة الغابرة أن نُذبح أمام أعيننا، ولكنه ذبح سري نغض عنه النظر حتى لا تؤذينا مناظر الدماء. و لهذا المشروع ضحاياه خاصة من آمنوا به من الجيل المنصرم في القرن الفائت، فما زالوا يؤدون رقصاتهم للآن، تصديقاً في وهم السيادة.
ولكن الأن يبدوا أن الأهداف قد اختلفت، وأصبحت الحقيقة واضحة للجميع، فلم يعد باستطاعتنا التوحد مع رقصاتنا القديمة، و آن لنا أن نغير شكل الأداء. لنكشف عن ملامحنا التي ظلت مختفية لسنوات، فأي حلم أو قومية عربية، تذوب كلوح من الثلج أمام سخونة مباراة تم تضخيمها بما لا يتسق مع الحدث، إلا إذا كانت مجرد أوهام من ماض احتوى أكاذيبنا جميعاً. الحقيقة يا سادة أننا مجتمعات منتجة للعنف والتعصب بجدارة لا ينافسنا فيها أحد، فلم نكن ينقصنا إلا مباراة لتكشف لنا عن مضمون تفكيرنا أمام أعيننا.
فبعد انهيار الوحدة الدينية كاملة نتيجة للإنقاسامات الداخلية المذهبية والطائفية، بين سنة وشيعة، وليس هذا فقط، بل التقسيمات الفرعية لكل مذهب أو طائفة، وكذلك مسلمين و مسيحيين، والمسيحيين والصراع الكنسي الداخلي والخارجي، إنقسام لو تمكنا من رسمه سيشكل خارطة متشعبة الخطوط والأهداف. وكل جماعة أنتجت لنفسها فريقاً ينتج نفسه فقط بعيداً عن الأخريين. وبالتالي انكشفت البنية الحقيقية المشكلة لأفكارنا التي تعتمد على الثنائية وهدم الأخر.
ثم تأتي مرحلة التقسيمات العرقية، داخل كل حدود منفصلة، لتفضح بقية أجزاء مسلسل الانهيار، لتكتمل الرؤية بإنقسام نهائي، كان في سبيله للوضوح، بزوال صرح وهمي أخير يسمى وهم العروبة والصراع على الهوية القومية.
المشكلة ليست في مباراة أو عدم تأهلنا لكأس عالم، لم نكن لنجني منه شيئاً، ولكن المأساة قد اكتملت بتلك الهشاشة العربية، ويظل للسيد دوره أن يذبحنا واحد تلو الأخر، كلاً في دوره، حتى يحصل على المطيع الأوحد، ذلك المنتظر المبشر بالخوف الأبدي.
فالحقيقة نحن ضحية ثقافتنا الخاصة، ثقافة أنتجت ثنائيات في الوعي، فلو لم يكن الاختلاف موجود لأخترعناه، لنظل نرقص للنهاية على دماءنا. والمستفيد الوحيد سيد وهمي قابع في خيالنا.

[email protected]. co. uk