قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مع تصاعد وتيرة الأحداث الطائفية وحدتها في مصر منذ أحداث الخانكة 1972 وحتي جرائم فرشوط 2009، أصبح السؤال هو: هل انتشار هذه الأحداث الطائفية في بر مصر يهدد (التماسك الاجتماعي) في العمق، أم أنها دليل علي أن النسيج الاجتماعي الواحد قد تحلل بالفعل؟...

المزج بين المقدس والمدنس

عمدت المؤسستان الدينية والسياسية منذ السبعينيات من القرن العشرين إلي quot;تديينquot; كل شئ في المجتمع المصري، عن طريق تحويل quot;أنصاف الاعتقاداتquot; عند الناس إلي quot;اعتقادات تامةquot;، ومن ثم صار الميل إلي تطبيق التصورات الدينية، في جميع الأوقات وعلي كل الأشياء، مظهراً عميقاً لحياة التدين والقداسة.

على أن هذا الميل نفسه، بصفته ظاهرة ثقافية، أنطوي على أخطار لا حصر لها، نظراً لان الدين ينفذ في داخل كل ما في الحياة من علاقات، ما يعني مزجا متواصلا لمضماري المقدس والمدنس، بحيث أن الأشياء المقدسة أصبحت أكثر انتشاراً من أن تدرك وتحس بعمق. ويدل التنامي الذي لا حد له للمحرمات والتابوهات وانتشار الفتاوى والتفسيرات الدينية على زيادة في quot;الكمquot; علي حساب quot;الكيفquot; نفسه، وهو ما جعل الدين مثقلاً أكثر مما ينبغي، بينما تراجعت القيم الأخلاقية ndash; بشهادة الجميع - إلي أدني مستوي لها.

وسط هذا المناخ المشبع بالحساسية الدينية أو قل الهوس الديني، ينعدم التمييز بين التقوى الحقة والمظاهر الدينية، بين الأشياء الروحية والأشياء الزمنية، فإن أمكن رفع جميع تفاصيل الحياة اليومية quot;العاديةquot; إلى مستوى (مقدس)، فإن كل ما هو (مقدس) وبالقدر نفسه يغوص منحدراً الى مستوى الأشياء العادية، بحكم اختلاطه بالحياة اليومية. وكأن الخط الفاصل بين الأشياء الروحية والزمنية يكاد أن ينعدم، وعندئذ تختلط شهوة الاستشهاد والشهادة بشهوة سفك الدماء، وتصبح الجماهير والعامة لديها قابلية شديدة للثوران فجأة، إلى درجة لا مثيل لها من الانفعال الديني، تلبية لكلمة متحمسة تصدر عن واعظ هنا، أو إشاعة مغرضة من خطيب هناك، وهو ما حدث ويحدث مع كل فتنة طائفية في مصر.

الخلط بين الخاص والعام

لكن انعدام هذا الحد الفاصل بين الأشياء الروحية والزمنية، أدي من ناحية أخري إلي ما سماه الدكتور وحيد عبدالمجيد بالخلط بين (الخاص والعام) الذي نري إفرازاته في ظواهر متعددة من بينها مشكلة انتشار الرموز والشعارات الدينية، فضلا عن الزي الديني (التمييزي) في الشارع المصري، وهو نوع من التمييز ليس بين المسلمين والأقباط فقط، وإنما بين المسلمين أنفسهم، خاصة quot; النقاب quot;، وهي quot; ليست قضية دينية ولا حقوقية، علي حد قول عبدالمجيد، وإنما هي قضية ترتبط بالأزمة المجتمعية الراهنة في مصرrlm;، فقد ضعف النظام العام الذي اخترقته مصالح وأهواء وقيم خاصةrlm;.rlm;
واضطربت العلاقة بين المجال العام الذي يفترض أن يكون فيه حد أدني من التوافق علي مقومات وقيم وسلوكيات مجتمعيةrlm;، والحيز الخاص سواء علي المستوي الفردي أو علي صعيد الفئات والشرائح والمجموعات الاجتماعية المختلفةrlm;.rlm; لم يعد النظام العام ضابطا لإيقاع المجتمع ومنظما للتفاعلات فيهrlm;.rlm; طغي الخاص علي العامrlm;،rlm; ليس فقط في الاقتصاد والمال والتجارة وعالم الأعمال وإنما أيضا في مختلف التفاعلات المجتمعيةrlm;.rlm;

ومثلما اخترقت مصالح اقتصادية خاصة المجال العامrlm;،rlm; كما يؤكد عبدالمجيد، حدث ذلك علي المستوي الثقافي والقيمي والعقائديrlm;.rlm; فالمصالح ليست مادية فقطrlm;،rlm; بل معنوية وقيمية أيضاrlm;.rlm;.. وعندما تنظم هذه العلاقة، سيتضح أنه لا يحق للفرد أو لأية فئة الخلط بين الحيز الخاص والمجال العام وفرض ثقافة أو قيم أو سلوكيات أو أنماط حياة معينة علي المجتمع بأكملهrlm;.rlm;quot; (1).
أهمية كلام عبدالمجيد أنه يصب في مفهوم العقد الاجتماعي Social contractrdquo; ldquo;و المواطنة مباشرة، لأن ما يحدث الآن، ومنذ عقود ثلاثة، في المجتمع المصري لا يدخل في باب الحريات العامة أو الشخصية، وإنما هو تفريغ لهذا quot; العقد quot; من مضمونه، ليبقي شكليا أو صوريا فقط، وتفكيك لفكرة quot;الوطنquot; بضرب مفهوم المواطنة في مقتل. إذ أنه بموجب هذا quot;العقد الاجتماعيquot; وبناء على شروطه، يدخل كل شريك (أي كل مواطن) في علاقة مزدوجة: علاقة مع الأفراد الآخرين تتعين بموجبها الحقوق المدنية، وعلاقة مع هيئة السيادة نفسها (الدولة)، تتحدد بموجبها الحقوق السياسية، وتفرض هذه العلاقة المزدوجة التزامات متبادلة. إن الميثاق الأساسي في أي نظام اجتماعي، كما أبان quot; جان جاك روسو quot;، لا يقضي على المساواة الطبيعية بل أنه على العكس يقيم مساواة معنوية وشرعية لما استطاعت البيئة الطبيعية أن توجده من تفاوت بين الناس، فيصبحون كلهم متساوين بالعهد الذي عقد فيما بينهم، وبحكم القانون، ولو أن بينهم تفاوتًا في القوة أو في الذكاء وتفوق المواهب.(2)
أما laquo;مونتسكيوraquo; في كتابه laquo;روح القوانينraquo; أو الشرائع - Esprit des Lois، فقد ربط فكرة الوطن بمفهوم المساواة، المساواة في الحقوق، والمساواة أمام القانون، أو قل laquo;المساواة السياسيةraquo;، ولذلك كان حب الوطن أو حب المساواة فضيلة سياسية. أي أن المساواة السياسية بهذا المعنى مقدمة لازمة وشرط ضروري للمساواة الاجتماعية (وليس العكس).)3)
ويمكن القول أن الوطنية هي التحديد الأخير لمواطن دولة ما، وهو تحديد لا ينفي أو يلغي عن هذا المواطن انتماءه الأثني أو اللغوي أو الديني أو المذهبي hellip; ولكنه ينفي أن يكون هذا الانتماء laquo;ما قبل الوطنيraquo; هو ما يحدد علاقته بالدولة، ويعين من ثم حقوقه التي هي واجبات الدولة، وواجباته بما هي حقوق الدولة وحقوق المجتمع.

الهوامش:
1- عبدالمجيد (وحيد): quot;النقاب والمجتمعrlm;..rlm; أزمة العلاقة بين الخاص والعامquot; جريدة الأهرام ، 27 أكتوبر 2009.
2- روسو (جان جاك): العقد الاجتماعي أو مبادئ القانون السياسي، ترجمة: بولس غانم، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1972، ص 33 و36.
3- مونتسيكو: روح الشرائع، ترجمة: عادل زعيتر، دار المعارف بمصر، 1953، المجلد الأول، الجزء الأول، ص 16و17.

[email protected]