قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مع انتقال عدوى الأزمة المالية إلى مختلف الأنشطة الاقتصادية، من الواضح إن الاقتصاديات العربية سوف تواجه كغيرها الانعكاسات السلبية لانخفاض الصادرات إلى الدول المتقدمة والسياحة، بالإضافة إلى انخفاض تمويلات الأسواق العالمية سواء لتمويل التجارة الخارجية أو الحكومات والقطاع الخاص في الدول النامية. ويعني هذا انخفاض نسبة النمو الاقتصادي في معظم الدول العربية غير النفطية وربما حتى نمو سالب في بعضها. أما بالنسبة للدول النفطية فما يحصل هو إما عملية تصحيحية في الدول التي عرفت نموا سابقا غير طبيعي ndash;فقاعة القطاع العقاري في دبي مثالا ndash; أو هو انكماش محدود لنسبة النمو، كما جاء في تقرير صندوق النقد الدولي الأخير عن المنطقة، خصوصا وأن الدول النفطية لها الموارد الكافية لتجنب انهيار الإنفاق المقرر في الموازنات الحكومية، ومن غير المرجح أن تنزل أسعار النفط خلال هذه السنة إلى مستوى يهدد هذه الموازنات.
اما بالنسبة للدول العربية غير النفطية ndash; ومع اهمية التحديات التي يمثلها انكماش النمو ndash;، يبقى الخطر الأكبر ndash; في تقديري - اتخاذ قرارات خاطئة من أهمها:
أولا: تخفيض أسعار المواد المدعومة، أي أسعار الغذاء والبنزين، بدعوى انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية، إذ ما زالت هذه الأسعار في معظم الحالات دون مستوياتها العالمية. ومن المهم التنويه أن دعم الأسعار هي بالأساس سياسة غير ناجعة تصب في مصلحة مستهلك البضاعة - غالبا الطبقات المرفهة نسبيا والسياح الأجانب -، كما يؤدي الدعم إلى عمليات تهريب واسعة إلى الدول المجاورة حيث الدعم اقل، وكل هذا يؤدي إلى زيادة عجز الموازنات الحكومية.
ثانيا: الزيادة غير المبررة في نفقات الحكومة أسوة ببرنامج الإدارة الأمريكية الجديدة. فالإنفاق الحكومي مرتفع نسبيا في الدول العربية، ويصل إلى 40% من الناتج المحلي الاجمالي في الأردن، 32% في تونس و28% في كل من المغرب ومصر، ومزيد الإنفاق سوف ينعكس على عجز الموازنة ويؤدي إما إلى تضخم أو زيادة الدين العام (الداخلي والخارجي). والدين الخارجي مرتفع حاليا، إذ يبلغ 51% من الناتج المحلي الإجمالي في الأردن و50% في تونس. ولا نرى مبررا لمزيد الاقتراض حتى في الدول الأقل دينا.
ثالثا: تخضع الحكومات العربية حاليا للمطالبة بالمزيد من حماية البنوك المحلية من المنافسة بدعوى التصدي إلى التقلبات الخارجية والفشل المزعوم للعولمة المالية. وهذا خطا فادح عندما ندرك ما للخدمات المالية من أهمية للاقتصاد. وجود البنوك الأجنبية في الدول النامية يرفع النسبة السنوية للنمو الاقتصادي فيها بنقطة مئوية كاملة، حسب بعض التقديرات، ومضاعفة القروض المصرفية للقطاع الخاص كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تزيد من نسبة النمو الاقتصادي بحوالي نقطتين مؤويتين. وهذه مزايا كبرى من المهم أخذها بعين الاعتبار عند رسم إستراتيجية التنمية الاقتصادية المستدامة في الدول العربية.
مع تلافي الإجراءات الخاطئة المنوه لها أعلاه، توجد في المقابل إجراءات من شانها التقليل من الصعوبات المتوقعة نتيجة الأزمة العالمية ومن شانها أيضا تعبيد الطريق للتنمية المستدامة في دولنا، ومن أهمها: (1) تجميد أية زيادة للأجور خلال هذه السنة كمساهمة من القوى العاملة في إيجاد أيسر السبل للخروج من الأزمة، (2) رسم برنامج متكامل للتخفيض التدريجي لنسبة الضريبة الجمركية على الواردات وعلى دخل الأفراد والشركات، مع بدا التطبيق بصفة تدريجية وعلى مدى 3 إلى 5 سنوات، (3) فتح المجال أمام القطاع الخاص المحلي والأجنبي للاستثمار في البنية التحتية (الطاقة ndash; بدءا بالطاقة المتجددة - والطرقات السريعة والموانئ والمطارات والسكك الحديدية...). في دولة مثل التشيلي كل هذه الأنشطة يتم تمويلها من القطاع الخاص ولا داعي أن تتحمل موازنات الحكومة مثل هذه الأعباء في الدول العربية، و(4) تشجيع استثمار القطاع الخاص في التعليم بما فيه التعليم العالي والتقني. القطاع الخاص يمول قرابة ثلثي التعليم العالي في كوريا الجنوبية وماليزيا، وفي تركيا سمح قانون المؤسسات الجامعية بإنشاء أكثر من 30 جامعة خاصة ذات مواصفات عالمية، وفي البرازيل تقوم المؤسسات الصناعية الكبرى بإنشاء معاهد تكنولوجية تابعة لها لتخريج المهندسين بهدف دعم مجهود الحكومة في هذا المجال. وبإمكان رجال الاعمال العرب أن يقوموا بنفس الدور لولا العراقيل الحالية التي تحول دون ذلك.
و يبقى العامل الحاسم في مواجهة الأزمة الحالية تحسين بيئة الإعمال، إذ مازالت تقارير البنك الدولي تشير إلى وجود عراقيل كبيرة على هذا المستوى في الدول العربية غير النفطية، حيث تأتي تونس في المرتبة 73 عالميا تليها لبنان (مرتبة 99)، الأردن (101)، مصر (114)، المغرب (128)، الجزائر (132)، سوريا (137)، السودان (147) والعراق في المرتبة 152 (المرجع: www.doingbusiness.org). مثل هذه الإصلاحات ضرورية حتى لو لم تحدث الأزمة الحالية وإقرارها في هذه المرحلة المتأخرة سوف يرسل مؤشرا هاما على عزم الدول العربية في مجال الإصلاح الاقتصادي وسوف تكون له آثار ايجابية هامة على المدى الطويل.

كاتب المقال محلل إيلاف الاقتصادي وخبير سابق بصندوق النقد الدولي بواشنطن
[email protected]