قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مخاوف وتساؤلات:
أشرنا في المقال السابق إلى تعدد الاجتهادات الأميركية حول العلاقات مع طهران، والآمال الرائجة عن انفراج في العلاقات لو فاز خاتمي.
فرنسا وبريطانيا وألمانيا حائرة كما يبدو حول نوايا إدارة أوباما، وهي، كما نشرت تقارير صحفية، تتساءل ما إذا سيكون الحوار بلا أية شروط مسبقة، أي خلافا لموقف الدول الغربية الأوروبية، التي تشترط وقف التخصيب مقابل حزمة من الإغراءات الاقتصادية والتجارية والفنية؛ وثانيا، هل لهذه الاتصالات سقف زمني محدد؟ وثالثا هل ستكون النتيجة صفقة انفرادية تضعف وحدة الموقف الغربي، أم لا؟ أما الأستاذ عبد الرحمن الراشد، فيتساءل، بمناسبة تعيين دينيس روس هل سيحقق الرجل معجزة سياسية عجز عن تحقيقها خمسة رؤساء أميركيين، حكموا ثلاثين سنة، أم سيتوصل لصفقة تورط المنطقة بالمزيد من الهيمنة الإيرانية، وبالتالي تراجع القوة الأميركية، وتهديد دول المنطقة وما ستتبعها من حروب؟!
إن وسائل الإعلام الغربية، لاسيما اليسارية، تواصل ذكر خاتمي باعتباره الإصلاحي المعتدل، القادر على حل مشاكل إيران مع العالم. خاتمي ليس مؤكدا نجاحه، ومع ذلك، يبدو أن الإدارة الأميركية ستنتظر النتائج الانتخابية في حزيران، أي ضياع وقت ثمين، يمكّن إيران للمضي قدما في مشروعها النووي، خاصة وإن محطة بوشهر تشتغل للتو، كما ستتمكن إيران من مواصلة نشر الفوضى والعنف في المنطقة، وتخريب مساعي السلام في القضية الفلسطينية.
والآن، فلو فاز خاتمي، فهل سيكون قادرا، حتى لو أراد حقا، على إجراء تنازلات إيرانية كبرى كوقف التخصيب وقفا تاما، ووقف دعم الإرهاب؟
لقد كانت إدارة بيل كلينتون قد حسمت موقفها من العلاقات الثنائية، فقال عام 1995، أي فترة رئاسة رفنسجاني quot; البرغماتيquot;، إن شروط المفاوضات والعلاقات هي انفكاك إيران عن البوسنة، حيث كانت الحرب، وحل فيلق القدس الإرهابي، الذي كان يتدخل في البوسنة، مثلما في منطقتنا بتجنيد إرهابيين، وتنفيذ العشرات من العمليات الإرهابية. لم يكن الموضوع النووي ساخنا بعد، بل تحول لمشكلة دولية منذ 2002، ومن هنا نجد كلينتون أكثر صرامة وحسما في الموقف من إيران، فقد اشترط، كشرط حاسم قاطع، وقف التدخل الإيراني الإرهابي خارج إيران، بل وطالب بحل وحدة التدخل الإرهابية المسماة بفيلق القدس، الذي من الصدف أن يرأس ممثلها أحمدي نجاد رئاسة الجمهورية اليوم.nbsp;

عقدة العلاقات الأميركية ndash; الإيرانية:
إن أحداثا جديدة تزيد من الأهمية التي يعقدها اوباما على الاتصالات بإيران: الأول زيارة شرودر، المستشار الألماني السابق، لطهران، ودعوته إيران لقبول الحوار مع أميركا؛ الثاني هو تعيين دينيس روس مستشارا لوزيرة الخارجية الأمريكية لمنطقة الخليج وغرب آسيا، وحيث ستكون القضية الإيرانية عقدة القضايا، ونعني خاصة الموضوع النووي. دينيس روس كان قد كتب في 2008 مقالا حازما في موقفه من إيران، ومن رأيه أنه يجب قرن الجزرة بالعصا الغليظة في الحوار، ويردد هذه الأيام أن أميركا تريد quot;اختبار النوايا الإيرانيةquot;، وأن أميركا لا تخسر شيئا من ذلك. لكن هنا نسأل: هل هذه النوايا كانت خافية حتى اليوم؟ وهل خفيت خلال السنوات الماضية على مجلس الأمن ومنظمة الطاقة ومجموعة 5 +1 ؟ وهل لن تكون عملية quot;الاختبارquot; لو تأخرت حتى الانتخابات، ولو طالت، مضيعة لوقت ثمين، أي إذا لم تبدأ الاتصالات حالا وبسقف زمني قصير الأمد؟ على كل حال،nbsp; فالأنباء تتحدث عن استياء إيران من هذا التعيين، كما غضبت وكالة الأنباء الإيرانية من حذف كلمة [ فارسي] من بيان الخارجية الأميركية، إذ وردت كلمة [الخليج] وليس [الخليج الفارسي]، نقول بالمناسبة إن إصرار نظام ولاية الفقيه على كلمة [الخليج الفارسي] تعبير عن نزعته التوسعية، كما يعبر عنnbsp; العنصرية الفارسية، حين يصر على [فارسية] بدلا من [إيرانية]، ثم لم لا يسمى الخليج الفارسي ndash; العربي؟ أو الخليج الإسلامي مثلا؟

إنnbsp; العلاقات الأميركية الإيرانية عرفت الحرارة والعداء، وظلت عقدة ساخنة في السياسة الخارجية الأميركية منذ انتصار الخمينية. إن أميركا ساندت الشاه، ثم انقلبت عليه زمن كارتر، وعشية عودة خميني لطهران انعقد في الأول منnbsp; شهر يناير في غواديلوب، [الملتهبة اليوم]، اجتماع حضره كارتر وجيسكار دستان وهيلمت كول ورئيس الحكومة البريطانية، جيمس كالاهان. شارك في الاجتماع صادق طباطبائي مبعوثا من خميني حين كان في باريس، ويبدو أن نهاية النظام اعتبرت لدى المجتمعين أمرا منتهيا، ومع اشتداد المظاهرات الإيرانية، أرسل كارتر الجنرال هويزر للضغط على قادة الجيش الإيراني بعدم التدخل ضد المظاهرات، كما ان مدير الأمن القومي الأميركيnbsp; آنئذnbsp; بريجنسكي، فقدnbsp; كان مع حلول نظام إسلامي لا علماني محل نظام الشاه، معتبرا أن ذلك ضروري لمواجهة النفوذ السوفيتي في أفغانستان، فانقلب السحر على الساحر! أما في باريس، فقد كانت علاقات خميني، من خلال مساعديه ومستشاريه، مستمرة بسفارات أميركا وبريطانيا وألمانيا الاتحادية، ولكن هذه الاتصالات الودية لم تمنع نظام آية الله من خطف موظفي السفارة الأميركية وحجزهم لمدة 444 يوما، ولا من تفجير السفارة الأميركية في بيروت عام 1983، والذي نفذته عناصر فيليق القدس مع عناصر من حزب الدعوة العراقي.
إن الحرب العراقية ndash; الإيرانية، التي أشعلها صدام بتشجيع غربي غير مباشر كما يبدو، قد زاد من خصومة إيران لواشنطن، لكن هذا لم يمنع quot; إيران غيتquot;!!

خاتمي في السياسة الخارجية:
كان خاتمي أول رئيس إيراني يقوم بزيارات مستمرة للخارج، وخطب مرتين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وترأس المؤتمر الإسلامي الذي انعقد بفضل تحركاته في طهران بعد أن أعاد علاقات إيران بعدد من الدول العربية والإسلامية. كان يكثر من الحديث عن quot;حوار الحضاراتquot; ولذا اختارته الأمم المتحدة عضوا في quot;تحالف الحضاراتquot;، واستدراكا، نلاحظ أنه سبق للأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو أن أعارتا منذ الثمانينات أهمية استثنائية لما يعرف بحوار الحضارات، وكانت اليونسكو قد خصصت برنامجا رئيسيا أساسيا لهذا الموضوع، وانعقدت عنه العشرات من الندوات خلال الثمانينات والتسعينات بمشاركة ممثليnbsp; مختلف الأديان. لكن، هل أسفر كل ذلك عن حوار حقيقي بعد كل تلك السنوات؟ نشك في ذلك، خصوصا مع صعود مد الأصولية الإسلامية والثورة الإيرانية وبروز القاعدة وطالبان، علما بأن أصوليات دينية أخرى غير مقتنعة بأي حوار حقيقي وجادnbsp; ومثمر.
خطى خاتمي خطوة مهمة نحو أميركا حين اعترف بخطأ حجز السفارة الأميركية، ومقابل ذلك اعترفت وزيرة الخارجية عهد ذاك أولبرايت بخطأ التدخل الأميركي السابق، أي زمن الشاه، في الشؤون الإيرانية، ووفقا لكتاب quot; أغاني الملاليquot;، فإنه أجرى أيضا اتصالات غير مباشرة مع إسرائيل في حين انعقد في طهران مؤتمر ضم منظمات تريد محو إسرائيل، فأي تناقض! كما أنه سافر لموسكو لإقناعها بتشكيل محور يضم موسكو وبكين وإيران لمواجهة النفوذ الأميركي في آسيا الوسطى ومنطقة بحر قزوين!
تلك كانت حدود سياسته الخارجية وتناقضاتها. أما في الموضوع النووي، فإنه كان قائما في عهد ولايتيه، وإن كل الطبقة السياسية والدينية في إيران تصر على المشروع النووي، ومن الوهم تصور غير ذلك. نضيف أن الباسداران ووحدة القدس واصلتا التدخل في المنطقة في عهد ولايتيه، ومع أن خاتمي كان مع إسقاط صدام، فإن التدخل الإيراني في العراق تواصل وتفاقم واستفحل منذ سقوط نظام صدام عام 2003، أي في عهد خاتمي نفسه، مثلما تواصل تدخل وحدة القدس الإرهابية في لبنان وفي أرجاء المنطقة.
هكذا نرى محدودية سياسة خاتمي لوnbsp; فاز، وإن لم يكن فوزه مؤكدا.
إن خاتمي، وأي quot; إصلاحي، آخر يكون في الحكم، خاضعونnbsp; لدستور ولاية الفقيه، وإن خيوط السلطة الأساسية في أيدي خامنئي وابنه مجتبى ومؤسسته، ومعهم الباسدارن وكل القوى العسكرية غير النظامية، وخاتمي تلميذ أمين لخميني. ربما لو حكم quot;الإصلاحيونquot; فقد يقومون ببعض الانفتاح الداخلي ولكن في حدود النظام، ومهما كانت الخلافات والصراعات بين مراكز القوى السياسية والدينية، فإن الحسم يظل في أيدي خامنئي، كما بيناnbsp; في المقال الأول، وما جرى في عهد خاتمي في السياسة والإجراءات الداخلية.

نقاط خلاصة:nbsp;
أرى أنه مهما حاولت إدارة أوباما فإنه ستعود لا محالة لنفس إستراتيجية بوش والاتحاد الأوروبي فيما يخص إيران، والنووي بالذات. قد يضيع وقت ثمين في اتصالات يتقن فيها الملالي فن اللعب والمناورة والتسويف، وكسب الوقت، فهم أساتذة في ذلك؛ نعني وجوب تشديد العقوبات لو لم يوقف التخصيب حالاً وفرض العزلة الاقتصادية والدبلوماسية على إيران..
nbsp;إن الثوابت الأميركية يظل محورها الأمن القومي، وما يعنيه من منع الدول الشمولية والعدوانية من امتلاك السلاح النووي، ومن هذه الثوابت ضمان تدفق نفط الخليج، وأمن إسرائيل. أما إذا تمت صفقة انفرادية خارج موقف أوربا الغربية، فقد يؤدي ذلك لكوارث كبرى في المنطقة، ولإلحاق الضرر البالغ بأمن أميركا نفسها، ولكننا لا نرجح هذا الاحتمال خصوصا مع تعيين دينيس روس.
مهما يكن، فإن مخاوف الدول الغربية الكبرى، لاسيما فرنسا، تتكرر بصيغة وأخرى، وصراحة أو إضمارا، ونقول إن اختبار النوايا مع العدو تكتيك صحيح إذا لم تكن النوايا قد اختبرت من قبل عشرات المرات قولا وفعلا، آملين أن لا تغلب الأوهام المثالية على معطيات الواقع المعقد والمر!