قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

nbsp;الديمقراطيات هي المنتصرة في نهاية المطاف، ولكن بعد انتكاسات أو هزائم مرحلية أمام الأنظمة والتيارات والمنظمات الشمولية.
لقد صمدت الديمقراطيات الغربية ثم انتصرت في وجه الهتلرية والفاشية في إيطاليا واليابان، ولكن بعد سلسلة من المتاعب ومواقف التراجع، كاتفاقية ميونيخ، و المصير نفسه حدث للاتحاد السوفيتي وكتلته برغم التباين الجوهري بين النظامين السوفيتي والهتلري، وإن اتفقا في حمل إيديولوجيا مغلقة، توسعية، تكره الديمقراطية والتعددية. ربحت ألمانيا الشرقية معركة جدار برلين بتراجع الغرب، والقبول بالأمر الواقع، مع أن بناء الجدار كان انتهاكا للاتفاقيات والمعاهدات المبرمة والقانون الدولي.
لقد أصدر المفكر الفرنسي الليبرالي الراحل جان فرانسوا ريفيل كتاباً عام 1983 بعنوان quot;كيف تنتهي الديمقراطياتquot;، محللا فيه مواقف الدول الغربية خلال الحرب الباردة وما دعي بفترة الوفاق. في الكتاب يشبه المؤلف الموقف بسباق كرة بين فريقين، السوفيت والغرب، وفي المواجهة يتعمد الفريق الغربي عدم تجاوز الخط الوسط لتكون النتيجة هي التعادل. أما الاتحاد السوفيتي، فكان يعتبر التعادل خسارة، فإما الفوز أو الخسارة.
في تلك العهود استغلت الكتلة الشيوعية الديمقراطية نفسها لابتزاز دولها وانتزاع المكاسب منها، ذلك لأن الديمقراطية الغربية، بحكم كونها ديمقراطية وتعددية، معرضة للانتهاك وسوء الاستغلال، داخليا وخارجيا؛ فوجود الأحزاب المختلفة، ومنها اليسارية، ومنظمات حقوق الإنسان، ودعاة السلام، وحرية الصحافة، واستقلالية القضاء، وتعدد المصالح والتيارات؛ كل هذا يجعل أعداء الديمقراطية قادرين على اختراقها، كما يفعل الإسلاميون اليوم في الغرب، وفي بريطانيا خاصة.هنا يستطيع أكثر المتطرفين الإسلاميين حقدا وتشددا أن يجدوا محامين ومنظمات quot;إنسانيةquot;، وساسة، وقضاة، يسمحون لهم بالتحرك وبث دعاية الكراهية، باسم حرية التعبير، وحرية التظاهر. إن المظاهرة الحقيرة التي قام بها في بريطانيا مؤخرا فريق من حثالة الإسلاميين ضد الجنود العائدين من العراق وضد أسرهم، ليست فقط انتهاكا للديمقراطية، بل وهي عدوان على الضمير البريطاني؛ وأضيف عدوان على الشعب العراقي نفسه، الذي ساهمت القوات البريطانية في حفظ أمنه وسلامة بلاده.
nbsp;في عهد الحرب الباردة استطاعت الدعاية السوفيتية أبلسة الغرب كله، وتلميع الأنظمة الشيوعية وممارساتها. كان مما يمكنها من ذلك تفرق المواقف الغربية أحيانا، أو ترددها خوفا من اشتعال توتر دولي خطير، مع أن التوتر كان قائما بالفعل السوفيتي نفسه، وكان للدعاية السوفيتية صداها داخل الغرب نفسه، من يسار ومنظمات وحركات سلام ودعاة نزع التسلح. كانت حركات السلام تستهدف الغرب وحده، وأميركا خاصة، وكذلك دعوات نزع السلاح، بينما كان ينظر للاتحاد السوفيتي وحماته كدعاة سلام وحماة حقوق الشعوب. لقد مر الغزو السوفيتي لأفغانستان بلا ضجة دولية تناسب الحدث؛ أما حرب فيتنام، فقد أشعلت الاحتجاجات عالميا وداخل الولايات المتحدة نفسها، بل هناك في الولايات المتحدة أكثر من غيرها. في أفغانستان لم يكن السوفيت يسمحون للصحافة بنقل الصور والمشاهد، في حين لعبت الصحافة والتلفزيون دورا أساسيا في تبشيع حرب فيتنام ومناهضتها والمطالبة بالانسحاب الأميركي. إن المفارقة الواجب ملاحظتها أن حرب فيتنام اشتعلت بسبب غزو فيتنام الشمالية للجنوب، فهب الأميركيون لنجدة الجنوب، ولكن هذه الحقيقة جرى تناسيها تماما في الضجة الإعلامية والسياسية الكبرى عهد ذاك. نذكر أيضا أن العدوان الإسرائيلي على بيروت أحدث رد فعل كبيرا ومبررا، أما مجازر حماة فقد مرت شبه منسية.
شيء قريب من هذا يحدث أمامنا اليوم. القاعدة وطالبان اعتدوا على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر، فرد بوش بحرب عادلة، ولكن أوساطا واسعة في العالمين العربي والإسلامي، وفي أوساط اليسار الغربي، اعتبروا أن المذنب هو أميركا وشخص بوش، ووصفوا بوش بداعية حرب، وها نجد اليوم اتجاها للتفاوض حتى مع ملا عمر نفسه، وكأن الحوار معه سيجعله يتخلى عن أيديولوجيته الظلامية، العدوانية، ونزعة الهيمنة، وسيقبل بالانخراط السياسي السلمي بلا ثمن غال جدا يدفعه الغرب وكرازي! وكما يلاحظ خبراء أميركيون، فإن الوضعين العراقي والأفغاني مختلفان تماما، ومن كل النواحي، تاريخيا، وسياسيا، وقبليا، وتركيبا اجتماعيا، وما حدث مع مجالس الصحوة لا يمكن تطبيقه في أفغانستان، خصوصا وطالبان على أبواب العاصمة كما تنقل الأنباء.
نحن اليوم في موسم الاندفاع الغربي للحوار مع الأنظمة والجماعات الشمولية الإسلامية: من إيران، لحماس، فحزب الله؛ أي ثمة اتجاه لتقديم مكافآت سخية لهذا الطرف أو ذلك مقابل أن لا يعتدي على غيره، وأن لا ينتهك القانون الدولي، أو أن لا يهدد، في حالة إيران، العالم بقنبلة نووية وصواريخ بعيدة المدى، وكما يكتب طارق الحميد، وهو على حق، فيبدو أننا في موسم الحوار من أجل الحوار في اندفاع غربي ملحوظ، وبلا تمييز في الحالات، واختلاف حالة عن أخرى. فهل هي سياسة quot;لا نقدر عليهم فلنكافئهم؟!quot;، أم الوهم بأن الجلوس مع الشموليين سيحولهم إلى ملائكة أبرار؟! أم هو الخلط بين حوار غربي ndash; غربي، في الداخل أو الخارج، وquot;حوار بين ديمقراطية غربية ومن يريدون قتل الديمقراطية؟ ترى أي وهم يسوق أوباما لإعطاء مجرمي غوانتينامو وضع أسرى حرب تنطبق عليهم اتفاقية جنيف، بينما هم ليسوا غير قتلة للأبرياء بالجملة؟! كيف سيفسر القاعديون وطالبان، بغير الضعف، هذه الحملة المشتعلة ضد إدارة بوش بسبب غوانتينامو، مع أنه لم يثبت حدوث أية حالة تعذيب، إلا ما لفقه بعض الخارجين من المعتقل بمساعدة محامين ومنظمات يسارية غربية؟ كيف يريدون توزيع هؤلاء المجرمين الخطرين على دول غربية أخرى، وما يفترضه ذلك من اتصالات بالخارج، واختلاط ببقية السجناء المسلمين إن وجدوا؟، [ في فرنسا يشكل السجن والمسجد المكانين الملائمين لتجنيد الإرهابيين.] كيف يفسر خالد مشعل هذه الوفود الأوروبية المقبلة عليه في دمشق بغير مأزق الغرب، وبغير اضطرار الغرب للاعتراف بدور أساسي له، وهو ما سيجعله يشدد في المطالب مع فتح ويتعنتر عليه ويتعفتر؟!
هل نحن أمام التخلي عن سياسة القوة المقترنة بتقديم بعض الحوافز؟ أم لا يزال الغرب، وأوباما بالذات، مع سياسة العصا الغليظة والجزرة؟ لغز عندنا، وقد لا يكون لغزا!!
لا شك في أن الأزمة المالية والاقتصادية العاصفة تقيد لحد كبير أيدي الدول الغربية، وأميركا بالذات، ولا شك أن الشعب الأميركي بات يتساءل عن عواقب صرف مئات المليارات في العراق وأفغانستان، وعن أسباب بقاء بناتهم وأبنائهم في البلدين، والخسائر البشرية الفادحة. هذا صحيح، وصحيح أيضا أن انهيار الوضع في العراق وأفغانستان، أو امتلاك إيران للقنبلة quot;الإسلاميةquot;، سوف يرتد مباشرة بالويلات على الأمن الأميركي، وسلامة الشعب الأميركي، وهذا ما لا يمكن أن يغيب عن أكثريته، لاسيما إن وقعت عمليات إرهاب كبرى جديدة في الولايات المتحدة، أو دول غربية أخرى.
nbsp;الموضوع يتسع للمزيد وقد نعود إليه.